طلاب ليبيون يحتفلون بتخرجهم من كلية الصيدلة في جامعة العرب في مدينة بنغازي(أرشيف)
طلاب ليبيون يحتفلون بتخرجهم من كلية الصيدلة في جامعة العرب في مدينة بنغازي(أرشيف)

بقلم حسن منيمنة/

يدرج ترتيب شنغهاي أهم مؤسسات الدراسات العليا العالمية وفق معايير تجمع بين الناتج العلمي والنشر البحثي ومستويات التعاون مع المؤسسات الموازية، فيشكل تقريرا سنويا لحال العلم والتعليم على مستوى العالم.

ليس في ترتيب شنغهاي أي ذكر، ضمن المئة الأولى، لأي من الجامعات العربية. للولايات المتحدة قرابة النصف ومعظم مراتب الصدارة، تليها أوروبا ثم اليابان وروسيا وإسرائيل وسنغافورة لما تبقى. وباستثناء بعض الجامعات التقنية البحثية السعودية، يخلو ترتيب شانغهاي الصيني حتى في مئاته التالية، كما ترتيب التايمز البريطاني وذو المنهجية المختلفة، من أي إدراج مرموق للجامعات العربية.

وإذا كان هذان الترتيبان يكشفان عن وجه واحد وحسب من قصور الناتج التعليمي في المنطقة العربية، فإن المؤشرات حول غياب هذه المنطقة عن المساهمة الفاعلة في النشاط العلمي العالمي عديدة وجلية. حصة العالم العربي من براءات الاختراع والاكتشافات العلمية متلاشية تقريبا، وإنتاج الدول العربية للأجهزة والسلع المتطورة باهت ويكاد أن ينحصر بالتلزيم من الخارج. وحتى في المجالات الحاسوبية والمعلوماتية، حيث تنخفض الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة داعمة، فإن الحضور العربي تطبيقي وحسب، ولا يبلغ البتة المستويات المتناسبة مع حجم المنطقة السكاني.

المعضلة الإشكالية هنا هي أن تجويف النظام التعليمي ينشئ المزاج الثقافي والاجتماعي الذي يحبذه

​​القراءة الإجمالية تفيد أن هذا الأفول العلمي هو نتيجة لغياب التنمية البشرية وسبب لها في آن واحد، في دائرة مفرغة تستنزف فرص المجتمعات المعنية، إذ تنحدر في قدراتها على إقامة النظم الناجعة في الحكامة والإدارة والاقتصاد وإدارة الموارد، فيما يتسع تعرضها للأذى المتراكم من التآكل الذاتي ثم من الحروب والأزمات، الداخلي منها والخارجي.

أما تفصيليا، فتجدر الإشارة إلى ثلاثة عوامل مؤثرة تتخذ الطابع السلبي في مضاعفتها للانحدار، في حين أنها قادرة أن تكون عوامل تصحيح لو نجح التعامل الموضوعي معها: التعريب، والأسلمة، والأبوية.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية مسؤولية العالم الذي خذلها

أول هذه العوامل هو العامل اللغوي. من حيث القدرة على النحت والاجتراح، والاشتقاق والتعريب، لا شك أن اللغة العربية الفصيحة المعاصرة قادرة على مسايرة التطورات العلمية، في حال توفر لها من العلماء الناطقين بها من يخصص الجهد المطلوب، وفي حال توافقت المجتمعات التي تعتمد هذه اللغة على مرجعية موحدة في المصطلحات المستحدثة. أما من حيث الواقع فالطاقم البشري الكفيل بمتابعة المستجدات في كافة المجالات العلمية الطليعية غير متوفر ابتداء، وفي حال توفر افتراضا، فإن قدراته ووقته ستهدر في محاولة استيعاب المد الجارف من المصطلحات والمفاهيم المتحولة والمتبدلة على مدار الساعة، بل وإن ارتقى هذا الطاقم عددا وعتادا إلى إمكانية التصريف المنتظم للوارد من العلوم، فإن تعدد المجامع اللغوية واختلاف أصولها والتنافس بينها من شأنه إفساد الجهد العلمي من خلال الاختيارات غير المنتظمة والمتضاربة للمصطلحات الطارئة.

والمسألة ليست نظرية. هل هي الحسابة أو الرتابة أو الحاسب أو الحاسوب أو الكومبيوتر؟ إذ وإن ارتضت مجامع لغوية عدة بالصيغة غير القياسية (الحاسوب)، فإن الاستعمال لم يجمع عليها. والمصطلح المشتت هنا متعلق بأبسط الأمور المادية في موضوع المعلوماتية (أو هل هي الإعلامية أو السبرانية؟) بعد مضي عقود من بروزه. أما المواضيع الطليعية المختصة، في العلوم الحياتية والتقنية فهي تبقى محجوبة عن الطالب حين يتلقاها باللغة العربية، إذ ترده بأحسن الأحوال كمصطلحات باللغة الأجنبية خارجة عن السياق. فخلافا للمسعى المتواصل لتعريب التعليم، كما في مصر مثلا، فإن الأقرب إلى المتحقق هو أن اعتماد التعريب في العلوم، بل منع الطالب من التمكن باللغة الإنكليزية تحديدا، من شأنه تقويض فرصه في الدخول إلى معظم المجالات العلمية، ولا سيما الطليعية منها.

أما العامل الثاني المعترض لاستتباب ثقافة علمية، فهو الغلو في تقديم الدين في التعليم. وإذ يجري هذا التقديم لاعتبارات ظاهرها عقائدي، فإن دوافعه أقرب إلى المبارزة الحضارية التي تنم عن عدم اطمئنان إلى مكانة الدين في الثقافة والشخصية والتاريخ.

وأشكال هذا الغلو عديدة تبتدئ في تحميل النص الديني ما لا يحتمل، والتنافس على المزايدة في هذا المنحى، وتثليب المعترض وصولا إلى تكفيره. هو إذن "الطب النبوي"، و"علم النفس القرآني"، و"الموسوعة الفلكية القرآنية"، بما يظلم النص الثابت الديني ويلزمه بنظريات علمية عابرة عرضة للتبديل، فيما يحول وجهة الطالب من متابعة النقاش العلمي إلى تبجيل المشابهات الدينية.

وجهود تحميل النصوص الدينية ما لا تحتمل في معظمها ارتجالية آنية قائمة على الزعم ومحاكاة الجديد في العلم، فإن ظهر بطلان النظرية العلمية، غاب الجهد المغالي دون مراجعة أو إقرار.

يذكر هنا على سبيل المثال مدى الترحيب الواسع النطاق لـ"اكتشاف" المهندس المصري رشاد خليفة في أواخر سبعينيات القرن الماضي لـ"معجزة" قرآنية "حاسوبية" قائمة على تكرار ممنهج في النص القرآني للعدد 19 (كأن تكون الأحرف النورانية دليلا على وجود أعداد منها بأضعاف لـ ١٩ في السورة المعنية) بما يستحيل معه التزوير وبما بقي خفيا على مدى أربعة عشر قرنا. فلأعوام عدة كان هذا الاكتشاف المزعوم مادة علمية داعمة ومدعومة للغلو في تقديم الدين، دون أن يتكلف معظم المتلقفين للنظرية عناء التدقيق بتفاصيلها، حيث أن تعداد رشاد خليفة للأحرف مثلا لم يكن متجانسا، فأحيانا يدخل أحرف البسملة في المجموع وأخرى يهملها، وأحيانا يعتبر التشديد حرفين وأخرى يقصره على حرف واحد، وإن سعى صادقا إلى تبرير خياراته. على أي حال، الرجل سرعان ما ارتقى من مدعي اكتشاف إعجاز قرآني جديد إلى الزعم بأنه مجدد للدين ورسول مكمل للنبوة المحمدية، فاغتاله غدرا من لم يتحمل قوله، واندثر الاحتجاج باكتشافه.

فمثال رشاد خليفة يبين انكشاف الغلو في تقديم الدين على السقوط في منزلق تبديد الطاقات من جهة وتضييع التوجه المنتج من جهة أخرى.

ويجري الوقوع في هذا المنزلق بشكل أخطر من خلال الإفراط في شحن المنهج الدراسي بالمواد الدينية، بما يقلص المساحة المتاحة للمواد العلمية ويشغل الطالب بمسائل من الكفاية أن تكون بعناية الفقهاء والمفتين، ويلبس عليه نطاق المنهجيات النقلية والعقلية. فالدين، إلا عند التعاطي معه كظاهرة اجتماعية تاريخية، وهو ما لا ترضى به الثقافة العامة في المجتمعات العربية، قائم في معظم أصوله على النقل، فيما العلم، وإن استفاد من النقل، يبقى موضوع العقل والتمحيص والنقد والنقض. غير أن غلبة الدين على الدراسة تجعل القبول والتقليد، لا الاجتهاد والإبداع، التوجه المنهجي الأول حتى في المواد العلمية.

وهذا، بدوره يهيئ للشكل التالي من الإلزام، بالسعي إلى تأطير كافة العلوم دينيا، وصولا إلى "أسلمة المعرفة"، أي اعتماد المرجعية الدينية، والنص القرآني تحديدا كالأساس الموجه للمتابعة العلمية والمعرفية.

فالمرجعية الدينية في الإطار العلمي والثقافي العربي عامة يراد لها أن تكون ثابتة ويقينية، وصولا إلى اعتبار الشك نوع من أنواع الكفر. هو خيار عقائدي لأصحابه، ولكنه إلزام تعسفي بالنسبة لمن يرى الشك سبيلا إلى الإيمان، أو من يرى التمييز بين الإيمان الديني والتصديق العلمي.

تتشكل توجهات التعليم في العالم العربي وفق رؤية الحاكم الفوقية الأبوية أو الاستبدادية

​​فكما أن اللغة تكبل الغوص العلمي من حيث الشكل، فإن الغلو في تقديم الدين على العلم يعترض المنهج العلمي من حيث المضمون. ولكن حتى لو تحقق التوازن في موقع اللغة والدين في التدرج العلمي، بما ينقلهما من دور التعويق إلى دور التمكين، فإن ما يبقى هو أهم عوامل التراجع في التعليم في المنطقة العربية، وهو التخويل الذي استحصلت عليه الدولة العربية الحديثة في معظم تجلياتها، تشبها بنظيرتها الأوروبية، من الاستئثار بالتعليم، منهجا ومؤسسات، بعد أن كان التعليم من صلاحيات المجتمع الأهلي في المجتمعات العربية.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تخلت الولايات المتحدة عن دورها المعنوي في العالم؟

ففي الحالة الأوروبية، تلزيم الدولة بالتعليم أو معظمه هو نتيجة طبيعية لكون الدولة بحكومتها المنتخبة والخاضعة للمساءلة الدورية تعبير عن إرادة المواطن السيد، أي أن هذا التلزيم يحسن من أداء المؤسسات التعليمية.

أما في الإطار العربي، فالدولة هي تعبير عن سيادة الحاكم على المواطن، مع تقلص إمكانيات مساءلة المواطن للحاكم إلى حد العدم، فتوجهات التعليم تتشكل بالتالي وفق رؤية الحاكم الفوقية، الأبوية أو الاستبدادية. فبدلا من أن يكون التعويل على الإرادة الجمعية لتحديد الأولويات التعليمية وتخصيص الموارد بما يتناسب معها، تندرج السياسة التعليمية في إطار حاجة الحاكم إلى الاستيفاء الشكلي لجانبه من العقد الاجتماعي المأزوم.

لا قصور جوهريا، لا في الإنسان ولا في اللغة ولا في الدين في الوسط العربي، ولكن ثمة تقصير خطير في إقحام اللغة في أحوال علمية وتعليمية لا تفيدها بل تنقض الهدف من استعمالها، وفي افتعال مواجهة وتضاد للدين مع العلم بحجة الذود عنه، وفي التسليم لأبوية حكم غير خاضع للمساءلة وغير قادر بنيويا على الخيارات الصائبة. والمعضلة الإشكالية هنا هي أن تجويف النظام التعليمي، كما في سائر أوجه الخلل في التنمية البشرية، ينشئ المزاج الثقافي والاجتماعي الذي يحبذه. أي أن التعليم في الوسط العربي يكاد أن يكون أسير دائرة مفرغة من عوامل التراجع هذه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.