طفل صيني يضع وردة في بحيرة لتمني السعادة
طفل صيني يضع وردة في بحيرة لتمني السعادة

بقلم رياض عصمت/

كل عام، يطلع علينا استطلاع جديد حول من هي أكثر الشعوب سعادة في العالم. غالبا، ما تأتي النتائج لصالح الدول الاسكندنافية مثل النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا، التي تتنافس فيما بينها على نيل المراتب الأولى من قائمة مقياس السعادة.

احتفل العالم في النصف الثاني من شهر مارس/آذار 2018 بمناسبة "يوم السعادة العالمي"، وحمل الاحتفال هذا العام عنوان "السعي وراء السعادة هو الهدف الأساسي للإنسان". هدف الاحتفال إلى تكريس حق الإنسان في أن يكون سعيدا من خلال اتباع نهج يقوم على العدل الاقتصادي، حق العيش الكريم وتخفيف وطأة الفقر عن المواطن.

يشمل تقرير السعادة العالمي الجديد 156 بلدا، ويعنى التصنيف بعوامل متعددة، مثل متوسط عمر الفرد، الرعاية الاجتماعية، مستوى الفساد، الخدمات الصحية وسواها. يطلب من المشاركين تحديد درجة سعادتهم على مقياس من 1 إلى 10 في مختلف دول العالم.

هذا العام، انتزعت فنلندا لقب أسعد بلد في العالم من النرويج التي تصدرت التصنيف في تقرير 2017. جاءت الدنمارك في المركز الثالث تلتها أيسلندا فسويسرا فهولندا فكندا فنيوزيلندا فالسويد ثم أستراليا في المركز العاشر.

أما بريطانيا فجاءت بالمركز 19 بعد كوستاريكا وإسرائيل، وتراجعت سعادة الأميركيين من المركز 14 في العام 2017 إلى المركز 18 في العام 2018. أما في آخر القائمة وأسوأ الشعوب سعادة، فجاءت بوروندي، بينما تشاركت جمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان وسورية المركز 150، قبل آخر القائمة بست درجات.

اقرأ للكاتب أيضا: اكذب.. ثم اكذب حتى تصدق نفسك

سئلت ذات مرة: "ما هي العوامل التي تؤدي إلى سعادة الإنسان؟" أجبت دون تردد: "الصحة، المحبة، ثم المال." نظرت إلي سائلتي مستغربة، وقالت: "ولماذا لم تضع المال أولا؟ أليس الثراء مصدر السعادة الأساسي طالما يضمن الرفاه والاستقرار، ويبعد شبح الفقر والحاجة؟" ابتسمت مجيبا: "لا تنسي أن المال لا يشتري المحبة. ربما يتمتع الثري بكثير جدا من المال، فيكثر المنافقون والمتملقون من حوله، وتصبح المحبة سلعة متوفرة لقاء ماله، ولكن ليس لميزات شخصه. هكذا، إذا قل المال، تلاشت المحبة، وابتعد المحبون".

لم تستسلم محدثتي، بل أردفت حديثها بسؤال آخر: "وماذا لو توفرت المحبة قبل المال، وتكاملت مع اكتساب المرء له؟" أجبت: "مهما بلغت درجة المحبة، ومهما منحته للإنسان من عزاء في هذه الحياة، فإنه لن يكون سعيدا ما لم تكن صحته بخير. إن المرض سرعان ما يجعل الإنسان لا يهنأ بميزة المحبة، وربما يجعل المحب يبتعد بعد حين بعد أن يطاله اليأس من مرض الحبيب، أو يناله الضيق من تصرفاته الناجمة عن يأسه من الشفاء. في الحالين، لن ينفع المال في جلب الصحة أو الحب".

سألت محدثتي بإلحاح: "إذن، هل التسلسل عندك مقصود؟" قلت: "نعم، بالتأكيد. الصحة أولا، والمحبة ثانيا، والمال ثالثا. كل واحد من هذه العوامل يزيد من سعادة الإنسان". أردفت متسائلة: "وماذا عن القناعة؟" أجبت مبتسما، رافعا كتفي وفاردا ذراعي: "القناعة كنز لا يفنى".

ذكرني الاستطلاع عن مقياس السعادة لدى الشعوب، والنتائج التي خلص إليها، بما عاشته بعض شعوب منطقتنا العربية من سعادة في الماضي، بحيث كانت تحتل قبل سبع سنوات ونيف مراتب مقبولة ضمن قائمة 156 دولة في العالم.

لم يكن معدل العمر سيئا في بلد مثل سورية أو لبنان أو الأردن أو دول الخليج العربية أو بعض دول شمالي أفريقيا، بل إن بعض هذه البلدان امتلكت مستشفيات في غاية الحداثة، ووظفت أطباء وممرضين أكفاء، لأن المال لم ينقص بعض البلدان بينها، في حين أن الأفقر منها امتلك سجلا مشرفا في ميدان التعليم عوض عن محدودية ميزانيات تلك الدول.

أما عامل المحبة، فلم يكن يعوز شعوب تلك الدول على الإطلاق. على سبيل المثال، كانت الأكثرية في سورية تتعايش مع مختلف الأقليات القومية والطوائف الدينية بكثير من التسامح والانسجام، وكأن البلاد لوحة فسيفساء أو قطعة موزاييك أو زجاج معشق. كانت سورية أيضا تحتل المرتبة ما بين الرابعة والسادسة في قائمة أكثر بلدان العالم أمانا.

لا شك أن العامل الاقتصادي كان أحد العوامل البارزة التي مهدت لعاصفة "الربيع العربي". ضرب الجفاف شرق سورية مدة ست سنوات، فجف الزرع ونشف الضرع، مما جعل مستوى الحياة ـ وليس السعادة فحسب ـ ينحسر على مختلف المستويات المعاشية والصحية والاقتصادية.

لم تستطع الحكومات المتعاقبة أن تجد حلولا ناجعة لمواجهة آثار موجة الجفاف تلك، أو أن توفر فرص عمل ورزق لمئات آلاف الشباب العاطلين عن العمل في تلك المنطقة الزراعية الشاسعة والغنية بالبترول، بحيث اضطرت أعداد غفيرة منهم إلى الهجرة للعمل في دول الخليج.

أذكر أنني حتى في زمن بعيد، قبل كارثة الجفاف الطبيعية وفي عام 2003 تحديدا، زرت مدينة دير الزور لتفقد سير العمل في مركز معين. نزلنا في فندق يتبع لسلسلة فنادق الشام ويتسم بالضخامة والفخامة، لكنني فوجئت بموظف مكتب الاستقبال يسألني وزملائي قبل أن نخرج للقيام بمهمتنا فيما إذا كنا عائدين للعشاء في الفندق أم لا. استغربنا السؤال غير المألوف، وأجبنا جميعا بالإيجاب. سرعان ما أدركنا السبب في المساء حين نزلنا للعشاء في المطعم بالغ الاتساع، إذ لم يكن هناك نزلاء في ذلك الفندق الكبير سوانا.

عندما أثيرت في بداية الثورة السورية فكرة منح مبالغ مساعدة مالية للمحتاجين من أبناء تلك المنطقة، دعوت ألا تكون هذه الهبات المالية مرة واحدة بما يشبه الزكاة، بل إلى أن ترتبط المعونات بإنشاء مشاريع استثمارية صغيرة بميزانيات محدودة، لتدر ربحا مستمرا كفيلا بإعالة الأسر وتوظيف الشباب في ذلك الجزء العزيز إلى القلب من أرض سورية.

كانت لدي ثقة أكيدة من أن تلك المشاريع الاستثمارية الصغيرة، الزراعي منها والصناعي، يمكن أن تجلب مدخولا معقولا للناس يخرج المنطقة الشرقية برمتها من أزمة الجفاف والفاقة، ويحد من هجرة شبابها إلى سوق العمل في الخارج، ويستفيد من ثروتها الحيوانية الكبيرة، ويحيي صناعاتها اليدوية التقليدية، ويطلق منتجات غذائية ذات جودة عالية، معوضا بذلك عن تراجع خصوبة الأرض نتيجة الجفاف. للأسف، فإن خصوبة الأرض حاليا في أسوأ أحوالها، ليس بسبب الجفاف، وإنما نتيجة للقصف.

لم يقتصر مقياس السعادة على الشعوب، بل امتد ليقرر ما هي المدن الأفضل التي تحقق سعادة الإنسان في العام 2018 عبر المسح السنوي الذي أجرته "مؤسسة ميرسر العالمية للاستشارات" على 231 مدينة من مدن العالم، بشرقه وغربه وشماله وجنوبه. خلصت النتيجة إلى أن فيينا احتلت رأس القائمة، في حين بقيت بغداد ـ للأسف الشديد ـ في ذيل القائمة. مرة أخرى، شملت المعايير الرعاية الصحية، مستوى التعليم، سبل الراحة والنقل، مدى الأمان أم استفحال الجريمة، وأخيرا مدى الاستقرار السياسي.

اقرأ للكاتب أيضا: عدو الشعب

تبرز أوروبا بوضوح في قائمة أفضل عشر مدن في العالم. فهناك ثلاث مدن ألمانية وثلاث مدن سويسرية، في حين تضم القائمة مدينة نيوزيلندية وأخرى كندية وثالثة أسترالية. الغريب أن صنعاء تقدمت مركزين عن بغداد، بينما استطاعت دمشق التقدم ستة مراكز عن العاصمة العراقية.

رغم كل ما تقدم، يبدو أن هناك عوامل بسيطة تساعد على زيادة السعادة لدى الإنسان. تلقيت قبل فترة وجيزة تقريرا عبر وسائل الاتصال الاجتماعي عن "الإندروفين"، أو ما يطلق عليه اسم هرمون السعادة، الذي زعم التقرير أن إفرازه من قبل الجسم يؤدي إلى تخفيف الألم كما تفعل المسكنات، وإلى تحسين المزاج والشعور بالراحة والهدوء وإزالة الاكتئاب.

يفيد التقرير بأن هناك عشرين نوعا من الإندروفين كامنة في الدماغ والغدة النخامية، وأن الأمور التي تؤدي إلى زيادة إفراز الإندروفين في الجسم هي: الضحك، الشوكولا، الفلفل الحار، التأمل والاسترخاء، التفكير بإيجابية، الشعور بالخوف، ممارسة الرياضة نحو ست ساعات أسبوعيا ـ وأضاف صديق إليها ما يبدو أن التقرير أغفل ذكره خجلا، ألا وهو ممارسة الحب. إذن، أليس الأجدر بنا زيادة معدل السعادة بشكل طبيعي، دون جرعات دوائية ذات آثار جانبية ضارة بصحتنا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.