صورة للشرطة العسكرية الروسية في دوما التقطت خلال جولة نظمها النظام السوري للإعلاميين
صورة للشرطة العسكرية الروسية في دوما التقطت خلال جولة نظمها النظام السوري للإعلاميين

بقلم حسين عبد الحسين/

بنى القيمون على الدعاية الروسية والسورية، ومؤيدو الرئيس السوري بشار الأسد في الغرب، معارضتهم للضربة الغربية ضد مواقع إنتاج السلاح الكيميائي السورية على مقولة أن "لا أدلة" تثبت استخدام قوات الأسد أسلحة كيميائية ضد المدنيين السوريين. لكنها مقولة باطلة، يكللها التضليل، ويتوجها قيام روسيا والأسد بعرقلة وصول مفتشي "وكالة حظر الأسلحة الكيميائية" إلى موقع الهجوم في ضاحية دمشق دوما، حتى بعد أسبوعين على الهجوم.

وفيما راح الأسد يقدم عرضا مسرحيا حول المخاطر الأمنية الوهمية التي أحاطت بالمفتشين وعرقلت زيارتهم دوما، لم يتعرض أركان دعاية الأسد إلى إطلاق نار أو مضايقات، مثل الصحافي البريطاني روبرت فيسك، الذي شارك في جولة صحافية برعاية النظام السوري في موقع الهجوم، وتحادث مع طبيب يفترض أنه مستقل، لكنه يطلق تسمية "الإرهابيين" على معارضي الأسد.

عرقلة الروس والأسد للأمم المتحدة تعود على الأقل إلى شهر تشرين الثاني/أكتوبر الماضي، يوم قامت روسيا بممارسة حق النقض الفيتو ضد التمديد للهيئة الأممية المشتركة، التي كانت قد أثبتت قيام قوات الأسد باستخدام أسلحة كيميائية محظورة في أكثر من 15 هجوما، كان أكبرها هجوم الغوطة في آب/أغسطس 2013.

قوات الأسد غالبا ما تعمد إلى استباق الهجوم الرئيسي بهجوم أصغر بكمية كيميائية بسيطة لامتحان صبر وردود المجتمع الدولي

​​وفي الخريف الماضي، قدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريرا طالب فيه تمديد مهلة عمل الهيئة، وجاء فيه أن "تقرير لجنة تقصي الحقائق المشتركة حول الهجوم المزعوم في خان شيخون في نيسان/أبريل 2017 (...) أظهر أن عددا كبيرا من القتلى، تعرضوا لغاز السارين أو غازات مشابهة"، وأن الهيئة استنتجت أن التفسير الوحيد هو "استخدام غاز السارين كسلاح كيميائي".

اقرأ للكاتب أيضا: المثقفون الشبيحة

وثائق الأمم المتحدة، التي تثبت استخدام الأسد للسلاح الكيميائي ضد السوريين، متوفرة لمن يرغب في قراءتها، وفيها قرائن دفعت موسكو إلى تعطيل الهيئة، ودفعت الأسد إلى عرقلة وصول المفتشين الدوليين إلى موقع الهجوم في دوما.

واختلطت العرقلة مع الروايات التي نسجها مؤيدو الأسد، من قبيل أن مشهد الهجوم مفبرك، أو أن المعارضين دأبوا على قصف أنفسهم بالكيميائي لتوريط الأسد وتحريض الرأي الدولي ضده (بدلا من أن يقوموا مثلا بقصف الأسد مباشرة بسلاح الكيميائي لو كان بحوزتهم فعلا)، أو أن تفوق الأسد عسكريا يعاكس منطق قيامه بهجوم كيماوي.

في أن المشهد مفبرك، أثبت موقع "بيلينغ كات"، بالاستناد إلى "المصادر المفتوحة"، أي الفيديوهات التي تناقلها الناشطون ووسائل الإعلام، أن مروحية سورية أقلعت من مطار الضمير، وألقت عبوة غاز فوق مبنى من عدة طوابق، وهو نفس المبنى الذي يظهر فيه قتلى ممددين على الأرض في فيديوهات متعددة المصادر. الشرطة العسكرية الروسية، بدورها، دخلت المبنى في وقت لاحق، في الغالب في محاولة لطمس معالم الجريمة.

ما يعجز الموقع عن إثباته هو سبب الموت، ويكتفي بترجيح أنه الاختناق بالغاز، ربما الكلورين. ويمكن للخبراء الاستنتاج أن الموت حصل اختناقا بالنظر إلى صور القتلى عندما تخلو جثثهم من الجروح أو الحروق التي تنجم عادة عن الموت بالسلاح التقليدي.

تقول أجهزة الاستخبارات الغربية إنها التقت شهودا وناجين فروا من دوما، وإنها أجرت على بعضهم فحوصات بول ودم، وهو ما أظهر أن "سبب الموت" هو الغاز. وسبق لجمعية "أطباء بلا حدود" أن أوردت في الماضي بيانات عن تعرض سوريين، ممن وفدوا إلى مستشفياتها الميدانية، لغازات قاتلة مصدرها قوات الأسد.

تتراكم دلائل استخدام الأسد السلاح الكيماوي ضد السوريين منذ بداية الحرب السورية في العام 2011

​​وبالنظر إلى تاريخ هجمات الأسد الكيميائية، يمكن الاستنتاج أن قواته غالبا ما تعمد إلى استباق الهجوم الرئيسي بهجوم أصغر بكمية كيميائية بسيطة لامتحان صبر وردود المجتمع الدولي، وهو ما فعلته قبل تنفيذها هجوم الغوطة صيف 2013. في دوما، كررت قوات الأسد فعلتها بشنها هجوما أوليا بسيطا لامتحان ردود الفعل الدولية، وهو ما دفع العواصم الغربية إلى توجيه ضربتها لمنع الأسد من "متابعة هجماته الكيميائية"، وهو هدف المهمة الغربية حسبما وصفه وزير الدفاع الأميركي جايمس ماتيس في مؤتمره الصحافي الذي تلا الهجوم الغربي العقابي.

اقرأ للكاتب أيضا: آن أوان طي صفحة الأسد

في الدلائل الظرفية، لم يكن الأسد متفوقا عسكريا في دوما، بل كان يفاوض الثوار على الخروج منها، إذ أن الانخراط في معركة للقضاء على المعارضين كانت ستكلف الأسد، الذي يعاني من شح في صفوف مقاتليه، عددا كبيرا من القتلى. وفي اليوم التالي لتعثر المفاوضات، شن الأسد هجوما كيميائيا تجريبيا بهدف ترهيب معارضيه وامتحان ردود الفعل الدولية.

في هذه الأثناء، كشف موقع "بي بي سي" البريطاني عن أحد أبرز الحسابات المزيفة على تويتر لسيدة تدعي أنها لبنانية باسم سارة عبدالله، وهي قامت بنشر تغريدات للدعاية الكاذبة حول فبركة مزعومة للهجوم، وحول قصف المعارضة نفسها بدلا من قصفها عدوها الأسد، وما شابه ذلك من نظريات مؤامرة. ومع قيام "بي بي سي" ببعض التحقيقات، تبين أن السيدة وهمية، وأن الصور التي تنشرها خلفيتها بنيان في الولايات المتحدة، لا لبنان، حسبما تدعي.

تتراكم دلائل استخدام الأسد السلاح الكيماوي ضد السوريين منذ بداية الحرب السورية في العام 2011، وتتراكم معها دلائل محاولاته وروسيا عرقلة التفتيش وطمس الأدلة، وتتراكم معها أيضا دلائل الدعاية الكاذبة التي يبثها الروس ومؤيدو الأسد لتقديم روايات مغايرة ومزيفة. هذا هو الأسد، وهذه هي روسيا.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.