صورة نشرتها صفحة على موقع فيسبوك مقربة من "حزب الله" للشخصيات التي وردت أسماؤها في جريدة الأخبار
صورة نشرتها صفحة على موقع فيسبوك مقربة من "حزب الله" للشخصيات التي وردت أسماؤها في جريدة الأخبار

بقلم مالك العثامنة/

تتقن جماعة "حزب الله" اللبناني قواعد التسويق بأحدث نظرياته، فيقومون دوما بتسويق فكرة "المقاومة" كمنهج مرتبط عضويا بهم إلى حد احتكاره بعصبية منفردة وفريدة من نوعها. وقد أدرك خبراء التسويق السياسي في "حزب الله" أن فكرة المقاومة يمكن ترويجها كسلعة مرغوبة في سوق الخطابات العربي المتخم بالشعارات والمتأزم في الأساس بمفهوم النزاع العربي ـ الإسرائيلي.

فكانت تلك الفكرة في احتكار المقاومة الطلاء الذهبي الذي غطى كل خفايا وعوالم "حزب الله" من طائفية وتسلط وعصبوية وخروج عن الدولة واضطهاد شعبي للمعارضين، وتغول الحزب في الساحة اللبنانية، لا في السياسة فقط بل في الجغرافيا التي يسيطرون عليها، فانتهوا إلى اعتبار تلك الجغرافيا ملكا حصريا للحزب بكل ما تحويه من أرواح وممتلكات، وتمت مصادرة الحرية باسم المقاومة اللامع!

هذا الطلاء الذهبي الذي يعيدنا إلى ذلك المقطع الشكسبيري المذهل من مسرحية "هنري الرابع" حين يقول سيد المسرح الإنكليزي: "غلف الخطيئة بغطاء من الذهب، فتتكسر عليها رماح العدالة الصلبة"!

"حزب الله" الذي يستخدم المقاومة طلاء من الذهب لم يستطع أن يمارس هوايته بتخوين الأمين "فالرجل مقاوم حقيقي" في مجال الحريات

​​لكن على أبواب انتخابات نيابية قريبة في لبنان، يحدث أن يفقد الحزب أعصابه فيخدش بمخالبه ذاتها غطاء الذهب فيتكشف بعض ما هو تحته من خطايا وكوارث. وهذا ما حدث مثلا في الاعتداء السافر والمخزي يوم الأحد الماضي في حق الكاتب والسياسي المستقل رئيس تحرير موقع "جنوبية" اللبناني علي الأمين، الذي قرر الترشح مستقلا وخارج مدارات "حزب الله" في جغرافيا يعتقد هذا الحزب واهما أنها ملكه بالمطلق.

اقرأ للكاتب أيضا: ماكينات تفريخ الجهل والعتمة

علي الأمين، الكاتب اللبناني الحر باستقلاليته دفع ثمن تلك الاستقلالية من "حزب الله" وهو كاتب ينادي بالحرية والعلمانية وقانون الدولة والمؤسسات وهذه كلها كافية ليكفره "حزب الله".

"حزب الله" الذي يستخدم المقاومة طلاء من الذهب لم يستطع أن يمارس هوايته بتخوين الأمين "فالرجل مقاوم حقيقي" في مجال الحريات، فاختار الحزب سياسة البلطجة.

ومع تلك الانتخابات، تزداد هستيريا "حزب الله" اتساعا، ولأن علي الأمين ليس المعارضة الوحيدة في حلق هذا الحزب المقاوم لكل من يخالفه، فإن كتائب حزب الله الإعلامية ممثلة بجريدة الأخبار اللبنانية "المثيرة للدهشة في منهجيتها الصحفية المسرحية" نشرت تقريرا نسبت مصدره وعلى لسان رئيس تحريرها في اليوم التالي لنشره إلى وثائق "ويكيليكس" كأن في تلك النسبة ما يكفي لحشر المصداقية.

وفي التقرير المنشور بالنص بعد مقدمة من الصحيفة تزعم أنه من وثائق مسربة صادرة عن السفارة الإماراتية في بيروت باسم "قائمة بأسماء الشخصيات الشيعية المعارضة لثنائية حزب الله وحركة أمل". ويحتوي التقرير أيضا على أسماء شخصيات لبنانية "شيعية"، تدعي الصحيفة أن تلك الذوات يتم تمويلها من دولة الإمارات لتخوض الانتخابات وتكسر سيطرة حزب الله في مناطق النفوذ الانتخابي!

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية تزداد هستيريا "حزب الله" اتساعا

​​لا أعرف عن الإمارات، ومن الغباء أن أدعي بغير معرفة أن الوثيقة مزورة، وهذا شأن دولة الإمارات في النهاية، لكن أكاد أجزم أن كل سفارة في العالم في أي عاصمة في العالم ترسل تقارير مشابهة عن شخصيات تتعامل معها سياسيا، ولو افترضنا تسريبا مشابها مثلا من السفارة السورية في بيروت طوال سنوات طويلة مضت، فلن نستغرب أن يكون هناك أسماء لبنانية "صديقة" لدمشق وربما من بينها هيئة تحرير الأخبار اللبنانية، مع قوائم بالهدايا والأعطيات "تقديرا لتلك الصداقة الحميمة".

اقرأ للكاتب أيضا: عن شابين: أحدهما شغل العالم والآخر رحل عنه مقهورا

في القائمة التي استعرضت أسماءها ذوات لبنانية أقرأ لهم باهتمام وتقدير وقد التقيت معهم "وجدانيا" على نفس الخط الفكري بالحرية ودولة المؤسسات والقانون والعلمانية كعنوان لنهضة الدول العربية. ومن هؤلاء الدكتورة منى فياض التي لم أعرف "ولا يهمني أن أعرف" أنها شيعية وأتابع مقالاتها في الحرة كزميلة تحمل فكرا مستقلا وليبراليا، هو بالتأكيد سيضعها في موقف الخصم أمام "حزب الله" فتلك أفكار تخدش طلاء الذهب وتكشف خطايا "حزب الله" أمام رماح العدالة.

مختصر القول،

موجع أن نصل في الصحافة العربية إلى هذا الحد من الانحدار في التخندق، والموجع أكثر ما يحدث في بعض الصحافة اللبنانية التي احتفظ بأرشيف زمنها الذهبي كمرجعية تاريخية ومعرفية ومدرسة لي في عالم الإعلام العربي. وموجع أن يتحول المشروع الحلم للراحل الكبير جوزيف سماحة مؤسس "جريدة الأخبار" وعرابها كصحيفة مشاكسة تحيي روح الصحافة الحرة، إلى بوق إعلامي ومسرح أراجوزي لا يليق بكل هذا التاريخ!

لكنها طلاءات الذهب القشرية، في زمن عربي متخم بالخطايا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.