طفل سوري نازح من الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري
طفل سوري نازح من الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري

بقلم عريب الرنتاوي/​

سحب سوداء كثيفة، تتلبد في سماء الإقليم، وتحديدا فوق إسرائيل وإيران وكل من سورية ولبنان. فبعد الغارة الإسرائيلية على مطار "تي فور" في الثامن من الشهر الماضي والضربة الجوية/الصاروخية الغامضة في التاسع والعشرين منه، على مقر اللواء 47 في ريف حماة، بدا أن "حرب الوكالة" بين إيران وإسرائيل في سورية، قد دخلت منعطفا جديدا، "حرب الأصلاء"...

فالغارتان الإسرائيليتان، استهدفتا عن سبق الترصد والإصرار، جنودا وضباطا وخبراء إيرانيين، وقتلتا عددا كبيرا منهم، وفيما توعدت إيران برد قوي ومفاجئ، تنتظر عواصم المنطقة والعالم ذات الصلة، كيف سيكون هذا الرد ومتى.

وإذ تترافق هذه التطورات الميدانية، مع تفاقم التوتر والتصعيد، بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وتزايد حدة الاتهامات والتهديدات المتبادلة بين هذه الأطراف، لا سيما بعد كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي عن ألوف الوثائق حول برنامج إيران النووي، التي استولى عليها جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" من قلب طهران في عملية استخبارية نادرة واستثنائية، فإن الكثير من التكهنات والتقديرات التي يجري تداولها في المنطقة، تتحدث عن قرب اندلاع مواجهات واسعة بين الجانبين، دون استبعاد حصول السيناريو الأخطر: الانزلاق من حافة الهاوية إلى قعرها.

"حزب الله" يفتقد الغطاء "الشعبي" الذي يؤهله خوض غمار حرب جديدة

​​صحيح أن كافة الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية أي روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران و"حزب الله" فضلا عن النظام السوري لا ترغب بالتورط في حرب شاملة، بل وليست لها مصلحة فيها وتسعى في تفاديها، لكن مسلسل الأفعال وردود الأفعال العسكرية المتبادلة قد يخلق ديناميكيات جديدة وقد يقود الأطراف إلى ما لا ترغب به من خيارات.

اقرأ للكاتب أيضا: عواصم المنطقة تضبط ساعاتها على توقيت الانتخابات التركية المبكرة

الولايات المتحدة لا تريد حربا في سورية أو المنطقة، بعد المآلات الصعبة التي انتهت إليها حربين سابقتين، في أفغانستان (2001) والعراق (2003)، والرئيس الأميركي لطالما لوح بنيته سحب قواته بلاده من سورية "قريبا جدا"، حاثا الشركاء والحلفاء إلى زيادة مساهمتهم في الحرب على "داعش" وملء الفراغ الذي سيتركه انسحاب الجيش الأميركي في شمال شرق سورية...

لكن الولايات المتحدة في المقابل، لن تسلم سورية لروسيا، ولا ترغب في تحويل هذه البلاد، إلى ملعب رئيسي للنفوذ الإقليمي لإيران، ولا تريد لطهران أن تقيم ممرات برية تربط بين "قزوين" و"المتوسط"، ولن تترك إسرائيل وحدها في مواجهة إيران.

أما روسيا، فهي تشاطر الولايات المتحدة الرغبة ذاتها في تفادي سيناريو الحرب الشاملة، وهي تعرف أن أي مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل في سورية، قد تجهز على المكاسب "الاستراتيجية" التي حققها التدخل العسكري الروسي. ثم أن لموسكو أولويات أخرى في سورية، غير تلك التي لإيران، وهي معنية بالإبقاء على تعاونها مع إسرائيل، ومنع تحويل الحدود الجنوبية لسورية مع إسرائيل، إلى "جنوب لبنان" آخر.

إسرائيل في المقابل، لديها ثلاثة "خطوط حمراء" تسعى إلى تكريسها ومنع تخطيها:

1ـ منع إيران من بناء قواعد عسكرية ووجود مسلح وازن في سورية.

2 ـ الحيلولة دون انتقال سلاح "كاسر للتوازن" إلى "حزب الله".

3 ـ احتفاظ سلاح الجو الإسرائيلي بحرية حركة في الأجواء السورية.

إسرائيل ليست معنية على نحو خاص، بقلب نظام الأسد، وبعض أوساطها الأمنية والاستراتيجية، تنظر إليه بمنظار "شيطان تعرفه خير من شياطين لا تعرفها"... وبهذا المعنى، ليس من الصعب على إسرائيل، أن تجد مساحة مشتركة واسعة مع السياسة الروسية في سورية. وترى بعض الأوساط الإسرائيلية أن روسيا، وإن كانت على علاقة تنسيق وتعاون مع إيران، إلا أنها لا تشاطرها الأهداف الاستراتيجية ذاتها في سورية.

إيران بدورها، "استثمرت" الكثير من الموارد المالية والبشرية والعسكرية في سورية، وهي ليست بصدد التخلي عن كل هذه "المكتسبات"، وهي تدرك أهمية تواصلها العابر للحدود مع العراق وسورية، وصولا إلى "كنزها الاستراتيجي" في لبنان: "حزب الله". وهي معنية بصورتها كزعيمة لما يسمى بـ "محور المقاومة والممانعة"، الأمر الذي سيجبرها على الرد على الضربات الإسرائيلية، ولكن من ضمن حدود ومعادلات لا تفضي إلى الانزلاق في مستنقع حرب شاملة معها. وتدرك طهران تمام الإدراك أن حصولها قد تهدد كافة المكتسبات التي راكمتها في دول "الهلال الشيعي".

تكتفي إيران بالتلويح بردود "مزلزلة" وحرب قد تكون الأخيرة بالنسبة لإسرائيل، وهي إلى جانب "حزب الله"، تعهدت بأن تشمل ساحة الحرب المقبلة، سورية ولبنان وغزة، وليس سورية وحدها، مع أن المستويات الأمنية والسياسية في إسرائيل، لا تأخذ التهديدات الإسرائيلية بحرفيتها تماما، وتكتفي بتوظيفها إعلاميا ودعائيا لحشد التأييد ضد "التهديد الإيراني الماثل". وتدرك إسرائيل أن ثمة حدود لقدرة إيران على ضرب إسرائيل، وأن نظرية "وحدة الجبهتين" السورية واللبنانية التي يتحدث عنها جنرالات إيران والناطقون باسم "حزب الله"، ليست مؤكدة تماما.

تعرف روسيا أن أي مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل في سورية، قد تجهز على المكاسب "الاستراتيجية" التي حققها تدخلها العسكري

​​فلبنان ليس بوارد استدراج حرب مدمرة جديدة، و"حزب الله" يفتقد الغطاء "الشعبي" الذي يؤهله خوض غمار حرب جديدة. وفي سورية، ليس من المثبت على الإطلاق أن النظام في دمشق يرغب في حرب مع إسرائيل أو يريد تحويل الجبهة الجنوبيةإلى جنوب لبنان آخر.

وغزة لديها ما يكفيها من متاعب الحصار، وليس من المعتقد أن تخوض "حركة حماس" في غزة، حرب إيران في سورية، وهي التي اتخذت مواقف عدائيه من النظام السوري، منذ اندلاع الأزمة، مقامرة بعلاقاتها مع طهران وحزب الله.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سترسل الدول العربية قوات إلى سورية، وكيف؟

كما أن "ثقل الدور الروسي" في سورية، سيكون في مختلف الأحوال، من بين الكوابح التي تحول دون اندلاع حرب كبيرة، ودون إنفاذ نظرية "وحدة الجبهتين".

في ضوء هذه المعطيات جميعها، يصعب ترجيح انزلاق الأطراف إلى أتون حرب شاملة في سورية، مع أن التطورات الميدانية، تبقي هذا السيناريو غير المحبذ لكل الأطراف، من ضمن دائرة الاحتمالات والممكنات، والمرجح أن تقتصر "ردة الفعل" الإيرانية على عملية محدودة في نطاقها وأهداف تحفظ لإيران "كرامتها" وسمعتها، ولا تفضي إلى ما هو أبعد من ذلك. تماما كما مثلما فعل حزب الله والنظام السوري في مرات عديدة سابقة، إذ تعمدا الرد بإسقاط طائرة إسرائيلية فوق الأجواء السورية، أو استهداف مواقع إسرائيلية بصورة محدودة، لا تفضي إلى انقلاب المعادلات وتغيير قواعد الاشتباك ولا تنتهي إلى اندلاع حرب شاملة.

الأرجح أن إيران، ستميل لاعتماد نظرية "النفس الطويل" في التعامل مع "الاستفزازات" الإسرائيلية وعمليات "التحرش" التي استهدفت جنودها وخبراءها، وهي تراقب بارتياح النجاحات الميدانية والاختراقات الواسعة التي تحققها قوات النظام مؤخرا، وتتابع باهتمام بالغ، استعجال إدارة ترامب لسحب القوات الأميركية من سورية، لـ "تبني على الشيء مقتضاه"، وهي تنظر بكثير من الترقب والاهتمام لتطور العلاقات التركية ـ الأميركية، وتفاعلات الملف الكردي في شمال سورية، علها تجد هناك، شقوقا وفرصا لتعظيم مكاسبها وإدامة وجودها.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!