خلال الانتخابات التجريبية في نهاية نيسان/أبريل، تحضيرا للانتخابات العامة
خلال الانتخابات التجريبية في نهاية نيسان/أبريل، تحضيرا للانتخابات العامة

بقلم نضال منصور/

في عام 2005 وبعد إسقاط نظام الرئيس صدام حسين في العراق أقدم أردني على تنفيذ عملية انتحارية في مدينة الحلة تسببت في سقوط الكثير من الضحايا.

أحدث هذا التفجير أزمة سياسية في العلاقات الأردنية العراقية، ونفذ متظاهرون عراقيون وقفة أمام السفارة الأردنية في بغداد، وما زاد الأزمة احتفال أقامته عائلة الانتحاري بمدينة السلط وزعوا خلاله الحلوى واصفين ابنهم بالشهيد، ونشرت وسائل إعلام أردنية أخبارا عن الاحتفال.

الأزمة لم تطوق والغضب العراقي لم يتوقف، وإنما تصاعدت الانتقادات للأردن في وسائل الاعلام العراقية.

تنبه مركز حماية وحرية الصحفيين، وهو مؤسسة مجتمع مدني تعمل في العالم العربي ومقرها عمان، لمخاطر الأزمة والشرخ الكبير الذي قد تحدثه سياسيا ورسميا وإعلاميا وشعبيا، لهذا أقترح على الديوان الملكي الأردني المبادرة لتنظيم ملتقى إعلامي "أردني عراقي" يكون فرصة لحوار مباشر بين الصحافيين وتجسيرا للتواصل وإسماع الإعلاميين العراقيين الموقف الأردني على حقيقته.

وبصفتي رئيسا تنفيذيا لمركز حماية وحرية الصحفيين لم أتأخر؛ باشرت على الفور بالتواصل مع كل مدراء ورؤساء تحرير وسائل الإعلام العراقية، وبعد أيام كان 22 إعلاميا عراقيا بارزا في عمان، وعقدنا ملتقى للحوار بين الصحافيين في البحر الميت. والتقى الوفد الإعلامي العراقي الضيف مع الملك عبدالله الثاني وتناولوا معه الغداء، وقابلوا أيضا رئيس الحكومة ورئيسا مجلس النواب والأعيان.

باختصار حققت المبادرة أهدافها وطوقت الخلاف وتوضح بجلاء الموقف الأردني الداعم للعراق، والرافض للإرهاب الذي يستهدفه.

ينظر الحكيم ويروج لـ"النصر العراقي" على داعش وعلى الطائفية والحفاظ على وحدة العراق

​​كان الملتقى الإعلامي فرصة للقاء قيادي إعلامي ينضوي تحت مظلة "المجلس الأعلى الإسلامي" بقيادة عمار الحكيم حينها، وخلال عشاء بحضور الزميل أمجد العضايلة مدير الإعلام الأسبق في الديوان الملكي سألنا ضيفنا لماذا لا يزور عمار الحكيم الأردن؟

كانت هذه نقطة البداية لأول زيارة للزعيم الديني والسياسي عمار الحكيم للأردن في عام 2005 ولقائه مع الملك عبدالله الثاني، وكانت هذه الزيارة أول فرصة لي للقاء مع "سماحة السيد" كما يطلق عليه في العراق.

اقرأ للكاتب أيضا: بغداد تهزم الموت والإرهاب وتبشر بعراق جديد بعد الانتخابات

كنا على العشاء مع عمار الحكيم بدعوة من الديوان الملكي، ولم يزد عدد الحضور على أصابع اليدين. كان الحضور قبل اللقاء متحفظا فهو رجل دين بعمامة سوداء، وبالتأكيد سيضفي ذلك صرامة وطقوسا وبروتكولات على اللقاء، لكنني قررت أن أدخن "النرجيلة" في حضرة السيد وكسرت البروتكول، وتفاجأت أن الحكيم شخصية مرحة منفتحة، وما يترك أثرا عند شخصيته الحاضرة والنسق الفكري المتماسك الذي يميز حديثه.

في بغداد كنت على موعد للقاء به في منزله المطل على نهر دجله بالجادرية، وفي هذا اللقاء الذي لم يكن مخصصا كحديث صحافي ذكرت الحكيم بلقائنا الأول في عمان، واسترجعت بحضوره حرصه على العلاقة مع "الهاشميين،" وأقصد العائلة الملكية في الأردن فأجابني فورا "نحن أولاد عم".

خرج الزعيم عمار الحكيم من المجلس الأعلى ليؤسس تيار وتحالف "الحكمة"، ويصر على أن قائمته عابرة للطائفية والمحافظات، وأنها بعد ثمانية أشهر على تشكيل "الحكمة" ككيان واحد موحد تضم 90 في المئة وجوها جديدة، و45 في المئة شبابا دون عمر الأربعين.

بصراحة يعلن الحكيم أن ما أسماه "البعبع" الطائفي يتراجع في العراق، مؤكدا أن مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون لبناء الديمقراطية، مشيرا إلى أن الأعوام من 2003 وحتى 2018 كانت مرحلة انتقالية، معتبرا أن الانتخابات القادمة حد فاصل.

يقول الحكيم في نقاشي معه إنهم في "الحكمة" لن يقبلوا بالإقصاء أو حكومة شيعية، بل نريد حكومة عراقية.

ويتابع قوله: "نحن نركز ونروج للأغلبية الوطنية وليس الأغلبية السياسية".

عانى العراق في السنوات التي تلت سقوط نظام صدام من المحاصصة الطائفية، من دون تحقيق التنوع والاندماج وتمثيل المكونات المجتمعية، بل سعت الأطراف في صراعها لإقصاء الآخر، من دون أن تستلهم مخاطر هذه التوجهات، ولذلك يؤكد الحكيم بأن الكلام الطائفي يتراجع، ويذكر بأن صدام حسين كان حين يشكل حكومة يحرص على تمثيل القبائل والمكونات الطائفية على أن يكونوا بعثيين وهو ما كان يعطي حكومته شرعية.

ينظر ويروج الحكيم لما يسميه "النصر العراقي" ويشرح بنسق متسلسل معطيات هذا النصر ويبدأ من الانتصار العسكري على "احتلال داعش" منبها بأن مواجهة الخلايا النائمة لم ينته، والآثار المدمرة التي تركها التنظيم تحتاج إلى معالجة، ويعطي مثالا بأن آلاف الأطفال الذين أنجبهم "الدواعش" يخلقون تحديات ومشاكل كثيرة.

يذكر الحكيم بأن فتوى المرجعية الدينية في العراق، أي المرجع الديني علي السيستاني، كان لها الدور الأكبر في دحر "داعش"، حيث انطلق الناس بعدها لمواجهته وإنهاء ثلاث سنوات عجاف (2014 ـ 2017) عاث فيها في العراق تدميرا وإفسادا.

ويعتبر الحكيم أن النصر الثاني في العراق كان انتصارا مجتمعيا، وأبرز مظاهره تطويق الطائفية، واصفا إياها بأنها "أكذوبة كبرى".

لا يتوقف سماحة السيد عن هذا الحد في تفنيد الطائفية مبينا أن العشائر العراقية مختلطة ويقول: "الطائفية في العراق سياسية وليست مجتمعية".

أما النصر الثالث الذي يتوج الانتصارين السابقين في العراق فهو برأي الحكيم الحفاظ على وحدة العراق بعد الاستفتاء في كردستان في أيلول/سبتمبر 2017 لتأسيس دولة كردية.

هذا النصر تحقق من دون قتال، هذا ما يقوله الحكيم، مشيدا بالمساعدة الإقليمية والدولية.

يعتبر الحكيم أن الحالة الكردية تعيش انتكاسة حاليا وأن قيادتها ارتكبت تجاوزات بوضع اليد على آبار النفط بكركوك

​​فشل مسعود بارزاني في تحقيق حلمه بدولة كردية بعد إجراء الاستفتاء، ولا يعرف الكثير من الساسة العراقيين إجابة قاطعة لماذا أصر بارزاني على خيار الاستفتاء رغم كل المطالبات له بأن لا يفعل، هل كانت لديه وعود دولية وإقليمية بمساندته، هل تعرض للخديعة، أم كانت خطوة ما قبل الانتحار السياسي؟

المفهوم لدى القادة العراقيين، والحكيم منهم، أن بارزاني كان يعتقد بأن علاقاته مع دول الجوار (الأتراك والإيرانيين) قد تدفعهم للصمت وغض النظر، ومن الواضح أنه لم يفرق بين علاقات تكتيكية والمواقف الاستراتيجية للدولتين، وهما تعتبران قيام دولة كردية خطا أحمرا يهدد دولتهم القومية. وتزامن هذا مع رأي أميركي بأن الأولوية الآن لمكافحة خطر داعش وليس إجراء استفتاء لاستقلال الأكراد، واعتبر مثل هذه الخطوة تشتيتا للجهود وتبعثرها.

اقرأ للكاتب أيضا: القمم العربية... من لاءات الخرطوم إلى توسل إسرائيل لقبول السلام

يكشف الحكيم بأن الحالة الكردية تعيش انتكاسة حاليا، ويشير إلى أنهم ارتكبوا تجاوزات في السنوات الماضية خاصة بعد احتلال داعش، حيث وضعوا اليد على آبار النفط في كركوك وبدأوا يصدرون النفط من دون علم وموافقة الحكومة المركزية.

يبدي عمار الحكيم تفاؤلا خارجا عن المألوف حيال مستقبل العراق ومساره السياسي والديموقراطي، ويعتقد أن حقبة مظلمة قد طويت من تاريخه، ويرى أن الجدران الإسمنتية ستنهار مع استعادة الدولة لهيبتها.

فهل تثبت الأيام أن سماحة السيد صاحب العمامة السوداء يملك بوصلة واضحة، ويقرأ المستقبل جيدا؟ فلننتظر ونرى!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.