خلال انتخاب اللبنانيين خارج لبنان قبل أسبوع من موعد الانتخابات النيابية
خلال انتخاب اللبنانيين خارج لبنان قبل أسبوع من موعد الانتخابات النيابية

بقلم حازم الأمين/

بعد ثلاثة أيام يتوجه اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع لينتخبوا مجلس نواب جديد. وهم ومع كل يوم يقربنا من هذا الاستحقاق يكتشفون بعدا هذيانيا لواقعة يوم الأحد 6 أيار/مايو، وانخفاضا متواصلا في منسوب الذكاء توازيه انخفاضات أخرى أخلاقية وسياسية وثقافية.

إمعان في الاصطفاف وراء مرشحين كلما أمعن هؤلاء بإسفافهم. وفيما السياسة بعيدة عن تعريفها الأصلي في هذا الاستحقاق، تحولت السوشيل ميديا إلى مسرح يستعرض فيه مرشحون غباءهم، وهو غباء مصمم وهادف، إذ إنهم في مناسبات من هذا النوع يشعرون أن عليهم مخاطبة ناخبيهم بما يداعب مستويات معارفهم ومداركهم.

ثمة مقعد نيابي في دائرة البقاع الشمالي تخاض عليه معارك كبرى مثلا. إنه المقعد الشيعي الذي يمكن أن يتم اختراق حزب الله به. هذه المهمة قد تعني الكثير سياسيا، وهي متصلة رمزيا بحروب حزب الله في سورية والعراق واليمن وربما صحراء شمال إفريقيا على ما كشف المغرب مؤخرا، ذاك أن المقعد النيابي المستهدف اقتناصه من الحزب هناك، يمثل المنطقة الحدودية التي يطل منها الحزب على حروبه الأهلية كلها، أي الحدود اللبنانية السورية. وحجز مقعد نيابي شيعي لخصوم الحزب في تلك المنطقة يعني حجز مساحة أهلية للتحرك فيها.

إنه الفراغ، يُملأُ غباء في البقاع الشمالي وكراهية في زحلة والبترون وعجزا وانعدام حيلة في بيروت وطرابلس

​​وفي مقابل ذلك من المفترض أن تعني المعركة الانتخابية للحزب هناك، على المستوى الرمزي على الأقل، الكثير أيضا، فصموده انتخابيا فيها سيكون رسالة أهلية على مدى صلابة موقعه الطائفي على رغم الأثمان الكبرى التي تتكبدها الجماعة الأهلية جراء زج الحزب لها في الحروب الإيرانية.

ممثلا تلك الحرب الرمزية هما المرشحان على لائحة الحزب اللواء جميل السيد، وعلى اللائحة المنافسة المدعومة من تيار المستقبل والقوات اللبنانية وعشائر شيعية يحي شمص. أما المضامين السياسية والرمزية الهائلة لهذه المعركة الانتخابية فقد انخفضت في خطاب المرشحين إلى مستويات مذهلة من الركاكة وأحيانا الإسفاف، بحيث بتنا حيال سجال أين منه سجالات فتية الأزقة.

اقرأ للكاتب أيضا: "بترو دولار" و"مقاومة دولار"

جميل السيد خاطب سمير جعجع (رئيس حزب القوات اللبنانية) على تويتر قائلا: "من اليوم للانتخابات خود (تناول) حبة تحت اللسان لأنو بس تشوف النتيجة رح تصيبك جلطة"، ويحي شمص خاطب أهل بعلبك خلال مهرجان انتخابي، عبر تويتر أيضا: "يا أهل بعلبك نضفو (نظفوا) بعد ما تفل الناس... يللا حبيباتي جنو ونطو". وهنا علينا أن نعتذر من قارئ لا يجيد اللهجات اللبنانية لعجزنا عن تفصيح ما تضمنته هذه العبارات، ذاك أنها أهلية إلى حد يصعب معه ترجمتها، إلا إذا تمت الاستعانة بقاموس أنثروبولوجي يعيد العبارة إلى زمنها ما قبل السياسي وما قبل المعرفي، أي إلى الغريزة بصفتها أداة للتعبير عن المصلحة وعن الرغبة، وإلى اللغة بصفتها استعاضة عن القتل عبر اغتصاب الوعي وإهانته.

يملأ جبران باسيل الفراغ السياسي الذي أملته الانتخابات بالدعوة إلى كراهية اللاجئين السوريين

​​ليس مرشحا البقاع الشمالي اللبناني وحدهما من تولى هتك ذكائنا وتدمير شعورنا بأنفسنا بصفتنا كائنات تعيش في هذا العالم الفائق السرعة في تقدمه. فنحن في لبنان نعيش في ظل رئيس حكومة مرشح بدوره للانتخابات النيابية، وفي كل يوم يظهر لنا حاملا هاتفه وملتقطا صورا لنفسه. هذه الحركة قد تبدو رشيقة، ولكن تكرارها من قبل رئيس حكومة دولة يعني أيضا أنها رسالة. لكن ما هي الرسالة السياسية والانتخابية من وراء تكرار سعد الحريري هذه الفعلة عشرات المرات كل يوم؟ ماذا يريد أن يقول لمواطنيه ولناخبيه من ورائها؟ لا جواب على هذا السؤال سوى أن الخطوة استعاضة عن فراغ هائل مواز أملته الانتخابات النيابية. وأن تفرض الانتخابات فراغا، فهذا يعني أنها فراغ أيضا، وهذا الفراغ عبر عنه المسؤول الأول عنها، وهو رئيس الحكومة التي من المفترض أن تشرف عليها.

اقرأ للكاتب أيضا: الرجل منتظرا حربا وشيكة

لكن ثمة من يملأ هذا الفراغ بما هو أسوأ من صور السلفي، ذاك أن خسائر السلفي تقتصر على وجه صاحبها، لكن جبران باسيل، وزير خارجية لبنان ووجهه في العالم، وهو أحد أبرز أبطال هذه الانتخابات الفراغية، يملأ الفراغ السياسي الذي أملته الانتخابات بالدعوة إلى كراهية اللاجئين السوريين. هذه الكراهية هي البند الأول في برنامجه الانتخابي، والرجل قوي إلى حد أن له مرشحين في كل الدوائر الانتخابية، يزورهم بهمة ونشاط ويزود كل واحد منهم بجرعة الكراهية التي تتطلبها الدائرة الانتخابية التي ترشح فيها. في دائرة زحلة المختلطة طائفيا، والقريبة من مخيمات اللاجئين، على هذه الجرعة أن تكون كبيرة، وفي عكار يجب خفضها إلى مستويات دنيا حتى لا يخسر وزير خارجيتنا الناخب السني.

إنه الفراغ، يُملأُ غباء في البقاع الشمالي وكراهية في زحلة والبترون وعجزا وانعدام حيلة في بيروت وطرابلس. والمفجع في هذه المساعي هو أن هذه ليست حال أصحابها؛ جميل السيد يعرف تماما أن ما يمارسه هو تهريج وليس سياسة، وجبران باسيل وإن كان لا يقيم وزنا لصورته في الخارج بصفته وزيرا للخارجية، إلا أنه يعرف أن ما يقوله عنصريا، وهو قال ذات يوم إنه عنصري في لبنانيتـ"ه"، وسعد الحريري المبتسم لعدسة هاتفه ثمة من أشار عليه إلى أن يستعيض عن خطابه بصورته. وهؤلاء جميعهم محقون في اعتقادهم بأن الانتخابات في لبنان هي محطة لملء الفراغ بالفراغ، وأن السياسة هي في مكان آخر، مثلما أن "الحياة هي في مكان آخر".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.