الليبرالية هي اتجاه الحرية/ التحرر في زمان ما ومكان ما
الليبرالية هي اتجاه الحرية/ التحرر في زمان ما ومكان ما

بقلم محمد المحمود/

أثار حديثي في آخر المقال السابق عن "الليبرالية الإسلامية" ردود فعل متباينة من كلا الاتجاهين/ التيارين المتعارضين: الإسلامي من جهة، والمدني/ العلماني/ الليبرالي من جهة أخرى.

الأول يرى في الليبرالية أيديولوجيا مكتملة الأركان، مصادمة للدين ضرورة، بل مصادمة لكل مسارات التدين، وأن الجمع بينهما هو من باب الجمع بين المتناقضات/ المتعارضات الضدية، ولهذا فهو عين المستحيل.

وفي المقابل، يرى التيار الثاني أن هذا التوصيف الذي يطبع الليبرالية بالإسلام، أو يطبع الإسلام بالليبرالية؛ ما هو إلا جزء من خطاب الأسلمة السائد منذ منتصف القرن العشرين في العالم الإسلامي، على طريقة: الاشتراكية الإسلامية، وعلم النفس الإسلامي... إلخ، وأن الإسلام عقائد وقواعد وقيود ومحرمات، بينما الليبرالية حرية وانطلاق، وبالتالي لا يجتمعان أبدا؛ لأن الجمع بينهما يعني تقييد الليبرالية بمرجعية ما؛ وهي التي تستعصي ـ بطبيعتها ـ على كل القيود، أو تحرير الإسلام من محتواه؛ فيصبح الإسلام ليس هو الإسلام المعهود.

يلاحظ هنا أن كلا الموقفين يجمعهما تصور واحد عن الليبرالية؛ على الرغم من تخاصمهما المعلن. إذا كان الإسلام يمكن حده ـ نسبيا ـ بحدود عقائدية وإرشادات معاملاتية، ومن ثم لا يمكن الاختلاف على اشتراطاته الأساسية كثيرا عند كلا الفريقين، ما يعني أنه تصور ـ فيما يخص الإسلام ـ يقترب من الصحة، فإن تصورهما عن الليبرالية مغلوط من حيث هو تصور يضعها في خانة السرديات الناجزة المكتملة؛ بينما هي حركة أو اتجاه في التاريخ.

بما أن الأصوليات في جوهر بنيتها ووظائفها لا تختلف فلن تختلف الأصولية الليبرالية عن الأصولية الدينية

​​وإذا كان من المفهوم أن يكون تصور الإسلامي التقليدي لليبرالية على هذا النحو؛ لأنه لا يستطيع فهمهما إلا في نموذجه الإدراكي/ المعرفي الذي يستمده من نموذج تاريخ الفرق والمذاهب؛ فيتصورها مذهبا مكتمل الأركان والقواعد، فإن الغريب هو موقف المدني/ العلماني/ الليبرالي الذي يريد أن يفرض تصورا محددا/ ناجزا على مستوى الأطروحة النظرية، كما على مستوى الممارسة العملية؛ فيضع المعايير القارة/ الثابتة والمحايدة، لتلك الليبرالية التي يتصور أنها هي الليبرالية؛ ولا ليبرالية سواها؛ فمن دخل فيها فهو مؤمن بـ "الليبرالية الصحيحة"، ومن خرج عليها بـ (هرطقة ما!)، فهو كافر بالليبرالية؛ مهما توسل مبادئها العامة من حيث هي انفتاح تحرري. وعليه ـ كي يعترف به كليبرالي ملتزم! ـ أن يعود إلى "الدين الليبرالي الصحيح!".

اقرأ للكاتب أيضا: التطرف الديني وجذور الإرهاب

حتى لا تلتبس الأمور في هذا السياق؛ أؤكد أن الليبرالية الإسلامية التي أتحدث عنها هي التي تأخذ من الإسلام ثوابته وكلياته ومقاصده، وتنطلق ـ من ثم - في الفضاء الليبرالي الفسيح، مجترحة من هذا وذاك حضورها الخاص. كما أؤكد أن مصطلح "الليبرالية الإسلامية" صحيح من حيث أصل الإجراء؛ لأن الليبرالية ـ بمرونتها ونسبياتها ـ قادرة على احتضان المبادئ العامة للإسلام. كما أن الإسلام ـ من جهة أخرى ـ واسع ومتعدد القراءات، بل هو ـ كما تجلى في التاريخ ـ إسلامات متنوعة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

إن "الليبرالية الإسلامية" لا تعني ـ في تصوري ـ أكثر من تفسير الإسلام بأقصى ما تحتمله لغة نصوصه الأصلية، ومقاصده العامة، من آفاق الحرية/ التحرر التي تؤكد حرية الإنسان من حيث هو كائن فردي الوجود، لا يتحقق واقعيا إلا كفرد حر. وأما كون الإسلام لا يخلو من قيود ومحرمات، فكل ليبرالية تموضعت في الواقع لم يكن تموضعها إلا في قوانين وأنظمة؛ وفقا لثقافة المجتمع الذي تتموضع فيه؛ حتى وهي تشد نفسها للتحرر من بعض تلك القيود المتمثلة ـ واقعيا ـ في الأنظمة والقوانين.

إننا نحن من يحدد طبيعة الإسلام الذي نتمثله. بإمكاننا أن نستخرج منه إسلاما خاصا منغلقا معاديا للحريات، بل ومعاديا للعالم أجمع، كما بإمكاننا ـ وبمبررات تأويلية أقوى ـ أن نستخرج منه إسلاما منفتحا معززا للحريات ومتصالحا مع العالم، بل ومتفاعلا ـ بإيجابية ـ مع أهم مسارات التحرر الإنساني على مستوى العالم أجمع.

لا أعتقد أن المسألة هنا غامضة أو معقدة أو ملتبسة. ومع هذا، أقول بعبارة أوضح: داخل الإسلام توجد خيارات كثيرة، إذا أنت اخترت ما يتقارب مع المبادئ الليبرالية العامة، فهذا يعني أنك تسير بالإسلام في مسار ليبرالي، أو تسير بالليبرالية في مسار إسلامي. أما القطعيات، فهي موجودة في كل دين وفي كل ثقافة مدنية (وهي هنا قد تنافس أصول العقائد الدينية في درجة القداسة!)، ومع هذا؛ استطاعت الليبرالية أن تحتضنها بمرونتها وبانتقائها لأفضل خياراتها التأويلية التي تحقق حرية الإنسان، ومن ثم خيْريّة الإنسان.

يزيد من فرصة التفاعل الإيجابي بين الليبرالية والإسلام، أنه إذا تقرر أن الإسلام إسلامات/ تأويلات، فكذلك الليبرالية بطبيعتها ليبراليات، بل الليبرالية ـ ولغياب السرديات المؤسسة ـ أشد تنوعا وأكثر تعددا. الليبرالية تختلف باختلاف الفرد، وليس باختلاف المنطقة الواحدة أو القطر الواحد فحسب، فضلا عن اختلاف داخل التيار الليبرالي الواحد. لكن، وفي كل الأحوال، يجمعها هؤلاء المختلفين الوفاء للمبادئ الليبرالية العامة، وهي مبادئ مرنة، وذات طابع عمومي يستعصي على التحديد.

يزيد من فرصة التفاعل الإيجابي بين الليبرالية والإسلام، أنه إذا تقرر أن الإسلام إسلامات/ تأويلات، فكذلك الليبرالية بطبيعتها ليبراليات

​​يمنح كثيرون مصطلح "الليبرالية الإسلامية" موافقة مشروطة لكونه يحيل إلى مفهوم يحاول التناسب مع الواقع/ المرحلة. أي يقبلون بهذا التوصيف؛ إذا كان خضوعا للظروف المكانية والزمانية التي يختص بها العالم الإسلامي اليوم، أو الجزء الأكبر منه، منتظرين ذلك اليوم الذي تسمح فيه ظروف التطور بتطبيق "الليبرالية الصحيحة". وهذا بلا شك تفاعل مع المصطلح يشي بغياب تصور واقعي لليبرالية؛ كنظرية وكممارسة. بمعنى أنني إذا جعلت "الليبرالية الإسلامية" مجرد مرحلة للوصول ـ فيما بعد تطور ما/ تقدم ما ـ إلى "الليبرالية الصحيحة" فهذا يدل على أنني أمتلك سردية نظرية/عقائدية مكتملة أو شبه مكتملة لما هي الليبرالية، وأنني أتغياها في الأمد البعيد تنظيرا وتطبيقا. وأكثر من هذا، يدل هذا التصور على أن ثمة ممارسة ليبرالية نموذجية مكتملة تقترب أن تكون معيارا، وأن على التجارب الليبرالية الأخرى أن تقاربها بصورة أو بأخرى لتكون ليبرالية بحق، فلا ترتكب "ناقضا من نواقض الليبرالية" الذي يقضي بخروجها من الملة الليبرالية ومفارقتها جماعة الليبراليين!

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة بين الحجاب والنقاب

طبعا، أتعمد هنا أن يظهر من أسلوبي محاولة التناص من السرديات العقائدية؛ كي يتضح لنا خطورة التصور العقائدي لليبرالية؛ وأن من يريد أن يأخذها كعقيدة مكتملة؛ فسيصبح "أصوليا ليبراليا" حتى قبل أن يبدأ. بما أن الأصوليات في جوهر بنيتها ووظائفها لا تختلف (حتى وإن اختلفت المضامين كثيرا وكثيرا)، فلن تختلف الأصولية الليبرالية عن الأصولية الدينية. وهذا يعني أننا إن أردنا الانتقال حقيقة من واقع إلى واقع آخر مغاير؛ فعلينا أن ننتقل من وعي إلى وعي آخر مختلف في بُيْنته؛ وإلا فسنبقى "أصوليين" حتى ونحن نلعن الأصولية والأصوليين.

خلاصة المسألة أن الليبرالية هي اتجاه الحرية/ التحرر في زمان ما، ومكان ما. وبما أن الزمان والمكان هما ظرفا الثقافة التي تتجسد في واقع اجتماعي/ في بشر هم وقائع ثقافية، فإن هذا التوجه مشروط به. والدارسون للمجتمعات العربية والإسلامية الآتون من عمق الثقافة الغربية الليبرالية يتناولون هذا الأمر بوضوح تام في حديثهم عن المجتمعات الإسلامية التي يدرسونها أو يتحدثون عنها إعلاميا. لهذا، تجدهم ـ مثلا ـ يصفون الرئيس الإيراني الأسبق/ محمد خاتمي بأنه هو ممثل التيار الليبرالي في التجاذبات السياسية الإيرانية على مستوى المتاح سياسيا؛ مع أن خاتمي في النهاية شيخ دين معمم. لقد استحق خاتمي هذا التوصيف لأنه يمثل "اتجاه الانفتاح والتحرر"؛ مقابل الاتجاهات المحافظة الانغلاقية؛ مع أن خاتمي لو وضعته في سياق مكاني/ زماني آخر؛ لم يكن ليبراليا بحال. وقس على هذا المثال كل مثال يتشابه معه في سياقه، وليس في اشتراطات الظرف الزماني/ المكاني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟