من تظاهرات تونس عام 2011 التي أطلقت موجة الربيع العربي (أرشيف)
من تظاهرات تونس عام 2011 التي أطلقت موجة الربيع العربي (أرشيف)

بقلم حسن منيمنة/

لماذا حدثت سلسلة الانتفاضات التي سميت، وإن لفترة عابرة، بـ"الربيع العربي"؟ بما أن ما جرى سرعان ما انحدر بالمجتمعات التي شهدته إلى القتل والدمار، فإن التحليلات قد جنحت باتجاه التأكيد أن الأمر كان مؤامرة وحسب، والمتآمرون هم المشتبه بهم دوما، الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموما، مباشرة أو بأدوات محلية. طوبى لمن يحنق ويتشنج ويشتم ويتعالى للتأكيد على هذه القناعة الإيمانية. غير أن ثمة جمهور واسع لا يكفيه الكم المتراكم من القراءات المتقوقعة، ويجد أن لا بد بالتالي من الشروع بمتابعة نقدية للوقائع والمعطيات.

العوامل الموضوعية والدوافع الذاتية هي بطبيعة الحال متشعبة ومتداخلة، وتختلف كما ونوعا من مجتمع إلى آخر، كما يتباين تأثير الجهات الخارجية التي سعت إلى التدخل، للاستفادة أو لدرء الخطر عن نفسها. ثم أنه لم يمض القدر الكافي من الزمن لجلاء الصورة. فالعديد من محاولات الاستشفاف، على تضاربها في أكثر من حالة تبدو مقنعة كل على حدة، وإن خفتت قدرتها على تفسير ما حدث عند إضافة سائر المقاربات إليها.

هل كان الدافع الثورة على الفساد ورفض الاستبداد من جانب جيل خبر تقنيات التواصل الاجتماعي فأصبح أكثر اطلاعا وأكثر قدرة على التنظيم؟ هل الأمر كان تعبير عن احتقان اقتصادي اجتماعي في بلدان لا يستقيم فيها الانتاج والاستهلاك؟ أية مسؤولية، فعلا وتركا، للولايات المتحدة التي يلومها البعض لسعيها إلى التخلي عن دورها كمرجعية أمنية وسياسية ضامنة للاستقرار، فيما يطعن فيها البعض الآخر لسعيها المزعوم إلى إحكام قبضتها على المنطقة وثرواتها، طمعا بها أو ضمانا لأمن "ربيبتها"؟ وأي دور، فاعل أو مفعول به، للحركات الإسلامية، إخوانية وسلفية وجهادية، في التعبئة والحراك والقتال؟ وأين وقعت مصالح الدول المحيطة بالعالم العربي، إسرائيل طبعا، ولكن إيران وتركيا كذلك، بالإضافة إلى روسيا، والتي حققت في سنوات الأزمات العربية عودة كقوة عظمى بمواجهة الولايات المتحدة؟ هذه وغيرها من الأسئلة تشكل الأجوبة الشافية عليها شرطا للاستيعاب الوافي لمرحلة "الربيع العربي". غير أن هذه العوامل، وغيرها، ما كانت قادرة على التأثير لولا أن الإطار البنيوي للدول المعنية كان قابلا له.

من لم يرق له الربيع العربي الأول سيواجه ما يقارب حتمية الربيع العربي الثاني

​​ومن المفيد هنا اعتبار طبيعة "العقد الاجتماعي" في السياق العربي ومقارنته بما يقابله في الدول الأكثر استقرارا. "العقد الاجتماعي"، والمصطلح كما المفهوم نشأ في الإطار الغربي، هو التوافق الضمني على مستوى المجتمع، والسابق للدولة والدستور، حول الأسس التي يقوم عليها العيش المشترك بين أفراد هذا المجتمع وعن توقعاتهم من الهيئات التي قد يجري تشكيلها لتأطير هذا العيش. أي أن "العقد الاجتماعي" هو الأساس الذي يمهد لقيام الدولة ولإعداد دستورها. فهو أكثر ثباتا واستمرارا من كل من الدولة والدستور. فالدولة قد تسقط بفعل انقلاب أو ثورة والدستور قد يعدل أو يعلق، مع استمرار "العقد الاجتماعي" كمرجع ضمني لقواعد السلوك الاجتماعي والسياسي ولما ينتظر من أي واقع جديد. أي أن "العقد الاجتماعي" هو مخزون القيم المشتركة بين أفراد المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: اللغة العربية الفصيحة المعاصرة: "المعجزة" والإجحافات

ويرتبط تطور مفهوم "العقد الاجتماعي" بالحداثة المتشكلة في أوروبا في عصر نهضتها ثم في عصر أنوارها، والتي تدرجت لتعتبر جملة من الحقوق الإنسانية على أنها "طبيعية" غير قابلة للنقض أو التصرف من حيث المبدأ، ولا سيما منها "الحياة والحرية وطلب السعادة"، ولترى أن هذه الحقوق تصان لجميع المستحقين (أي الرجال الأحرار ابتداء، مع استثناء العبيد وتقييد حقوق النساء والأطفال) ضمن إطار الدولة الخادمة لمواطنيها، لا الحاكمة لرعاياها.

الإشارة إلى سمة "الطبيعية" في وصف هذه الحقوق يبين القناعة بأنها لم تكن أفكارا مستحدثة بالنسبة للناظرين بها، بل إجلاء وإعراب لقيم حاضرة في الوجدان الإنساني وإن كانت تفتقد التعبير الجلي.

يذكر هنا أن الأصول الفكرية لهذا التوجه، من دون افتراض العلاقة السببية مع عدم إسقاط تأثيرها بالكامل، كانت قد برزت في المحيط الإسلامي في إطار الخلاف الكلامي حول طبيعة الحسن والقبيح، بين من يعتبرهما عقليَين، ومن يصر على أنها نصيَين، ومن يرى كونهما فطريَين، أي "طبيعيَين". بل يمكن استشفاف منظومة حقوقية متكاملة، وإن اختلف المصطلح والتركيز، في مقاصد الشريعة، حيث حفظ النفس هو الحق بالحياة، وحفظ العقل هو الحق بالحرية، وحفظ العرض هو الحق بالكرامة، وحفظ المال هو الحق بالملكية، وحيث حفظ الدين هو التعبير المقابل للعقد الاجتماعي.

والواقع أن "نظام الحكم" في كل من العالمين الأوروبي والإسلامي كان على درجة مرتفعة من التشابه. هنا وهنالك، السائد كان الحكم الاستبدادي السلالي. ومهما حاول الإسلاميون اليوم تلميع التاريخ، فإن أي من الدول الإسلامية، بعد الجيل الأول، لم تعتمد لا الشورى ولا النص ولا الاستخلاف، بل ما ساد هو التلاحق الوراثي ومنطق القوة. هذا فيما التفرق والفتن وقتل الخلفاء كان الغالب على الجيل الأول. وهنا وهنالك كان هم الفرد صون بعض ماله من الجباية وصون بعض أبنائه من التجنيد، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم غلب عليها البطش والإكراه من الأول، والطاعة القسرية من أجل البقاء من الآخر.

حال المدينة ودمشق وبغداد والقاهرة واسطنبول كان حال روما وآخن وباريس ولندن. غير أن ما جرى في أوروبا، وفي بعض مستعمراتها، هو أن الأحوال الموضوعية، من فتوحات وثراء ورخاء وتقدم، أتاحت المجال للانتقال بالقناعات الحقوقية من التنظير إلى التطبيق، في الإطار الخاص الضيق طبعا، أي فيما يطال المجتمعات الأوروبية نفسها دون غيرها، وإن كان الثمن المزيد من الاسترقاق للأفارقة وما يقارب الإفناء للسكان الأصليين في العالم الجديد.

المهم في هذا السياق هو تلقي المستجدات الأوروبية في الإطار المتوسطي، العثماني والمصري والمغربي، إذ بالتوازي مع الجهد الأوروبي للتوسع والاستعمار، شهدت المنطقة مساع على مستويات عدة لكسب التجربة الأوروبية. ولم تكن المستويات الاجتماعية الأهلية غائبة عن محاولات الكسب هذه، غير أن جل هذه المحاولات أقدمت عليه النخب السياسية ثم الفكرية. وإذا كان القرن التاسع عشر مرحلة استيعاب الأفكار الأوروبية، فإن القرن العشرين شهد الاستحواز العربي (كما العالمي) للنظم الإدارية الأوروبية، فكان بناء الدولة العربية الحديثة.

من حيث الشكل والنظم والأطر الإدارية المعتمدة، شذب القرن العشرون الدولة العربية الناشئة، على تفاوت بين حالاتها، وفق الصيغة الأوروبية. إلا أن هذا التقدم في الهيكل لم يصاحبه تطور مكافئ في المضمون، فبقي العقد الاجتماعي ملتبسا مأزوما. من حيث المبدأ، توافقت المجتمعات العربية على مفهوم الدولة الخادمة لمواطنيها، ولكن من حيث الواقع، فإن الاستبداد بقي سيد الموقف.

الدولة العربية الحديثة ليست حداثية، أي أنها لا تحكم من منطلق سيادة المواطن وخادمية الحاكم، بل على أساس "الهيبة" التي يجمعها الحاكم من اعتبارات ترهيب وترغيب. أما ما يقوم مقام العقد الاجتماعي فصيغة مخضرمة تجمع المفهوم الحداثي القائم على حقوق للمواطن والمفهوم الأول القائم على وجوب الطاعة لصاحب الهيبة والقوة.

الدولة العربية الحديثة ليست حداثية، أي أنها لا تحكم من منطلق سيادة المواطن وخادمية الحاكم

​​وإذا كان الترهيب قائما على التأرجح المرعب، كما في مواقف معمر القذافي، أو على البطش المتعمد، كما في مجزرة حماة لحافظ الأسد، أو الترويع المتواصل، كما في عراق صدام حسين، فإن الترغيب، في عموم العالم العربي، جمهورياته وملكياته، استعار من الاشتراكية عناوينها في صياغة جديدة للأبوية. فالمقايضة هنا هي أن الدولة تتوقع من المواطن الطاعة والصمت السياسي إزاء الواقع القائم والسكوت عن سلوك الحاكم ومن نال رضاه، مقابل باقة من الخدمات أهمها الصحة والتعليم والتوظيف والتقاعد.

اقرأ للكاتب أيضا: كي لا تعترض مسيرات العودة حق العودة

انتفاضات "الربيع العربي" جاءت تعبيرا عن عجز الأنظمة عن الإيفاء بوعود المقايضة. ولكنها مقايضة مستحيلة، قبل الربيع العربي وبعده، ذلك أن الدولة عاجزة عن تحقيق القدر الكافي من هذه الخدمات إلا من خلال تجويفها وإفراغها من مضمونها، كله أو بعضه. حتى دول الخليج، ذات الدخل المرتفع والصناديق السيادية الهائلة، أمست تدرك أنها تسير نحو الاستنزاف ما لم تضع حدا لدعم السلع وتعمد إلى إلغاء المخصصات والامتيازات، وما لم تلجأ إلى الجباية الضريبية. والمسألة أكثر حدة وخطورة في "الجمهوريات" حيث المعادلة أكثر صعوبة، بموارد أقل ومسؤوليات أكثر.

هي القيادات إذن التي تجد نفسها مضطرة إلى الإخلال بالعقد الاجتماعي القائم، وهي القيادات التي تجد نفسها مضطرة، للمحافظة على هيبتها، إلى التعويض عن الترغيب بالترهيب. نظام دمشق قد يكون التجسيد الأبشع لهذا التوجه، ولكنه ليس الوحيد. ومن شأن مضاعفة الترهيب وتخفيض الترغيب أن يحقق النتيجة المطلوبة إلى حين. غير أن الاستمرار بالترهيب أمر مرتفع الكلفة، ونتائجه العرضية هي في فرز الجمهور إلى أكثرية ترضى مكرهة بالخضوع، وتتقلص إن تراجع الترهيب، بل تحتاج إلى مضاعفته الدورية لإبقائها مكسورة، وإلى أقلية مستهدفة بالقمع الشديد، إنما من ينجو منها ينتقل إلى خانة الخطر على أمن الدولة.

لا شك أن الأنظمة الاستبدادية قد تمكنت وبكل اعتزاز من استعادة ما خسرته في الربيع العربي، فباستثناء تونس لم تحقق انتفاضاته مقصدها. ولكن انتصار القيادات ليس عودة إلى سابق عهد منظومة الدول العربية، بل إلى ما يشبهها، مع هيبة أقل، وزخم جديد من الترهيب. أي مع تفريط كبير بالعقد الاجتماعي القائم والمأزوم أصلا. والرابطة الاجتماعية دون هذا العقد واهية، فمجتمعات الثورة المضادة معرضة باستمرار للاستقطاب والتعبئة، على المستويين الفكري والتنظيمي، والجهد المطلوب لمنع هذا الاستقطاب معرض للارتفاع بما يصل إلى حد استنزاف طاقة السلطات. ومن لم يرقه الربيع العربي الأول لا بد له من مواجهة ما يقارب حتمية الربيع العربي الثاني.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.