في عفرين شمال سورية
في عفرين شمال سورية

بقلم عبد الحفيظ شرف/

مصطلح شيزوفرنيا هو ما يعرف بـ"الفصام" وهو اضطراب انفصال يؤثر على قدرة الفرد على التفكير والشعور والتصرف بوضوح. أما "شيزوفرنيا المجتمع" فهو مصطلح اجتماعي لتقريب المعنى بحيث يصير القول والفعل في معزل عن إدراك الواقع الحسي للعقل الجمعي في مجتمع ما. فتسمع كلاما جميلا وشعارات براقة ولكن لا ترى تطبيقا لها على أرض الواقع، أو أنك ترى الشواهد الحسية واضحة المعالم لكن المتلقي يتلقاها بشكل مختلف تماما ومعاكس في كثير من الأحيان للحقيقة المتمثلة على أرض الواقع.

كل مطلع منصف يعلم أن العالم العربي يعيش واحدا من أسوأ العصور وهو ما أحب أن أسميه عصر الظلام تفاؤلا بالفترة الأوروبية المعروفة والتي تلاها عصر النهضة. في هذا العصر يعيش العالم العربي عددا من الإشكالات والمآسي ما يكفي لتدمير المنطقة بأسرها، لكن تتفاجأ أن الكثير من أبناء الشارع العربي غير واعين لهذا الحال السيء بل على العكس تجدهم يرسمون لك واقعا جميلا ويرفعون شعارات براقة ويعيشون حلما ورديا منفصلين عن الواقع أو ينكرون الواقع السيء.

تسمع المثقف العربي يتحدث عن المرأة ودورها في المجتمع فتسعد لكلامه ثم إذا ما نظرت إلى حاله تجده يمنع زوجته أو ابنته من العمل

​​سأضرب عددا من الأمثلة عن الـ "شيزوفرنيا" التي يعيشها المجتمع العربي؛ كلنا يدرك تراجعنا الثقافي والعلمي ومع ذلك تجد أن الكثيرين مؤمنين بأن أفضل علماء الأرض والفيزياء والكيمياء والطب هم من العرب وتجدهم يضربون المثل بعالم عربي متميز وغالبا ما يعيش هذا العالم في الغرب. ما يذكرونه صحيح، لكنه حالة فردية تهيأت له ظروف مساعدة في الغرب وهذا لا يعبر عن مجتمع أو عن أمة بل على العكس تماما لو عاش هذا العالم في عواصمنا العربية لدفن تحت ركام الجهل والتخلف.

اقرأ للكاتب أيضا: الائتلاف الوطني السوري على فراش الموت

ترى وتسمع للكثير من المشايخ وعلماء الدين، وهم أكثر من يعلن الآراء السياسية ويطلب من المجتمع تأييد سياسيات معينة تحت مظلة دينية أو لتأييد الحاكم الظالم الجائر أو بعض الجماعات المتشددة. ثم تستمع إلى خطبهم ودروسهم الدينية فتجد أغلبها يتحدث عن علاقة الرجل بالمرأة أو الطهارة أو عن الغيبيات. فيظهر من فكلامهم وخطبهم مدى الانفصام عن الواقع الذي نعيشه إذ لا تعكس على الخطب خطورة الموقف الحالي في بلادنا العربية.

أما المواطن العربي المسلم فتجده يشتم الغرب الكافر ويعتبره أعداء الأمة والدين ويحدثك عن مآسي العرب التي يعتقد أن الغرب تسبب بها، ثم تجده يعمل جاهدا للهجرة إلى إحدى دول هذا الغرب الذي كان يشتمه قبل لحظات.

ترى السائق في الشارع يتحدث عن النظام والتوقف عند الإشارة الحمراء واحترام المركبات الأخرى ويشتم من يخطئ أو من تجاوزه بطريقة غير صحيحة وبعد دقائق معدودة تراه يتنقل بين مسارات الطريق بدون إشارة ولا يلتزم بتعليمات الطريق.

تسمع المثقف العربي يتحدث عن المرأة ودورها في المجتمع فتسعد لكلامه ثم إذا ما نظرت إلى حاله تجده يمنع زوجته أو ابنته عن العمل بل يختار لهن تخصص دراسي معين ملائم لما يراه هو مناسبا للمرأة. وتسمع صفوة المجتمع يتكلمون عن تسهيل الزواج للشباب وتيسير المهور ثم تراه يطالب بمبالغ طائلة كمهر لابنته ونسي أو تناسى كل ما كان يدعو هو إليه.

أكثر ما يثير استغرابي هو حديث الشارع العربي عن أهمية الوحدة ثم تجد أغلب ممارسات هذا الشارع تزيد من تمزيق الممزق

​​يتحدث شيخ السلطان عن قيم الرحمة والمحبة والإنسانية بتأثر شديد وتدمع عيناه فتطرب أذنك لهذا الكلام الراقي ولهذا القلب الصافي المليء بالعواطف ثم تراه يناقض كل كلمة قالها بتأييد مجرمي الحرب والقتلة من الحكام والدكتاتوريات ويشرع لهم الدماء ويعتبر هذا الإجرام حفاظا على الوطن ودفاعا عن الأمة ويطالب المجتمع بتأييد الحاكم الظالم ويفتي بعشرات الفتاوي مؤيدا لمجرم حرب كما هو الحال في سورية مثلا.

اقرأ للكاتب أيضا: رسالة إلى الأمير الشاب محمد بن سلمان

وأكثر ما يثير استغرابي هو حديث الشارع العربي عن أهمية الوحدة وأن في الاتحاد قوة ثم تجد أغلب ممارسات هذا الشارع تزيد من تمزيق الممزق وتفتيت المفتت.

جلست قبل فترة مع أحد المؤيدين لما يسمى بمحور المقاومة والممانعة وبدأ يحدثني عن إجرام اسرائيل وصدمني بعد أيام قليلة عندما رأيته يدافع بكل شراسة عن مجرم الحرب بشار الأسد، الذي قتل مئات آلاف الشباب وعشرات آلاف الأطفال والنساء واستخدم الكيميائي ضد شعبه. سألته ألا تشعر بالتناقض والنفاق؟ بدأ بالتبرير للأسد وما يقوم به وأن هذا القتل الذي يرتكبه هو لمصلحة سورية والمنطقة كلها. فقلت له: إذن وبكل بساط إسرائيل تقوم بما يمثل مصلحتها. عندها انقلب علي وبدأ يتهمني بالتبرير لجرائم القتل فقلت له أنني لا أبرر أي جريمة، لكنه يفعل، وما طرحته عليه هو للإضاءة على التناقض الذي يعيشه.

بعد كل هذه الشواهد التي ذكرتها، ولا بد أنك عشت ورأيت أضعافها، لكنك ربما لم تلق لها بالا. أتمنى عليك أن ترفض كل هذا التناقض وكل هذه الـ "شيزوفرنيا" التي نعيشها حتى نبدأ بالعلاج؛ وأول العلاج هو الاعتراف بالمشكلة وتقبلها لنتمكن من الانتقال إلى الحل وتجاوز المشكلة بعد ذلك، ولكن إذا بقينا كما نحن اليوم نطمس رؤوسنا في الرمال فلن يتغير شيء بالمطلق.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟