بورصة نيويورك
بورصة نيويورك

بقلم جمال أبو الحسن/

إليك هذه القصة:

تخيل أن هناك مجموعة من عشرة أشخاص في مكان معزول. لكي يبقى الشخص على قيد الحياة يحتاج إلى خمس وحدات من شيء ما، وليكن حبة دواء. ما هو متوفر لدينا هو 40 حبة. ما الفعل الأخلاقي السليم في هذه الحالة؟

من الواضح تماما أن توزيع حبات الدواء بالتساوي سيكون من شأنه هلاك المجموعة عن بكرة أبيها. في هذا المثال يبدو واضحا أن توزيع الموارد بالتساوي يقود إلى كارثة محققة!

التصرف المنطقي هو توزيع الأربعين حبة على ثمانية أشخاص، وهو فعل ينطوي على ممارسة أقصى قدر من اللامساوة!

قد نعقد المثل قليلا. ماذا لو أن لدينا 41 حبة دواء. لمن نعطي القطعة الزائدة؟ من الواضح أن إعطاءها لشخص من الاثنين المحكوم عليهما بالموت (من ليس لديهم أي شيء على الإطلاق) لن يفيد كثيرا، لأنهما سيقضيان في كل الأحوال. سنعطيها لشخص من الأحياء إذا لنزيد من واقع اللامساوة!

صحيح أن التفاوت الطبقي اتسع، ولكن صحيح كذلك أن أناسا أكثر صاروا يعيشون حياة أفضل

​​المثال يعبر عن "تجربة ذهنية" بالطبع. الهدف منه ليس تحطيم فكرة الدعوة إلى المساواة، ولكن الإشارة إلى تعقيداتها الكثيرة. المساواة ـ كفكرة وفلسفة وسياسة ـ ليست دائما بالبساطة التي تبدو عليها. هي تطرح أسئلة فلسفية مثيرة للجدل والتأمل. المثل يقول لنا ما هو أكثر: التفكير في "النزعة المساواتية" بوصفها شيئا بديهيا وأخلاقيا يقود في بعض الحالات عند التطبيق إلى نقيض الغاية المقصودة، وهي رفاهية المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية.. هل اللامساواة حتمية؟ (6)

المثل ليس من عند كاتب السطور، وإنما أورده أستاذ الفلسفة الشهير هاري فرانكفورت (Harry Frankfurt) في كتابه "عن اللامساوة On Inequality" في الكتاب دحض منطقي لفكرة يراها الكثير منا مسلمة لا تقبل الجدل: اللامساواة شيء لا أخلاقي والقضاء عليها أو تخفيفها هو أمر جيد أخلاقيا ومطلوب لذاته.

الكتاب ـ في المقابل ـ يرى أن لا أساس أخلاقيا للدعوة إلى المساواة الاقتصادية بين الناس. هو يقول إنه من الناحية الأخلاقية البحتة لا يوجد ما يزعج في أن يحصل البعض على أكثر من الآخرين. لا يهم أن يحصل الجميع على نفس القدر من الأموال أو الإشباع. هذا ليس من الأخلاقية في شيء. ما يهم حقا هو أن يحصل كل شخص على ما يكفيه، وهذا مفهوم مختلف عن فكرة المساواة.

يلفت الكاتب نظرنا إلى حقيقة بسيطة: ما يزعجنا حقا من مظاهر انعدام المساواة ليس التفاوت بين الناس في مستوى الدخول، وإنما حقيقة أن هناك من يحصلون على القليل جدا. التفاوت في ذاته لا يمثل وخزا لضمائر البشر، إلا عندما يتعلق بفقر شديد. الدليل أننا لا نلاحظ التفاوت بين "المستورين" أو الميسورين من جانب وبين الأثرياء وفاحشي الثراء من جانب آخر. هذه التفاوتات لا تزعج ضمائرنا ولا تشعرنا بانعدام العدالة، رغم أنها قد تكون أوسع بكثير من التفاوت بين شخص فقير للغاية وشخص مستور. الفقر إذا هو المشكلة الأخلاقية وليس انعدام المساواة.

بمعنى آخر؛ ما ينبغي أن يكون هدفا للإصلاح ليس التفاوت الطبقي، وإنما مستوى حياة الأقل حظا ومن يعيشون ظروف الفقر المدقع. الكتاب يحاول أن يقول لنا إن هذين مفهومين مختلفان إلى حد بعيد. يضيف أن التعامل مع تحقيق المساواة باعتبارها شيئا أخلاقيا ضار، لأنه يحرف أنظارنا عن المشكلة الأساسية وهي الفقر. التركيز على اللامساوة تجعل الناس لا يفكرون في أوضاعهم وظروفهم، بقدر ما يفكرون في ظروف الآخرين وإجراء المقارنات.

خلاصة هذا الكتاب الجريء أن المهم حقا ليس مقارنة الناس حياتهم بحياة بالآخرين، ولكن أن يكون لدى الناس حياة جيدة... حياة جيدة بما يكفي، وبما يحقق الإشباع والرضا للشخص. هذا الإشباع قد يتحقق عند مستوى منخفض ومعقول من الدخل لسبب أو لآخر.

ليس كل البشر سواء في تطلعاتهم لتغيير حياتهم إلى الأفضل. قناعة الناس بحياتهم كما هي تحددها عوامل كثيرة تخضع لظروفهم وقدراتهم. أن يكيف الناس تطلعاتهم ورغباتهم تبعا لظروفهم وإمكاناتهم هو أمر لا يعيبهم في شيء. المهم أن يكون لدى الناس ما يكفي لحياة معقولة.

ما يهم حقا هو أن يحصل كل شخص على ما يكفيه، وهذا مفهوم مختلف عن فكرة المساواة

​​والحال أن هذا الكتاب يهز أفكارا راسخة في وعينا المعاصر جوهرها أن الثروة مرادف للنهب، وأن توزيع بعض أموال الأغنياء على الفقراء هو أمر جيد في ذاته. وقد أسهمت هذه الأفكار في تقويض "الشرعية الأخلاقية" للمنظومة الرأسمالية بصورة كبيرة في أعين أعداد هائلة من البشر. فمن الشائع والمتداول أن الرأسمالية تجعل الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرا، وأنها ـ وهذه نقطة جوهرية ـ تسهم في مفاقمة حدة التفاوت الطبقي.

والحقيقة أن الرأسمالية أسهمت بالفعل في زيادة الفارق بين الأغنياء ومن هم في الفئة الدنيا من المجتمعات، ذلك أن الرأسمالية تسمح للأغنياء ومن يرى المجتمع أنهم يقدمون سلعا نادرة (كالمغنين والممثلين ورجال الأعمال المغامرين) بتكوين ثروات كبيرة.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: لماذا تفشل في العالم النامي؟ (5)

إلا أن الجزء الآخر من الصورة يتعلق بأن المليارات من البشر تسلقوا السلم الطبقي مخلفين وراءهم ذل العوز والفاقة. صار لديهم "ما يكفي" بتعبير "هاري فرانكفورت". في أول القرن التاسع عشر كان 95 في المئة من سكان المعمورة فقراء. اليوم 10 إلى 20 في المئة فقط هم من يمكن أن نطلق عليهم فقراء بهذا المعيار.

صحيح أن التفاوت الطبقي اتسع، ولكن صحيح كذلك أن أناسا أكثر صاروا يعيشون حياة أفضل. وهنا على المرء أن يفكر مليا: هل ما يهم هو أن يكون الناس أقرب طبقيا لبعضهم البعض (القضاء على التفاوت)، أم الأهم هو أن تتمكن أعداد أكبر من أن يكون لديهم ما يكفي (القضاء على الفقر)؟

الثابت أن المساواة في ذاتها لا تقول لنا شيئا عن مدى رفاهية المجتمع ومستوى معيشته. قد تكون هناك مساواة في الفقر وليس في الرفاهية. الدليل أن أكثر بلدين في العالم اليوم من حيث المساواة بين أبناء المجتمع (وفقا لمعامل جيني الشهير) هما السويد، ومتوسط دخل الفرد فيها 54 ألف دولار سنويا.. وأفغانستان، ومتوسط الدخل فيها 600 دولار سنويا!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟