الرئيس الأميركي مستقبلا الرئيس الفرنسي
الرئيس الأميركي مستقبلا الرئيس الفرنسي

بقلم روبرت ساتلوف/

خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى واشنطن في الأسبوع الماضي، أرسل الرئيس ترامب إشارات متضاربة حول مستقبل الاتفاق النووي مع إيران. فقد وصف الاتفاق بـ"الجنوني" و"التافه"، لكنه قال إن واشنطن قد تتوصل إلى تفاهم جديد مع باريس والعواصم الأوروبية الأخرى "بسرعة كبيرة"، وإنه ملتزم بـ"المرونة".

وإذا أخذت هذه التصرفات معا، فإنها تعكس الشخصية الكلاسيكية لترامب. فهو يتفاخر بإثارة حيرة الحلفاء والخصوم على السواء حول خطوته التالية. ويبقى من غير المعلوم ما إذا كان ترامب سيلغي اتفاقا سخر منه منذ فترة طويلة ووصفه بأنه أسوأ صفقة تم التفاوض بشأنها على الإطلاق ـ غير أن ما كشفته إسرائيل مؤخرا عن أرشيف إيران النووي السري سيعزز بالتأكيد الحجج الداعية إلى "إلغاء الاتفاق".

ولكن إذا قرر الرئيس الأميركي سحب الولايات المتحدة من الاتفاق واكتفى بسرد ما يشوبه من عيوب، فلن يحظى حتى بتهليل منتقدي الاتفاق (بمن فيهم كاتب هذه السطور). إذ لا يوفر الانسحاب وحده نهجا بديلا لمنع إيران من امتلاك قدرات لإنتاج أسلحة نووية. كما أن الانسحاب وحده لا يفسر كيف سترد الولايات المتحدة على ردود فعل الأصدقاء والخصوم، بمن فيهم إيران. بالإضافة إلى ذلك، لا يوفر الانسحاب وحده دليلا على الأهداف العامة للإدارة الأميركية تجاه إيران والسياسات اللازمة لتحقيقها.

التفاوض على اتفاق أكثر أهمية لا يقوم فقط بإصلاح العيوب في الاتفاق القديم، بل يتناول الأنشطة الإقليمية الإيرانية الخبيثة

​​بعبارة أخرى، يشكل الانسحاب من الاتفاق خطوة وليس استراتيجية. ونحن بحاجة إلى استراتيجية للتعامل مع إيران.

وإذا قرر الرئيس الأميركي الانسحاب من الصفقة النووية، ستتبلور أربعة خيارات رئيسية حول الاستراتيجية تجاه إيران:

التفاوض على اتفاق أفضل يقوم بتصحيح عيوب الاتفاق الأصلي من خلال تضمين قيود دائمة على التخصيب، وفرض حظر على تطوير الصواريخ الباليستية واعتماد نظام تفتيش اقتحامي أكثر من الحالي. وقد يتطلب ذلك ورقة ضغط تجبر إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، ويشمل ذلك إعادة فرض العقوبات التي وضعتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة، وربما فرض غرامات ثانوية على الدول التي لا تقلص مشترياتها من النفط الإيراني إلى مستويات منخفضة بما فيه الكفاية.

وعلى خلاف مناورة الرئيس أوباما التي سعت إلى عرض الاتفاق الإيراني على أنه "اتفاق تنفيذي"، يتعين على الرئيس ترامب أن يعد بتقديم أي اتفاق إلى مجلس الشيوخ على أنه معاهدة، الأمر الذي سيعزز الضغط على الشركاء الأوروبيين للولايات المتحدة كي يساعدوا على التوصل إلى اتفاق يستأهل عدد الأصوات المطلوبة بموجب الدستور، أي 67 صوتا.

التفاوض على اتفاق أكثر أهمية لا يقوم فقط بإصلاح العيوب في الاتفاق القديم، بل يتناول الأنشطة الإقليمية الإيرانية الخبيثة أيضا. وفي هذا الصدد، أدى دعم طهران للإرهاب والتخريب والميليشيات الشيعية في سورية والعراق إلى تغيير الوضع الأمني في المنطقة، ما أثار قلق العرب والإسرائيليين على حد سواء. إن التوصل إلى اتفاق أكثر طموحا سيكون أكثر تعقيدا، إلا أن النجاح سيشكل تأكيدا مثيرا للقيادة الأميركية ولبراعة الرئيس ترامب في إبرام الصفقات.

إطلاق سياسة تسعى إلى تغيير النظام. قد يأتي هذا النهج الجريء نتيجة تقييم يبرز فيه فساد النظام في طهران، بحيث لن ينفع معه أي اتفاق. ويمكن للرئيس الأميركي أن يجادل بأن سعي إيران للسيادة الإقليمية يشكل خطرا واضحا وشاملا على المصالح الأميركية. وبطبيعة الحال، قد تأخذ الجهود الرامية إلى إحداث تغيير في النظام أشكالا عديدة، مع استبعاد احتمال قيام مواجهة عسكرية. لكن من شأن تحديد الهدف فقط أن يرسم مسارا جديدا للانخراط الأميركي في الشرق الأوسط.

تنفيذ استراتيجية الانكماش في الشرق الأوسط تقلص بموجبها الولايات المتحدة تعرضها للمشاكل الخطيرة والمستعصية في المنطقة. وربما كان أوباما قد صمم الاتفاق النووي كأداة لانتشال أميركا من مستنقع الشرق الأوسط، لكن قد يجادل ترامب بأن الولايات المتحدة ما زالت عالقة هناك كما كان الحال دائما. ويمكن أن يتصور المرء قيام الرئيس الأميركي بإعطاء تصريح يقول فيه، "دعونا لا نكون ملزمين مثل غوليفر باتفاق مرهق يبقينا مقيدين بإيران لسنوات قادمة (غوليفر شخصية خيالية لرجل يجد نفسه دون حول ولا قوة وسط أشخاص متناهي الصغر)"، مضيفا "دعونا نتمتع بحرية اختيار المكان والزمان المناسبين للتصرف".

وفي هذا السيناريو، ستواصل الولايات المتحدة تقديم (أو، حتى أفضل من ذلك، بيع) الأسلحة إلى حلفائها المحليين لكي يتمكنوا من مواجهة إيران ووكلائها. ويمكن للرئيس الأميركي أن يربط الانسحاب من الاتفاق النووي بعقيدة الردع الجديدة التي تنص على ما يلي: أي دليل على قيام إيران بتخصيب المواد الانشطارية إلى درجة تتخطى مستوى معينا من شأنه أن يؤدي إلى قيام الولايات المتحدة بعملية عسكرية ضخمة تهدف إلى إنهاء النظام.

إذا اختار ترامب الانسحاب من الاتفاق، فستتمثل الخطوة الصحيحة في شمل هذا القرار في استراتيجية جديدة تهدف إلى التوصل إلى اتفاق أفضل

​​وعلى الرغم من أن هذه الخيارات تطال طيف السياسات، إلا أنه ليس من الصعب تصور تأييد ترامب لأي منها. وهذا خير دليل على غياب التماسك الاستراتيجي في الإدارة الأميركية في ما يتعلق بإيران والشرق الأوسط على نطاق أوسع.

وإذا اختار الرئيس الأميركي الانسحاب من الاتفاق، فستتمثل الخطوة الصحيحة في شمل هذا القرار في استراتيجية جديدة تهدف إلى التوصل إلى اتفاق أفضل. وستؤدي هذه المقاربة إلى تقليل المتاعب بين أصدقاء الولايات المتحدة في أوروبا، حيث يشارك بعضهم قلق واشنطن بشأن عيوب الاتفاق الحالي، كما أنها تتمتع بفرصة أفضل للنجاح.

إلا أن هذا ليس كافيا. يتعين على الرئيس الأميركي أن يعزز سياسة تتمثل بالتوصل إلى "اتفاق أفضل" يضم العناصر الأساسية للخيارين الثاني والثالث، من دون تحمل التكلفة السياسية لتبني تلك المسارات الأكثر تطرفا بشكل علني وكامل. يجب أن يتضمن ذلك اعتماد تدابير أكثر فعالية وأكثر حزما لمواجهة سلوك إيران المزعزع للاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فضلا عن اتخاذ مبادرات جديدة ـ في مجال حقوق الإنسان والحرية الدينية والوصول إلى شبكة الإنترنت، على سبيل المثال ـ تضع أميركا بشكل مباشر إلى جانب الإيرانيين الذين يناضلون من أجل الحرية. وقد تشكل هذه المقترحات مجتمعة سياسة حقيقية تجاه إيران ـ هي الأولى منذ عقود ـ وليس مجرد سياسة نووية تجاه إيران.

وهناك خطوة خاطئة أيضا، وهي رد الفعل البغيض المتمثل بالانسحاب من المنطقة خلف جدار من التهديد والتوعد. ففي نهاية المطاف، لا يقوم الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط على الغيرية. فإلى جانب دعم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، يكمن الهدف الأناني لواشنطن في حل المشاكل هناك قبل أن يتم تصديرها إلى الولايات المتحدة.

لنأمل أن يستمد الرئيس الأميركي قراره بشأن الاتفاق النووي من خيار استراتيجي سليم ومعقول تجاه إيران، وليس من حافز انعزالي مضلل أو من عدائية متأصلة تجاه الإنجاز الذي حققه سلفه.

روبرت ساتلوف هو المدير التنفيذي لمعهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

(FILES) In this file photo taken on April 19, 2020, an Egyptian doctor wearing two protective masks checks a patient's lung X…

أزعجني بشدة ما قرأته في صحيفة الدستور من اتهام للدكتورة نانسي النفيلي بالانضمام لجماعة إرهابية. د. نانسي هي حماة الدكتور وليد يحيى، الذي توفي بسبب إصابته بفيروس كورونا منذ أيام. وقد جاء الاتهام على خلفية تعليق كتبته على موقع فيسبوك معبرة عن غضبها من التقصير في علاجه وفي توافر أدوات الوقاية الشخصية في المستشفيات.

فقد كتبت "كلكم قصرتم كلكم قتلتموه. وليد جوز بنتي كان شاب زي الفل، أب لطفل عمره خمس شهور نازل شغله الأحد اللي فات فيندفن النهاردة (الاثنين 25 مايو 2020).. أبسط وسائل حماية الطبيب في المستشفى ترمومتر زي اللي موجود في المطارات... والله سخن ما يشتغلش... مين اللي هيطلع يعمل تلاتين حلقة ويصرف مليارات على دور وليد والجيش الأبيض. أقسم بالله لاختصمنكم يوم القيامة أنا وحفيدي اللي يتمتوه".

وقد أصيب الدكتور وليد بالمرض أثناء عمله في مستشفى المنيرة بالقاهرة وتدهورت حالته سريعا قبل أن يتوفاه الله. ومن العجيب أن صحيفة الدستور قد اعتبرت هذا التعليق البسيط والعادي بمثابة وثيقة إدانة لتهمة في منتهى الخطورة، على حد وصف عنوان المقال والذي جاء فيه: "وثيقة تكشف انتماء نانسي النفيلي حماة الطبيب المتوفي لـ "الإرهابية"

والحقيقة أن المقال لا يفتقر فقط إلى الحد الأدنى من مهنية الصحافة من تدقيق للمعلومات وعدم قذف الناس بتهم باطلة، ولكنه لم يراع حتى أبسط قواعد الذوق والإنسانية، حيث قام بالهجوم على إنسانة تمر بحالة نفسية قاسية نتيجة لصدمتها في وفاة زوج ابنتها الشاب الثلاثيني، فضلا عن حالتها الصحية المتأزمة بسبب إصابتها هي شخصيا بفيروس كورونا.

التعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء

للأسف هذا المقال لم يكن الوحيد الذي هاجم الذين تحدثوا عن نقص الإمكانيات المتاحة للأطقم الطبية في مواجهة الوباء. فيبدو أن نغمة تخوين المعارضين لسياسات التعامل مع كورونا تتزايد بوضوح في الأيام الأخيرة. فالرسالة واضحة، عليك أن تمدح كل ما يحدث، وإلا فأنت خائن وعميل!

البعض اتهم الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والمنسقة العام لحركة أطباء بلا حقوق، بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين بسبب فيديو لها على موقع فيسبوك، طالبت فيه بتوفير أدوات الوقاية الشخصية اللازمة لحماية الأطباء مثل الكمامات الوقائية، وتعديل بروتوكول إجراء تحاليل كورونا للأطقم الطبية، وسط مطالب أخرى للأطباء لمواجهة الأزمة.

ورغم عدم معقولية الاتهام وعبثيته خصوصا وأن مينا مسيحية الديانة، إلا أن البعض قرر أن يتجاهل الحد الأدنى من المنطق في الحوار. ويتفرغ للهجوم على المعترضين واستهداف شخوصهم والتشهير بهم باعتبارهم خونة يتركون ساحة المعركة ويهربون. فقد قام أحد المحامين بتقديم بلاغ ضدها وكتب في نصه: "اختارت أن تحبط جيش مصر الأبيض من خلال الهجوم عليهم وعلى القطاع الصحي في مصر من خلال القنوات المعادية للدولة المصرية".

البروتوكول الحالي يشترط شرطين لإجراء التحليل، وهما ظهور الأعراض ومخالطة حالة إيجابية. وحيث أنه من الممكن أن يكون الشخص حاملا للفيروس ولا تظهر عليه الأعراض على الإطلاق أو تظهر عليه بعد عدة أيام. فقد يؤدي ذلك إلى عدم اكتشاف الحالات المصابة أو على الأقل التأخر في اكتشافها، والذي بدوره يؤدي إلى مزيد من الانتشار للمرض، خصوصا لو كان حامل المرض طبيبا يتعامل مع العشرات أو المئات يوميا.

وربما يفسر نقص عدد الاختبارات والعقبات العديدة لإجرائها ارتفاع نسبة الوفيات في مصر، التي تزيد عن 4 في المة من إجمالي عدد المصابين، بحسب الأرقام الرسمية. فالاكتشاف المُتأخر للمرض يؤدي إلى فرص أقل في التعافي وبالتالي زيادة الوفيات. فضلا عن أن الأرقام المعلنة للإصابات والوفيات هي أقل بكثير من الأرقام الحقيقية نظرا لسياسة تحجيم إجراء الاختبارات، فمصر أجرت حتى الآن 135 ألف اختبار في بلد يزيد سكانه عن المئة مليون، بمعدل 1322 اختبار لكل مليون مواطن وهو معدل ضئيل جدا.

يستحق الأطباء منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب

والحقيقة أن آخر ما تحتاجه مصر في ظل وباء شرس يهدد حياة الجميع سواء من كان معارضا للنظام أو مؤيدا له هو تحويل نقاش حول نقص الإمكانيات الطبية وسياسات التعامل مع كورونا إلى نقاش حول الوطنية والخيانة والاتهامات بالانضمام للجماعات الإرهابية. فنحن نتعامل مع فيروس يمكن أن يصيب ويقتل دون تفرقة، والتعامل مع الأزمة بهذا المنطق الفاشي على طريقة تأجيج الاستقطاب وتخوين المعارضة قد يتسبب في انهيار المنظومة الصحية وموت آلاف الأبرياء، نظرا لعدم تدارك الأخطاء.

فحتى كتابة هذا المقال توفى أكثر من 20 طبيبا بسبب فيروس كورونا وأصيب أكثر من 350 بحسب الأرقام المعلنة، فضلا عن الإصابات والوفيات وسط الأطقم الطبية من تمريض وإداريين وفنيين وعمال، الذين كثيرا ما يتم تجاهلهم وتجاهل دورهم.

كل فرد من هؤلاء لديه أهل وأصدقاء، يذهب كل يوم إلى عمله وهو يعرف أنه قد يُصاب بمرض لم يجد له العلم علاجا بعد، ويدرك أنه قد يتسبب أيضا في عدوى أو حتى وفاة أقرب الناس لقلبه، لا قدر الله، عندما يعود إلى منزله.

هؤلاء بكل ما يقدمونه من تضحيات ومخاطرة بحياتهم يستحقون منّا كل تقدير واحترام ويستحقون أن نستمع لشكواهم ومشاكلهم بأقصى درجة ممكنة من الاهتمام، لا أن نتهمهم بالخيانة وعدم الوطنية والإرهاب. فحتى لو كنت لا تقبل هذه الفكرة من منطلق العرفان بالجميل، فلتتقبلها من منطلق المصلحة الشخصية، فلو سقط هؤلاء سنهلك جميعا، فهم حائط الصد الأخير بيننا وبين الانتشار الواسع للوباء.