أحد النازحين من الغوطة الشرقة إلى باب الهوا في الشمال السوري
أحد النازحين من الغوطة الشرقة إلى باب الهوا في الشمال السوري

بقلم فارس خشّان/

يستخلص من مراجعة بعض التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة أن موضوع اللاجئين السوريين لن يشهد أي انفراجات حقيقية، بل إن العكس قد يكون صحيحا.

وإذا كانت الأعمال الحربية قد أنتجت هذه الأزمة الإنسانية التي لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية وسياسية، فإن الحل لا يكمن في توقف هذه العمليات، بل في حل سياسي يأخذ بالاعتبار كل الأسباب التي سبق لها وأشعلت الثورة في سورية، ذلك أن إفساد الثورة بالتطرف والإجرام لا يعني، بأي شكل من الأشكال، إفسادا لأحقية مسبباتها.

ويبين التدقيق في التقارير الأممية أن المسؤول الأول عن تفاقم أزمة اللاجئين، كما عن نشوئها، هو النظام السوري الذي ـ خلافا لما يروجه من يحميه ومن يحارب من أجله ومن يواليه ـ بقدر ما يصبح أكثر قوة بقدر ما تتعقد هذه الأزمة.

لن يسمح الأسد بإعطاء أي ضمانة لأي لاجئ سوري، إذا لم تتوافر له أدلة كافية بأنه يؤيد نظامه

​​ووفق المعلومات المتوافرة من أكثر من مصدر ومن مرجعية، فإن الأمم المتحدة وتاليا كبريات الدول، لن تتحرك في موضوع حل أزمة اللاجئين السوريين، إلا في هدى خطة موضوعة ومتفق عليها تقضي بإجراء انتخابات عامة في سورية يشارك فيها اللاجئون السوريون بحماية الأمم المتحدة مما يسمح بانتقال السلطة وإعادة تأسيس الأجهزة الأمنية السورية بما يلائم حرية المواطن، وحينها يتم رصد أموال إعادة إعمار البلاد التي توفر فرص عمل للعائدين إلى سورية.

اقرأ للكاتب أيضا: انتخابات لبنان: الخاسر الأكبر

وعلى الرغم من أن "خارطة الطريق" هذه تبدو بسيطة على الورق إلا أنها في الواقع تكاد تكون مستحيلة التنفيذ، طالما أن الواقع العسكري يصب لمصلحة النظام القائم حاليا.

وسبق لستيفان دي مستورا، المبعوث الأممي إلى سورية، أن كشف أن بشار الأسد رفض مرارا وتكرارا أن يشارك اللاجئون السوريون في أي انتخابات عامة، أي في اللبنة الأولى في صرح الحل المنشود. وأشار دي مستورا إلى أن أحدا لا يمكنه القبول بذلك.

ومعلوم أن حوالي ربع الشعب السوري تقريبا يعتبر لاجئا، إذ تضم سجلات الأمم المتحدة أكثر من خمسة ملايين ونصف مليون سوري.

ووفق جميع المعنيين بالشأن السوري، فإن بشار الأسد يريد أن يشرك فقط من يوالونه أو من يسيطر عليهم بالخوف في أي انتخابات تأسيسية.

ويلاحظ هؤلاء ومن ضمن هذا الإطار، أنه كلما تعزز موقع الأسد العسكري كلما اتخذ تدابير توسع الهوة بين حقوق المقيم تحت سيطرته وبين حقوق النازح إلى مناطق مستقلة عنه واللاجئ إلى الخارج.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن بشار الأسد يقف حائلا دون إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وكأنه يقود عملية "ترانسفير سياسية"، ستطبع بفظائعها القرن الحادي والعشرين.

يقف بشار الأسد حائلا دون إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم كأنه يقود عملية "ترانسفير سياسية"

​​ووفق المراجع الدبلوماسية طلب دي مستورا، المتعاطف مع الشكوى اللبنانية من التأثيرات الكبرى لأزمة النازحين، من الأسد التدخل للمساهمة في إعادة السوريين إلى المناطق التي باتت تحت سيطرته والقوى المحاربة لمصلحته لكنه رفض ذلك متحججا بأن الكثير من هؤلاء يشكلون بيئة حاضنة لعودة الإرهاب.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية بين... حلّين

ولما جرى التدقيق في ما يعنيه الأسد، جرى إبلاغ المتحركين على هذه الخط، أن الأسد لن يسمح بإعطاء أي ضمانة لأي لاجئ سوري، إذا لم تتوافر له أدلة كافية بأنه يؤيد نظامه ويواليه، من دون قيد أو شرط.

ويبدو جليا أن المجتمع الدولي الذي وقف مكتوف الأيدي تجاه النظام السوري ويتهمه بأنه مسؤول عن 80 بالمئة من الضحايا الذين سقطوا منذ 7 سنوات حتى تاريخه، لن يشارك في أي عملية تعيد اللاجئين السوريين إلى مناطق سيطرة الأسد، من دون ضمانات حقيقية توفر لهم عيشا آمنا.

تأسيسا على ذلك، فإن ارتفاع أصوات المؤيدين لبشار الأسد حول وجوب إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، يمكن تصنيفها أقله إلى قسمين، الأول "شعبوي" ويستهدف تحقيق أرباح سياسية وانتخابية، والثاني "متواطئ" وهدفه إيهام غير العارفين بأن ما يعانونه من تأثيرات بسبب أزمة اللاجئين لا تكمن أسبابها مطلقا في أصل العلة بشار الأسد، الذي يفعل كل شيء، وبالقضم، لتكريس تخلصه من الوجود البشري لمن يعارضه، في مقابل توفير ظروف توطين من يحارب لمصلحة تأبيد نظامه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.