من الدمار الذي خلفه داعش في الموصل (أرشيف)
من الدمار الذي خلفه داعش في الموصل (أرشيف)

بقلم منصور الحاج/

هناك مقولة في التراث العربي تقسم الرجال إلى أربعة أصناف وهم: رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فذلك العالم فاسألوه، ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم فذلك الناسي فذكروه، ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم فذلك الجاهل فعلموه، ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فذلك الأحمق فاجتنبوه. وهناك صنف خامس أود إضافته وهو الذي يؤمن بأفكار الدواعش ولا يعلم أنه يؤمن بأفكار الدواعش فذلك إرهابي في طور الإعداد فحذروه.

عند قراءتي لتعليقات القراء على مقالي السابق "كشف ما جاء من تضليل في مداخلة إمام الجامع الكبير" لاحظت أن غالبية المعلقين يتفقون مع الدواعش لكنهم لا يعتبرون أنفسهم دواعش. وبالطبع، أنا لا أتهمهم بالدعشنة بقدر ما أحاول تنبيههم إلى المشتركات بينهم وبين الدواعش لعلهم يدركون خطورة الطريق الذي يسيرون عليه.

إن المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى أئمة يفهمون لغة العصر ويقرأون المستقبل لنشر التنوير

​​وتراوحت تعليقات القراء على المقال المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي بين الرفض التام لفكرة المساواة بين الذكور والإناث والتشديد على سمو التشريعات الإسلامية وتحريم تعديلها أو تغييرها أو الاعتراض عليها مهما تغير الحال وتبدل الزمان. كما لم تخل تعليقاتهم من اتهامات بالزندقة والتجديف ومعاداة الإسلام ومحاربة الشريعة والعمل على نشر الأفكار العلمانية والقيم الليبرالية التي تهدف إلى إفساد المرأة بحسب زعمهم.

كما لاحظت أيضا اتسام غالبية التعليقات بالسطحية وتركيز المعلقين على تبرئة الإسلام والتأكيد على أنه أنصف المرأة متجاهلين تماما العديد من النقاط التي تطرق إليها المقال كفكرة أن مفهوم العدالة قابل للتطور وأن الكثير من أحكام الشريعة الإسلامية لم تعد مناسبة للتطبيق في هذا العصر.

اقرأ للكاتب أيضا: ملاحظات على مركز الحرب الفكرية السعودي

ويتفق غالبية المعلقين مع الجهاديين والدواعش في اعتقادهم بسمو الشريعة الإسلامية على غيرها من القوانين وعدم قبولهم بتعطيل أو إسقاط أي من أحكامها أو إدخال أي تعديلات عليها فهي بالنسبة لهم كاملة وقابلة للتطبيق في كل زمان ومكان.

كما يشتركون أيضا في اعتقادهم بأن العلمانية نظام معاد للإسلام متناسين أنه لولا العلمانية لما انتشر الإسلام في الغرب ولما سمحت الحكومات الغربية للمسلمين ببناء دور عبادة وممارسة شعائرهم الدينية والاحتفال بمناسباتهم الدينية.

ومن المشتركات أيضا بين الدواعش وأنصار الإمام أنهم لا يؤمنون بحرية التعبير ويؤيدون قتل الناس بسبب آرائهم ومواقفهم إن رأوا فيها تعديا على المقدسات، كما لا يعترفون بأن يكون للناس الحرية في اعتناق ما يناسبهم من أديان ومعتقدات ويرون أن من يبدل دينه أو يرتد عنه يستحق الموت.

أما أوجه الاختلاف بين الدواعش وبين أنصار الإمام فهي أن الدواعش قرروا تطبيق ما يؤمنون به على أرض الواقع، فالتحقوا بصفوف التنظيم الإرهابي وأعلنوا بيعتهم للخليفة البغدادي ونفذوا أحكام الجلد وقطع الأطراف وضرب الأعناق والرجم وأعلنوا الحرب على كل من يخالفهم وأرسلوا الانتحاريين لتنفيذ العمليات ضد من يعتبرونهم أعداء الله بناء على تفسيراتهم الحرفية لآيات القرآن وأحكام الشريعة الإسلامية.

فكرة التجديد في الأحكام وأمور الدين ليست جديدة على الفكر والثقافة الإسلامية

​​من المؤسف أن يرى غالبية المعلقين في تطوير أحكام الشريعة الإسلامية وتحديثها بين الحين والآخر حتى تتناسب مع العصر تعديا وتطاولا على الله وعلى رسالة النبي محمد على الرغم من إيمانهم في الوقت نفسه بصلاحية الدين لكل زمان ومكان. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يكون الدين صالحا لكل زمان ومكان إن لم يملك المرونة اللازمة لاحتواء المستجدات والتلاؤم مع المتغيرات والنوازل؟

اقرأ للكاتب أيضا: ما لا يقال عن محمد بن سلمان

وفكرة التجديد في الأحكام وأمور الدين ليست جديدة على الفكر والثقافة الإسلامية، فقد جدد الخلفاء الراشدون في الدين بإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم وتعطيل حد القطع، كما جدد أئمة المذاهب في الأحكام الفقهية بما يتناسب مع البيئة التي كانوا يعيشون فيها ولو أنهم بيننا اليوم لنصحوا الناس بتجاهل اجتهاداتهم واستنباط الأحكام التي تتناسب مع مستجدات العصر.

إن المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى أئمة يفهمون لغة العصر ويقرأون المستقبل لنشر التنوير ولحث أتباعهم على التسلح بالعلم والمعرفة وتعلم ثقافة الحوار والتفكير النقدي والتسامح وتقبل الآخر والتفاني في العمل ومساعدة الآخرين بدلا من التمسك بشعارات مستهلكة مهدت الطريق للجماعات الإرهابية ولم تجن الأمة من ورائها سوى الويلات.

وختاما أجدد استعدادي لمحاورة كل من لديه رأي مخالف لما تضمنه مقالي السابق والرد على الأسئلة والاستفهامات شريطة أن يكون الطرح عقلانيا وبعيدا عن التعصب والتكفير فالهدف أولا وأخيرا هو تحقيق المصلحة العامة عبر تشجيع ثقافة الحوار وعرض الأفكار المختلفة في مناخ حر وآمن أملا في قطع الطريق على المتطرفين الذين يزدادون قوة كلما طغى التشدد والتكفير ويضعفون كلما سادت ثقافة التسامح وتقبل الآخر.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يوسي كلاين هاليفي
صورة يوسي كلاين هاليفي من حسابه على موقع فيسبوك | Source: Facebook

عزيزي يوسي، تحية وبعد، 

وقعت على كتابك المعنون "رسائل إلى جاري الفلسطيني"، ولم أضعه جانبا إلى أن قرأته كاملا. ثم طالعت صفحتك على موقع فيسبوك، ورأيت أن عربا كثيرين راسلوك، بعضهم بادلك الود والسعي للسلام، وبعضهم الآخر حذّر من الطيبة التي تظهرها قائلا إنها أسلوب صهيوني مخادع معروف يهدف لاختراق دنيا العرب استخباراتيا، من ناحية، ومن أجل التطبيع، من ناحية ثانية، وكأن التطبيع من ضروب الكفر بالدين.

اسمح لي أولا أن أتقدم لك بالتهنئة على أسلوبك الكتابي الشيّق، الذي يعكس صدقا وسعيا لكلمة سواء، وهو ما لمسته في عبارات تتجاوز في جرأتها ما سبق أن قرأته من اليمين الإسرائيلي، مثل في قولك "إننا نُقر كإسرائيليين بأننا قد تجاهلنا (الفلسطينيين) لسنوات طويلة، وعاملناهم وكأننا لا نراهم"، وفي حديثك عن "مظاهر الظلم التي رافقت وجود الاحتلال"، وفي اعتبارك أن مسؤولية الوصول إلى طريق مسدود للسلام "لا تقع على عاتق الجانب الفلسطيني وحده، فالجانب الإسرائيلي يتحمل جزءا كبيرا من هذه المسؤولية أيضا"، بما في ذلك مواصلة "بناء المستوطنات في الوقت الذي كانت تجري فيه مباحثات أوسلو"، ولم يسبق أن قرأت نصا فلسطينيا يتحمل أي جزء من مسؤولية الشقاء الفلسطيني، إذ من وجهة النظر العربية، إسرائيل هي المشكلة ـ أولها، وأوسطها، وآخرها. أما العرب، فمظلومون دائما، وهو ما يمنع عنهم الملامة.

اسمح لي ثانيا أن أخبرك أني لست فلسطينيا، بل عراقيا لبنانيا. ومع أني أرى أن السلام مع إسرائيل شأن الفلسطينيين وحدهم، لا يمكنني إلا أن أدلي بدلوي حول صراع اختارني ولم أختره.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين

في أولى سني نشأتي، لم أكن أسمع بفلسطين. في بغداد، كنا نشتم في مدارسنا الخميني الدجّال. في بعلبك، كنا نرى العالم يتآمر على المسلمين الشيعة بإخفائه موسى الصدر. رئيس مصر الراحل جمال عبدالناصر كان سنيا، وكان له تمثالا في بعلبك، على مقربة من مخيم الجليل لللاجئين الفلسطينيين. تم تفجير التمثال. كان البعلبكيون يرددون أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم، وأن العرب (السنة) حاربوا ببنادق فاسدة في 1948.

لم تكن فلسطين قضية شيعية إلى أن صارت إيران إسلامية، وصرنا نقرأ تصريحات الخميني على الجدران، مثل "لو أدلى كل منكم بدلو ماء على إسرائيل لأغرقتها المياه". وفي صباح ما، كنت في طريقي إلى الصف عندما سمعت هدير المقاتلات الإسرائيلية، ثم رحت أشاهدها، برعب، تدكّ مخيم الجليل القريب من مدرستي، ومعه موقع شرطة (سيّار الدرك). ثم تحولت الغارات الإسرائيلية على بعلبك عادة أسبوعية، غالبا أيام الأربعاء، وكانت تستهدف ثكنة الشيخ عبدالله وفندق الخوّام، حيث كانت مقرّات "الحرس الثوري الإيراني"، و"إذاعة صوت المستضعفين" في النبي شيت.

هكذا، وجدت نفسي وسط حرب لم أخترها. وفي سني الشباب والجامعة، صار عدائي لإسرائيل مفروغا منه. أصلا شتم إسرائيل يصبح أحيانا النافذة الوحيدة للتعبير عن الرأي في الدول العربية التي يصعب فيها التعبير عن أي رأي آخر. ثم تغيرت.

شكّلت قمة بيروت العربية 2002 منعطفا في تفكيري. كنت أحد الصحفيين المعتمدين، ورأيت كيف تكون فلسطين مطية للسياسيين العرب والفلسطينيين. ذاك العام، قدم عاهل السعودية الراحل عبدالله (وكان ما يزال وليا للعهد) مبادرته للسلام المعروفة، أي قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية مقابل سلام عربي شامل مع إسرائيل. بدت لي المبادرة معقولة. 

لكن في فندق فينيسيا الذي كانت تنعقد فيه جلسات القمة، بان لي النفاق، إذ فيما كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يستعد للتوجه للقمة عبر الأقمار الاصطناعية، من المقاطعة في رام الله حيث كان محاصرا، أوعز الرئيس السوري بشار الأسد إلى نظيره اللبناني إميل لحود، رئيس الجلسة، بعدم السماح ببث كلمة عرفات. يمضي الأسد كل أيامه وهو يصرخ من أجل فلسطين، ثم عندما يهمّ الفلسطينيون لقول كلمتهم، يمنعهم الأسد. انسحب الوفد الفلسطيني، ولحقه رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري لاسترضائه وإعادته إلى الجلسة.

وفي كتابة نص المبادرة، أصرّ الأسد على إضافة فقرة تشترط عودة اللاجئين الفلسطينيين، لا إلى الدولة الفلسطينية، بل إلى إسرائيل نفسها. حتى الوفد الفلسطيني لم يطلب ذلك، لكن الأسد ونائب الرئيس العراقي عزّة الدوري أحرجا الفلسطينيين. لم تكن مبادرة السلام عن فلسطين، بل كانت وسيلة لزعماء عرب، كالأسد ولحود والدوري، لابتزاز الزعماء الآخرين.

في اليوم التالي، اصطحبت صحفيين أميركيين أرادوا لقاء لاجئين فلسطينيين في مخيم عين الحلوة، وهو أكثر بقعة تغرق في البؤس رأيتها في حياتي. بعد استعراضهم سندات ملكية ومفاتيح كبيرة على الطراز القديم، وبعد صراخ بعض الشعارات ثم إطفاء الكاميرات، جاءني فلسطيني متقدم في العمر. قلت له "ما القصة عمي؟". فأجابني "يا ابني، بنتي في ألمانيا، ربما يمكن لأصدقائك الأجانب مساعدتي في الانتقال للعيش معها". فاجأني الحاج الذي كان يصرخ للعودة للجليل ولكنه كان يسعى فعليا لحياة كريمة، حتى لو في ألمانيا. هنا تذكرت كتاب بنيامين نتانياهو (الذي لا تستهويني سياساته) "مكان تحت الشمس"، الذي لفت فيه إلى الخطاب المزدوج الذي كانت تمارسه السلطة الفلسطينية. بالإنكليزية تقول سلام وبالعربية تقول "عالقدس رايحين شهداء بالملايين". ومثل ذلك كان يفعل سياسيون إسرائيليون كثر.

مشكلة السلام يا يوسي ليست في فتح حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل في الوصول إلى سلام مع النفس أولا، عند الفلسطينيين كما الإسرائيليين.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام

تقول الحكمة اليونانية "اعرف نفسك"، وهي حكمة تنطبق على طرفي السلام المفقود، إذ على الإسرائيليين أن يحسموا علانية شكل السلام النهائي الذي يتصورونه، بعدل، لا وفق موازين القوى، وكذلك على الفلسطينيين أن يحسموا هدفهم، وأن يظهروا قدرة أكبر على حكم أنفسهم حتى تصبح نعمهم نعم ولاءهم لا، بدلا من أن يوافق عرفات على سلام فيما تمضي "حماس" في تفجير حافلات الركاب الإسرائيلية.

بعد سنوات كثيرة من قمة بيروت، كنت أشارك في "مفاوضات صف ثاني" في سويسرا. سألت أفرام سنيه عن إعلان إسرائيل بناء مستوطنات جديدة في وسط جولة مفاوضات مع الفلسطينيين، أجابني أن السبب سياسي داخلي. بدا لي أن المفاوضين الإسرائيليين يعتقدون أن إعلان بناء مستوطنات يخفف من النقمة شعبية ضد أي تنازلات قد يقدمونها للفلسطينيين.

المشكلة يا يوسي هي أنه عندما يتكلم أي من الطرفين عن السلام، فهما قلّما يتوجهان إلى بعضيهما البعض، بل يتوجه كل منهما إلى الداخل لديه، وهو ما يجعل السلام أداة سياسية، لا هدفا استراتيجيا.

عزيزي يوسي. الكلام عن السلام طويل ومعقد، ولكني مثلك، أتمنى حصوله. من العرب غيري من دعاة السلام ومني، إليك يا يوسي وإلى طالبي السلام الإسرائيليين، كامل الاحترام.