شريف جابر- الصورة من حسابه على فيسبوك
المدون شريف جابر (لصورة من حسابه على فيسبوك)

بقلم د. توفيق حميد/

تم اعتقال المدون المصري الشاب شريف جابر على خلفية بلاغ للنائب العام اتهم فيه جابر بـ "الاعتداء" على الدين الإسلامي، وإنكار ما هو قطعي الثبوت من الدين، واستهزائه بالذات الإلهية والنبي محمد، وذكر البلاغ أن جابر بث فيديوهات تحمل "سخرية بالدين وإنكار الجنة والنار والحساب، والاستهزاء بيوم القيامة".

وأعلن المحامي نبيل النقباوى، السبت الماضي، أن موكله شريف جابر سيعرض على نيابة وسط القاهرة، لاستكمال التحقيق معه على خلفية اتهامه بازدراء الأديان.

والعجيب في الأمر أن الاتهام بازدراء الدين نراه فقط لمفكرين مسالمين يحملون أفكارا سلمية لا تدعو إلى أي عنف ولا سفك دماء، ومن أمثلة هؤلاء المدون شريف جابر والصحفي إسلام البحيري والكاتبة فاطمة ناعوت، ومن قبلهم الراحل الرائع شهيد الفكر فرج فودة، ولكننا لا نرى نفس الاتهامات تكال لمن يروجون لفكر ديني يدعو بلا خجل إلى قتال غير المسلمين، وسبي نسائهم، ويبيح معاشرة الصغيرات جنسيا، ويبارك مبدأ الرق، ولو تم اعتبار هذه الجرائم ازدراء للدين لأنها تشوه صورته أمام العالم لتم اعتقال الكثيرين ممن يطلق عليهم في مجتمعاتنا "رجال دين".

هناك فارق كبير بين أن تتفق مع أحد في الرأي أو أن تقتنع بالمحتوى الفكري لآرائه وبين أن تعطيه حرية إبداء الرأي

​​ويذكرني ما يحدث في هذا الأمر بحقيقة واقعة وهي أن لاعب الكرة ضعيف المستوى هو الذي غالبا من يستخدم العنف مع غيره من اللاعبين، لأنه عاجز عن اللعب أمامهم بقواعد المباراة حيث أنهم أكثر كفاءة وقدرات منه.

ونفس الأمر نراه هنا، فقد يقول البعض إن اعتقال شريف جابر بتهمة الإلحاد هو أكبر دليل على ضعف رجال الدين، وعجزهم عن الرد على أفكاره بالحجة والمنطق والبرهان، فهم ببساطة شديدة قد عجزوا عن لعب مباراة الفكر بقواعد المنطق فلجأوا إلى العنف.

اقرأ للكاتب أيضا: هل 'حد السرقة' أمر إلهي أم مفهوم بشري؟

وليس هذا الأمر مستغربا، فقد رأيناه في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما عجز قومه عن الرد على حجته "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ" لم يكن لديهم شيء يفعلوه غير استخدام العنف ضده "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ".

وأنا هنا لا أشبه شريف جابر بإبراهيم خليل الرحمن، فالله وحده هو من يحاسب البشر، ولكنى أتكلم عن قضية استخدام العنف من قبل الغالبية ضد إنسان جاءهم بفكر مخالف لهم لأنهم عجزوا عن الرد عليه بردود منطقية تدعم فكرهم وتدحض فكره.

وأحب أن أبشر كل من يشارك في اعتقال وربما حبس شريف جابر بزيادة جديدة في معدلات الإلحاد حيث أنهم أكدوا لكل من يتابع الأمر بأن اللجوء للعنف ضد المدون الشاب، هو أكبر دليل على عجز رجال الدين الاسلامي عن الرد عليه في موضوع الإلحاد، وأن أفكاره أقوى من أفكارهم وحجته أعظم من حجتهم، فرجال الدين والمتعصبون دينيا، هم الآن مثل لاعب الكرة الضعيف الذي لجأ إلى العف في الملعب لعجزه عن مجاراة مهارة اللاعبين الآخرين.

وهناك نقطة أخرى أود أن أطرحها هنا وهي: إن كان طرح أفكار مختلفة وغريبة عن المجتمع "جريمة" تستحق العقاب، فإن ذلك يبرر تماما أفعال مشركي مكة ضد الرسول عليه السلام، واستخدام العنف معه في بداية دعوته، حيث أنه كان "في نظرهم" يدعو إلى أفكار شاذة وغريبة عن المجتمع حين ذاك، مثل "عدم عبادة الأصنام"، و"منع وأد البنات"، ثم ألم يفعل فرعون نفس الشيء بموسى حين رآه يدعو لأفكار "غريبة" عن المجتمع، تدعو لهدم عقائد الناس وتبديل دينهم "وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ"، ففرعون هنا كان يفعل تماما مثل ما يريد أن يفعله أشاوس الشريعة مع شريف جابر، أي استخدام العنف معه بعد أن عجزوا عن الرد المنطقي عليه.

أحب أن أبشر كل من يشارك في اعتقال وربما حبس شريف جابر بزيادة جديدة في معدلات الإلحاد

​​ومن هذا المنطلق أسأل من يعتقلون شريف جابر بسبب أفكاره الغريبة، بماذا كانوا سيشعرون إن تم تنفيذ نفس المنطق على المسلمين في دول غير إسلامية، فتم اعتقال كل المسلمين لأنهم يدعون إلى أفكار "غريبة" عنهم مثل الصلاة خمس مرات في اليوم، والطواف حول حجر، وصيام شهر في السنة؟

وأحب أن أوضح للجميع أن هناك فارقا كبيرا بين أن تتفق مع أحد في الرأي أو أن تقتنع بالمحتوى الفكري لآرائه، وبين أن تعطيه حرية إبداء الرأي ـ خاصة إن كان رأيه لا يدعو إلى العنف أو إلى سفك الدماء.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا لو كان اسم محمد صلاح "جرجس حنا"؟

وإن كان إبداء رأي مخالف للمجتمع جريمة تستحق العقاب، فإن ما فعله قوم إبراهيم عليه السلام به وما حاول فرعون فعله بموسى عليه السلام، وتعذيب المؤمنين الأوائل في بداية الإسلام يكون مبررا بنفس المنطق، لأنهم جميعا كانوا يدعون لآراء ـ في نظر قيادات المجتمع ـ "هدامة"، ويبشرون بدين جديد أو يدعون إلى فكر "جديد" يخالف الفكر السائد في المجتمع ويستهزئون بعقيدة الناس و"يبلبلون" أفكارهم!

وكم كنت أتمنى أن أرى دعاة الدين وأشاوس الشريعة يدعون إلى إعطاء شريف جابر حقه في الاختيار كما قال القرآن "فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ"، بدلا من حرمانه من هذا الحق الإلهي في الاختيار والذي وهبه الله لخلقه أيا كان اختيارهم.

وأخيرا أود أن أقول لشريف جابر أني قد أخالفك في الرأي جزئيا وكليا في قضية مثل وجود الله ولكني مستعد أن أموت دفاعا عن حريتك في إبداء رأيك!

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Israeli left-wing activists hold placards during a 'Peace Now' march calling on Israelis to choose ''another way'' and end the…
تظاهرة لليسار الإسرائيلي للدعوة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

دفع الفشل العربي المزمن في إقامة دول عادلة ذات مؤسسات فاعلة أنظمة القمع العربي لاستخدام العداء ضد إسرائيل كورقة تين لستر عوراتهم. بدأت حفلة التطرف العربي في مؤتمر الخرطوم ـ الذي تلا هزيمة رئيس مصر جمال عبدالناصر في حرب 1967 أمام إسرائيل ـ والمعروف بمؤتمر اللاءات الثلاثة: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".

ثم يوم أعلن الفلسطينيون موافقتهم إقامة دولة لهم على أي جزء من أرض فلسطين، حرّضت أنظمة القمع العربي أزلامها ضد الراحل ياسر عرفات، فتشكلت "جبهة الرفض" من الفصائل الفلسطينية المعارضة لأي سلام مع إسرائيل. أما الدول الراعية لهذه الفصائل فشكّلت بدورها "جبهة الصمود والتصدي"، والتي كان في عضويتها أنظمة القمع من أمثال سوريا الأسد وعراق صدام حسين وليبيا القذافي.

ثم ورث "محور الممانعة"، الذي تقوده إيران الإسلامية، الخطاب الخشبي المتطرف نفسه عن معاداة السلام مع إسرائيل بكل أشكاله، وورث الممانعون العبارات المتهالكة نفسها التي تعكس سبب الفشل العربي، في الحكم كما في التعامل مع موضوع إسرائيل، منها عبارة كتبها القيادي الفلسطيني الراحل، الذي كان مقرّبا من عرفات، صلاح خلف المعروف بأبي أياد، في كتابه "فلسطيني بلا هوية"، وقال فيها: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر".

وحتى نفكك عبارة أبي أياد، علينا أولا أن نبحث في معنى "خيانة"، وهي تعني في الغالب "إخلال في العهد أو الأمانة". مثلا، عبدالناصر والضباط الأحرار أقسموا الولاء لمصر وملكها، لكنهم خانوا قسمهم وخلعوه في 1952. عبدالناصر كان خائنا للملك، لكن مؤيديه لا يعتبرونها خيانة لأنهم يبررون انقلاب الضباط بأسباب كثيرة، منها ظلم الملك، أو فساد حكمه، أو تهاوي اقتصاده، وغيرها. إذن، خيانة عبدالناصر وجهة نظر، إذ يحبذها مؤيدوه، الذين لا يشككون في وطنيته، ولكنها فعليا إخلال بالأمانة التي كانت موكلة إليه وصحبه.

الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع

أما "الخيانة" التي تحدث عنها أبو أياد فتعني مخالفة رأي جبهات الرفض والتصدي والممانعة القائل بوجوب العداء التام والدائم لإسرائيل، ورفض أي سلام أو تطبيع معها. هنا "الخيانة" تفترض أن كل عربي أو مسلم عليه تبني العداء المطلق لإسرائيل، فقط لأنه عربي أو مسلم المولد، فالقبائل على رأي واحد، ومن خرج عن الإجماع، خان. ما يفوت أبي أياد (وهو لم يكن فيلسوفا سياسيا) أن الشعب ليس قبيلة ذات رأي واحد، بل مواطنين يختلفون في آرائهم وخياراتهم وأذواقهم ومصالحهم.

هكذا، برر أبو أياد قمع الرأي المخالف وتخوينه بوضع السلام مع إسرائيل خارج حيّز النقاش، أي أن موضوع العداء لإسرائيل يصبح من "الثوابت"، حسب تعبير الرافضين والمتصدين والممانعين. والثوابت ثابتة، ولا نقاش فيها، بل عقاب لمن يناقشها ويتوصل لنتيجة مخالفة تدعو لسلام مع إسرائيل.

هي فعلا مشكلة أن يطلب المتطرفون من "الرافضين" و"الممانعين" تبني وجهة نظرهم حول العداء الأبدي لإسرائيل بدون نقاش، تحت طائلة التخوين. حتى كتاب المسلمين يقول "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، لكن الممانعين يعتقدون أن معاداة إسرائيل ثابتة أكثر من الإيمان بالله، القابل للنقاش.

في لبنان، حاول مجلس النواب إقرار قانون عفو يسمح بعودة اللبنانيين المقيمين في إسرائيل، وهم من مقاتلي "جيش لبنان الجنوبي" المندثر وعائلاتهم. تنطحت أحزاب الممانعة لرفض عودة من أسمتهم "عملاء" و"خونة".

أن تحاكم السلطات اللبنانية من يقوم بإفشاء أسرار الدولة، المدنية أو العسكرية، إلى دول أجنبية، أمر مفهوم، وهكذا فعلت الولايات المتحدة مع إدوارد سنودن، المختبئ من العدالة في روسيا. لكن من غير المفهوم محاكمة مواطنين عاديين من أفراد عائلات مقاتلي "لبنان الجنوبي". ومن غير المفهوم أيضا لما لا يشمل "العفو العام" لمقاتلي كل الميليشيات اللبنانية المنحلة بعد الحرب الأهلية مقاتلي "الجنوبي". ولا بأس أن تضع دولة لبنان بعض العائدين من إسرائيل تحت رقابة أمنية لمكافحة التجسس. ولكن أن تعامل بيروت مواطنيها كـ "خونة" لأنهم لا يوافقون على معاداة إسرائيل، فهو ما يحول المواطنية إلى قبلية ويقوض أسس العدالة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن آرائهم.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت

في الولايات المتحدة حزب نازي موالي لطاغية ألمانيا الراحل أدولف هتلر، الذي قاتلته أميركا وهزمته. لم تحظر القوانين الأميركية النازية لأن الحظر يتنافى وحرية الرأي والمعتقد. وفي ذروة الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي والحروب السرية الجاسوسية، لم تمنع أميركا يوما مواطنيها من زيارة روسيا، كما لم تمنع أميركا الروس من زيارتها. حتى أن السناتور بيرني ساندرز أمضى شهر العسل في موسكو في ذروة الحرب بين البلدين، واليوم، ما يزال مواطنون أميركيون يزورون إيران، والعكس، على الرغم من انقطاع العلاقات الديبلوماسية والعداء بين واشنطن وطهران. وفي أميركا جحافل من المؤيدين علنا لنظام إيران الاسلامي، وللتوصل لسلام أميركي معه، بلا شروط.

وفي إسرائيل نفسها إسرائيليون ينحازون ضد إسرائيل علنا، من أمثال الكتّاب جدعون ليفي واميرا هاس، وأعضاء الكنيست من أمثال حنين الزعبي، وهو ما يطرح السؤال: من هم العرب الذين يخالفون إجماع "الرفض" و"الممانعة" ويدعون لسلام مع إسرائيل، كما تخالف هاس الغالبية الإسرائيلية؟ وما هي المنظمة العربية الموازية لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية؟ وأين هو اليسار العربي، الموازي لليسار الإسرائيلي، الأكثر ميلا للحوار؟ وكيف يوفّق الشيوعيون العرب بين انخراطهم في صراع قومي قبلي ضد إسرائيل مع عقيدتهم الأممية التي تعتبر الصراع الطبقي عابرا للقوميات؟

قد لا يفهم "الرافضون" و"الممانعون"، كما بعض "الصينيين" و"الإيرانيين" و"الروس" ومؤيدي الاستبداد، أن تفوق الولايات المتحدة في العالم، وتفوق إسرائيل في الشرق الأوسط، ليس تفوقا ماديا، بل هو تفوق مبني على حرية الرأي والاختيار والمعتقد. الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع، وتقدم ثقافة للمواطنين لاختيار السياسات التي يرونها في مصلحتهم، واختيار السياسيين ممن يعتقدونهم قادرين على تنفيذ هذه السياسات.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت.