ترامب يهنئ بومبيو خلال قسم اليمين في الخارجية
ترامب يهنئ بومبيو خلال قسم اليمين في الخارجية

بقلم داود كتّاب/

لم يضيع مايك بومبيو أي وقت. بعد ساعات من إقرار مجلس الشيوخ الأميركي تعيينه وزيرا للخارجية أجرى بومبيو زيارة خاطفة لبروكسل والرياض وتل أبيب وعمان ثم عاد إلى واشنطن والتقى مع فريقه في الخارجية مؤكدا أن لوزارته دورا مهما في وضع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

مايك بومبيو من مواليد كاليفورنيا وتخرج من كلية وست بوينت العسكرية العريقة وخدم لخمس سنوات في القوات المسلحة وحصل على شهادة المحاماة من جامعة هارفرد قبل العمل في التجارة العامة ثم الترشح لمجلس النواب الأميركي حيث بقي نائبا ثلاث دورات عن ولاية كنساس قبل انضمامه إلى حملة دونالد ترامب وتعيينه مديرا للاستخبارات المركزية ثم الانتقال إلى الخارجية.

يعتقد خبراء أن ميزانية الخارجية التي تم تقليصها سيتم إعادتها تدريجيا في عصر بومبيو

​​من الواضح أن بومبيو سيدير الخارجية الأميركية بصورة معاكسة لفترة ريكس تيلرسون التي دامت 14 شهرا وشهدت تراجعا كبيرا في دور الخارجية. قد يكون أحد أسباب التفاؤل لدور الخارجية المستقبلي علاقة بومبيو مع الرئيس ترامب وإيمانه بدور العمل الدبلوماسي. نجح بومبيو في تعيين العديد من مساعديه في فترة قياسية ومن المتوقع أن يعيد للخارجية الأميركية دورها الفعال.

في أول خطاب للعاملين في الخارجية رسم بومبيو لنفسه صوره مخالفة لصورة الدبلوماسية الأميركية في عصر تيلرسون، وقال: "سيتواجد دبلوماسيو الولايات المتحدة في كل زاوية ومنطقة في العالم ينفذوا أهداف بلدنا ودوري المتواضع سيكون في قيادة هذا الهدف".

اقرأ للكاتب أيضا: منظمة التحرير تراجع استراتيجياتها وتقلص كوادرها

سترحب العديد من العواصم العالمية في المحاولة لإعادة هيبة الولايات المتحدة من خلال تقوية حضورها الدبلوماسي ولكن ذلك لن يحل كل المشاكل. فسياسة واشنطن وإدارة ترامب تؤمن بأميركا أولا، وتحاول جاهدة عزل الولايات المتحدة عن العالم من خلال سور مع المكسيك والاختلاف مع رئيس وزراء أستراليا وانتقاد أعضاء حلف ناتو ورفض أميركا الإجماع العالمي حول اتفاقية باريس المناخية.

ويلتقي بومبيو مع ترامب في العديد من الأمور السياسية منها مناهضة التطرف الإسلامي والرفض القوي للاتفاق النووي مع إيران وتأييد إسرائيل.

فإذا كان بومبيو صادقا في رغبته إعادة دور الدبلوماسية فمن المتوقع أن تتشكل في القريب العاجل نقطة اصطدام بين تحليل ونصيحة الدبلوماسيين المبنية على الدراسة والخبرة والتحليل السليم وبين قرارات ترامب وربما بومبيو المبنية على خلفية يمينية حادة لا تفضل التعاون الدبلوماسي والحلول السياسية.

لقد أظهر بومبيو سابقا مواقف حادة تعكس قناعاته الدينية والسياسية. إذا فهل سيكون لتلك المواقف أثر على عمله الجديد؟ وهل سينقل مواقفه الأيديولوجية إلى وزارة الخارجية؟

ستبين الأشهر المقبلة ما إذا سيؤثر بومبيو على ترامب أم سيكون بومبيو سجين أفكار ترامب

​​يقول العديد من المراقبين إن بومبيو ذكي جدا حيث كانت درجاته الأكاديمية في جامعة هارفرد من أعلى الدرجات، وإن تجربته السياسية وفترة إدارته للاستخبارات المركزية قللت من حدة مواقفه وجعلت منه إنسانا أكثر براغماتية.

كما احتج الكثيرون أن سياسة دونالد ترامب الخارجية مبنية على مواقف آنية وغير مدروسة وأنه بحاجة إلى الاستفادة من آلة الدبلوماسية الأميركية الضخمة بدل من تقليص دورها وميزانياتها وشخوصها.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يمكن الاستفادة من تجربة القمم الأوروبية؟

من المتوقع ملء العديد من الشواغر في الخارجية نفسها وفي مواقع السفراء في أنحاء العالم التي بقيت فارغة طيلة مدة إدارة ريكس تيلرسون. كما يعتقد العديد من الخبراء أن ميزانية الخارجية التي تم تقليصها سيتم إعادتها تدريجيا في عصر بومبيو بسبب قربه الفكري وعلاقته المميزة مع الرئيس ترامب.

ستبين الأشهر المقبلة ما إذا سيؤثر بومبيو على ترامب أم سيكون بومبيو سجين أفكار ترامب.

من الواضح أن تصريحات ومواقف مايك بومبيو في أيامه الأولى في الخارجية تعكس رؤية إنسان ذو خبرة وذكاء ورغبة في إعادة دور الدبلوماسية للسياسة الخارجية الأميركية. وسيظهر الجواب على السؤال السابق في سياق تطبيق أفكار بومبيو ومستوى اشتباكها مع الواقع السياسي لإدارة ترامب.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.