من تظاهرات تونس عام 2011 التي أطلقت موجة الربيع العربي (أرشيف)
من تظاهرات تونس عام 2011 التي أطلقت موجة الربيع العربي (أرشيف)

بقلم حسن منيمنة/

لماذا حدثت سلسلة الانتفاضات التي سميت، وإن لفترة عابرة، بـ"الربيع العربي"؟ بما أن ما جرى سرعان ما انحدر بالمجتمعات التي شهدته إلى القتل والدمار، فإن التحليلات قد جنحت باتجاه التأكيد أن الأمر كان مؤامرة وحسب، والمتآمرون هم المشتبه بهم دوما، الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموما، مباشرة أو بأدوات محلية. طوبى لمن يحنق ويتشنج ويشتم ويتعالى للتأكيد على هذه القناعة الإيمانية. غير أن ثمة جمهور واسع لا يكفيه الكم المتراكم من القراءات المتقوقعة، ويجد أن لا بد بالتالي من الشروع بمتابعة نقدية للوقائع والمعطيات.

العوامل الموضوعية والدوافع الذاتية هي بطبيعة الحال متشعبة ومتداخلة، وتختلف كما ونوعا من مجتمع إلى آخر، كما يتباين تأثير الجهات الخارجية التي سعت إلى التدخل، للاستفادة أو لدرء الخطر عن نفسها. ثم أنه لم يمض القدر الكافي من الزمن لجلاء الصورة. فالعديد من محاولات الاستشفاف، على تضاربها في أكثر من حالة تبدو مقنعة كل على حدة، وإن خفتت قدرتها على تفسير ما حدث عند إضافة سائر المقاربات إليها.

هل كان الدافع الثورة على الفساد ورفض الاستبداد من جانب جيل خبر تقنيات التواصل الاجتماعي فأصبح أكثر اطلاعا وأكثر قدرة على التنظيم؟ هل الأمر كان تعبير عن احتقان اقتصادي اجتماعي في بلدان لا يستقيم فيها الانتاج والاستهلاك؟ أية مسؤولية، فعلا وتركا، للولايات المتحدة التي يلومها البعض لسعيها إلى التخلي عن دورها كمرجعية أمنية وسياسية ضامنة للاستقرار، فيما يطعن فيها البعض الآخر لسعيها المزعوم إلى إحكام قبضتها على المنطقة وثرواتها، طمعا بها أو ضمانا لأمن "ربيبتها"؟ وأي دور، فاعل أو مفعول به، للحركات الإسلامية، إخوانية وسلفية وجهادية، في التعبئة والحراك والقتال؟ وأين وقعت مصالح الدول المحيطة بالعالم العربي، إسرائيل طبعا، ولكن إيران وتركيا كذلك، بالإضافة إلى روسيا، والتي حققت في سنوات الأزمات العربية عودة كقوة عظمى بمواجهة الولايات المتحدة؟ هذه وغيرها من الأسئلة تشكل الأجوبة الشافية عليها شرطا للاستيعاب الوافي لمرحلة "الربيع العربي". غير أن هذه العوامل، وغيرها، ما كانت قادرة على التأثير لولا أن الإطار البنيوي للدول المعنية كان قابلا له.

من لم يرق له الربيع العربي الأول سيواجه ما يقارب حتمية الربيع العربي الثاني

​​ومن المفيد هنا اعتبار طبيعة "العقد الاجتماعي" في السياق العربي ومقارنته بما يقابله في الدول الأكثر استقرارا. "العقد الاجتماعي"، والمصطلح كما المفهوم نشأ في الإطار الغربي، هو التوافق الضمني على مستوى المجتمع، والسابق للدولة والدستور، حول الأسس التي يقوم عليها العيش المشترك بين أفراد هذا المجتمع وعن توقعاتهم من الهيئات التي قد يجري تشكيلها لتأطير هذا العيش. أي أن "العقد الاجتماعي" هو الأساس الذي يمهد لقيام الدولة ولإعداد دستورها. فهو أكثر ثباتا واستمرارا من كل من الدولة والدستور. فالدولة قد تسقط بفعل انقلاب أو ثورة والدستور قد يعدل أو يعلق، مع استمرار "العقد الاجتماعي" كمرجع ضمني لقواعد السلوك الاجتماعي والسياسي ولما ينتظر من أي واقع جديد. أي أن "العقد الاجتماعي" هو مخزون القيم المشتركة بين أفراد المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: اللغة العربية الفصيحة المعاصرة: "المعجزة" والإجحافات

ويرتبط تطور مفهوم "العقد الاجتماعي" بالحداثة المتشكلة في أوروبا في عصر نهضتها ثم في عصر أنوارها، والتي تدرجت لتعتبر جملة من الحقوق الإنسانية على أنها "طبيعية" غير قابلة للنقض أو التصرف من حيث المبدأ، ولا سيما منها "الحياة والحرية وطلب السعادة"، ولترى أن هذه الحقوق تصان لجميع المستحقين (أي الرجال الأحرار ابتداء، مع استثناء العبيد وتقييد حقوق النساء والأطفال) ضمن إطار الدولة الخادمة لمواطنيها، لا الحاكمة لرعاياها.

الإشارة إلى سمة "الطبيعية" في وصف هذه الحقوق يبين القناعة بأنها لم تكن أفكارا مستحدثة بالنسبة للناظرين بها، بل إجلاء وإعراب لقيم حاضرة في الوجدان الإنساني وإن كانت تفتقد التعبير الجلي.

يذكر هنا أن الأصول الفكرية لهذا التوجه، من دون افتراض العلاقة السببية مع عدم إسقاط تأثيرها بالكامل، كانت قد برزت في المحيط الإسلامي في إطار الخلاف الكلامي حول طبيعة الحسن والقبيح، بين من يعتبرهما عقليَين، ومن يصر على أنها نصيَين، ومن يرى كونهما فطريَين، أي "طبيعيَين". بل يمكن استشفاف منظومة حقوقية متكاملة، وإن اختلف المصطلح والتركيز، في مقاصد الشريعة، حيث حفظ النفس هو الحق بالحياة، وحفظ العقل هو الحق بالحرية، وحفظ العرض هو الحق بالكرامة، وحفظ المال هو الحق بالملكية، وحيث حفظ الدين هو التعبير المقابل للعقد الاجتماعي.

والواقع أن "نظام الحكم" في كل من العالمين الأوروبي والإسلامي كان على درجة مرتفعة من التشابه. هنا وهنالك، السائد كان الحكم الاستبدادي السلالي. ومهما حاول الإسلاميون اليوم تلميع التاريخ، فإن أي من الدول الإسلامية، بعد الجيل الأول، لم تعتمد لا الشورى ولا النص ولا الاستخلاف، بل ما ساد هو التلاحق الوراثي ومنطق القوة. هذا فيما التفرق والفتن وقتل الخلفاء كان الغالب على الجيل الأول. وهنا وهنالك كان هم الفرد صون بعض ماله من الجباية وصون بعض أبنائه من التجنيد، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم غلب عليها البطش والإكراه من الأول، والطاعة القسرية من أجل البقاء من الآخر.

حال المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة واسطنبول كان حال روما وآخن وباريس ولندن. غير أن ما جرى في أوروبا، وفي بعض مستعمراتها، هو أن الأحوال الموضوعية، من فتوحات وثراء ورخاء وتقدم، أتاحت المجال للانتقال بالقناعات الحقوقية من التنظير إلى التطبيق، في الإطار الخاص الضيق طبعا، أي فيما يطال المجتمعات الأوروبية نفسها دون غيرها، وإن كان الثمن المزيد من الاسترقاق للأفارقة وما يقارب الإفناء للسكان الأصليين في العالم الجديد.

المهم في هذا السياق هو تلقي المستجدات الأوروبية في الإطار المتوسطي، العثماني والمصري والمغربي، إذ بالتوازي مع الجهد الأوروبي للتوسع والاستعمار، شهدت المنطقة مساع على مستويات عدة لكسب التجربة الأوروبية. ولم تكن المستويات الاجتماعية الأهلية غائبة عن محاولات الكسب هذه، غير أن جل هذه المحاولات أقدمت عليه النخب السياسية ثم الفكرية. وإذا كان القرن التاسع عشر مرحلة استيعاب الأفكار الأوروبية، فإن القرن العشرين شهد الاستحواز العربي (كما العالمي) للنظم الإدارية الأوروبية، فكان بناء الدولة العربية الحديثة.

من حيث الشكل والنظم والأطر الإدارية المعتمدة، شذب القرن العشرون الدولة العربية الناشئة، على تفاوت بين حالاتها، وفق الصيغة الأوروبية. إلا أن هذا التقدم في الهيكل لم يصاحبه تطور مكافئ في المضمون، فبقي العقد الاجتماعي ملتبسا مأزوما. من حيث المبدأ، توافقت المجتمعات العربية على مفهوم الدولة الخادمة لمواطنيها، ولكن من حيث الواقع، فإن الاستبداد بقي سيد الموقف.

الدولة العربية الحديثة ليست حداثية، أي أنها لا تحكم من منطلق سيادة المواطن وخادمية الحاكم، بل على أساس "الهيبة" التي يجمعها الحاكم من اعتبارات ترهيب وترغيب. أما ما يقوم مقام العقد الاجتماعي فصيغة مخضرمة تجمع المفهوم الحداثي القائم على حقوق للمواطن والمفهوم الأول القائم على وجوب الطاعة لصاحب الهيبة والقوة.

الدولة العربية الحديثة ليست حداثية، أي أنها لا تحكم من منطلق سيادة المواطن وخادمية الحاكم

​​وإذا كان الترهيب قائما على التأرجح المرعب، كما في مواقف معمر القذافي، أو على البطش المتعمد، كما في مجزرة حماة لحافظ الأسد، أو الترويع المتواصل، كما في عراق صدام حسين، فإن الترغيب، في عموم العالم العربي، جمهورياته وملكياته، استعار من الاشتراكية عناوينها في صياغة جديدة للأبوية. فالمقايضة هنا هي أن الدولة تتوقع من المواطن الطاعة والصمت السياسي إزاء الواقع القائم والسكوت عن سلوك الحاكم ومن نال رضاه، مقابل باقة من الخدمات أهمها الصحة والتعليم والتوظيف والتقاعد.

اقرأ للكاتب أيضا: كي لا تعترض مسيرات العودة حق العودة

انتفاضات "الربيع العربي" جاءت تعبيرا عن عجز الأنظمة عن الإيفاء بوعود المقايضة. ولكنها مقايضة مستحيلة، قبل الربيع العربي وبعده، ذلك أن الدولة عاجزة عن تحقيق القدر الكافي من هذه الخدمات إلا من خلال تجويفها وإفراغها من مضمونها، كله أو بعضه. حتى دول الخليج، ذات الدخل المرتفع والصناديق السيادية الهائلة، أمست تدرك أنها تسير نحو الاستنزاف ما لم تضع حدا لدعم السلع وتعمد إلى إلغاء المخصصات والامتيازات، وما لم تلجأ إلى الجباية الضريبية. والمسألة أكثر حدة وخطورة في "الجمهوريات" حيث المعادلة أكثر صعوبة، بموارد أقل ومسؤوليات أكثر.

هي القيادات إذن التي تجد نفسها مضطرة إلى الإخلال بالعقد الاجتماعي القائم، وهي القيادات التي تجد نفسها مضطرة، للمحافظة على هيبتها، إلى التعويض عن الترغيب بالترهيب. نظام دمشق قد يكون التجسيد الأبشع لهذا التوجه، ولكنه ليس الوحيد. ومن شأن مضاعفة الترهيب وتخفيض الترغيب أن يحقق النتيجة المطلوبة إلى حين. غير أن الاستمرار بالترهيب أمر مرتفع الكلفة، ونتائجه العرضية هي في فرز الجمهور إلى أكثرية ترضى مكرهة بالخضوع، وتتقلص إن تراجع الترهيب، بل تحتاج إلى مضاعفته الدورية لإبقائها مكسورة، وإلى أقلية مستهدفة بالقمع الشديد، إنما من ينجو منها ينتقل إلى خانة الخطر على أمن الدولة.

لا شك أن الأنظمة الاستبدادية قد تمكنت وبكل اعتزاز من استعادة ما خسرته في الربيع العربي، فباستثناء تونس لم تحقق انتفاضاته مقصدها. ولكن انتصار القيادات ليس عودة إلى سابق عهد منظومة الدول العربية، بل إلى ما يشبهها، مع هيبة أقل، وزخم جديد من الترهيب. أي مع تفريط كبير بالعقد الاجتماعي القائم والمأزوم أصلا. والرابطة الاجتماعية دون هذا العقد واهية، فمجتمعات الثورة المضادة معرضة باستمرار للاستقطاب والتعبئة، على المستويين الفكري والتنظيمي، والجهد المطلوب لمنع هذا الاستقطاب معرض للارتفاع بما يصل إلى حد استنزاف طاقة السلطات. ومن لم يرقه الربيع العربي الأول لا بد له من مواجهة ما يقارب حتمية الربيع العربي الثاني.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة