أعضاء في هيئة الإشراف على الانتخابات في لبنان يراقبون من وزارة الخارجية انتخاب المغتربين
أعضاء في هيئة الإشراف على الانتخابات في لبنان يراقبون من وزارة الخارجية انتخاب المغتربين

 بقلم فارس خشّان/

ثمة خاسر أكبر في الانتخابات النيابية اللبنانية التي تنتهي في السادس من أيار/مايو المقبل.

هذا الخاسر ليس طرفا سياسيا، بل حاجة ملحة.

إنه التغيير.

ثمة قناعة في لبنان، أن هذه الانتخابات، بقانونها وإجراءاتها، كما بتحالفاتها وخصوماتها، ستعيد خلط الأوراق ولن تسمح بجلوس أي لاعب جديد إلى الطاولة، مما يعني أن القوى الرئيسة الممثلة بعدد محدود من الزعماء الذين يتحركون باسم أحزاب أو تيارات، سوف يبقون هم أنفسهم متحكمين بالمشهد السياسي اللبناني، في استنساخ أمين لما هي عليه الحال راهنا.

ويكشف خبراء انتخابيون حياديون ـ وهم قلة في بلاد تدثر فيها القيمون على الأجهزة الخاصة بالدعاية الانتخابية بثوب الخبراء ـ أن هذه الانتخابات سوف تفرز نقيضين: مشاركة غير مسبوقة للشريحة العمرية المتقدمة ومقاطعة غير مسبوقة للشريحة العمرية الشابة.

إرادة التغيير، كلما فشلت مرة، عبرت عن نفسها في المرة التالية بقوة أكبر

​​وفي اعتقاد هؤلاء الخبراء فإن الشريحة المشاركة في الانتخابات تشبه كبار المرشحين، من حيث حصر اهتمامها بمصالحها، وتاليا فالناخب كما المرشح يلتقيان على الهدف نفسه مما يؤهلهما لتبادل المنافع، أما الشريحة الشبابية فلا تجد من يمكن أن يمثل فعلا تطلعها التغييري، وقد رفع التحيز الفضائحي للإعلام ـ الحزبي هنا والمالي هناك ـ من منسوب "التيئيس".

اقرأ للكاتب أيضا: سورية بين... حلّين

والانتخابات في الديموقراطيات ليست عمليات اقتراع وفرز سليمة، إنما هي قبل هذا وذاك، مبادئ مجسدة بإجراءات، فحيث لا قضاء فعالا، ولا إدارات حيادية، ولا إعلاما متساويا، ولا تعيينات غير "رشوية"، ولا سلاحا منضبطا، ولا موانع تحول دون الترهيب الوظيفي أو الترغيب المالي، يستحيل الحديث عن انتخابات صحيحة.

ووحده الالتزام بهذه المبادئ يتيح التعبير عن حقيقة المجتمع وتطلعاته السياسية والاقتصادية، فيما الإخلال بها يخلق هوة كبيرة بين الطبقة السياسية من جهة وبين فئات شعبية فعالة من جهة أخرى.

ويتضح من القواسم المشتركة للشعارات الانتخابية التي ترفعها اللوائح المرشحة، على اختلافها وتناقضاتها، أن الجذب الاقتراعي مستحيل بلا رفع لواء محاربة الفساد ومكافحة الفقر والتصدي للبطالة وتوفير الخدمات العامة ورعاية الشباب ودعم المرأة.

ولكن هذه الشعارات التي تريح المحازبين حتى يتمكنوا من المفاخرة بانتمائهم، لا تجذب غير المحازبين، لأن الأيادي التي ترفعها والحناجر التي تصدح بها، هي نفسها من تتقاسم السلطة وتتوزع المناصب وتسيطر على الإدارة، وتاليا هي المشكو منها.

ولبنان الذي يشكو "مصائب" سيادية و"نوائب" اقتصادية و"ويلات" اجتماعية و"انهيارات" في الثقة، يحتاج إلى إيجاد مساحة سياسية للقوى المعبرة عن تطلعات التغيير، لأنه في ضوء المطلوب من الإجراءات المفترض بالدولة الإقدام عليها، وفق معطيات غير معلنة لمؤتمر "سيدر" الذي انعقد في باريس لأجل لبنان ـ قد يكون وخيما هذا التغييب، لأنه سوف يفعل الشارع الاحتجاجي لملء الفراغ السياسي.

وثمة مجموعات عدة سبق لها وقادت حراكا شعبيا احتجاجيا "تجرب حظها" في الانتخابات النيابية، ولكنها، في ضوء الإخلال بالمبادئ الديمقراطية التي يفترض أن ترصف الطريق إلى صناديق الاقتراع، لن تجد مكانا لها في المجلس النيابي الجديد، مما سيعيدها أقوى بكثير إلى الشارع، عند أول فرصة سانحة.

المجموعات التي سبق لها وقادت حراكا شعبيا اعتراضيا لن تجد مكانا لها في المجلس النيابي الجديد

​​ووفق اعتقاد هذه المجموعات، فإن القوى السياسية الحاكمة التي تناست خلافاتها، يوم كانت هي في الشارع لتلتف على حراكها الاحتجاجي، فعلت الأمر نفسه في الانتخابات النيابية، حتى تقطع الطريق على دخول لاعبين جدد تغييرين إلى الحياة السياسية.

ويأخذ هؤلاء من كلام الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله عن وجود فريقين واحد ـ هو في أعلى هرمه ـ يمثل الأمن والدفاع وثان يمثل الاقتصاد والاجتماع ـ وتيار المستقبل بزعامة رئيس الحكومة سعد الحريري أبرز رموزه ـ مثالا على توزيع الأدوار بين اللاعبين أنفسهم في لبنان.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية و... زمن الخيبة

وسوف يؤدي كل ذلك إلى التقاء قوى احتجاجية فاعلة في الشارع، في أول فرصة بعد إتمام الانتخابات، بحيث سيتلاقى، للمرة الأولى في لبنان، المستاؤون من "المصائب" السيادية المرجأ علاجها مع المعنيين بـ "النوائب" الاقتصادية التي ستنتج ـ إهمالا أو معالجة ـ غضبا عارما.

ومعلوم أن إرادة التغيير، كلما فشلت مرة، عبرت عن نفسها في المرة التالية بقوة أكبر.

حكماء السياسة ينصحون عموما بأن تلبى هذه الإرادة، وهي لما تظل برعما يافعا، لأن تداعياتها، عندما يصلب عودها، مكلفة للغاية، وأول ضحاياها من يمعن في التواطؤ لكسرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.