ترامب خلال الإعلان عن الانسحاب من الاتفاق النووي
ترامب خلال الإعلان عن الانسحاب من الاتفاق النووي

بقلم د. توفيق حميد/

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض أقسى العقوبات على النظام الإيراني.

وقال ترامب إن الانسحاب من الاتفاق يأتي لعدم نجاح الاتفاق في وقف أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار، ومساعيها للحصول على سلاح نووي، وردعها عن متابعة برنامجها للصواريخ الباليستية.

وتبعا لقرار الرئيس الأميركي فلن يكون بمقدور إيران من الآن فصاعدا تصدير واستيراد الأسلحة، وستعود أسماء أفراد وشركات وبنوك كانت متهمة في السابق بانتهاك القوانين الأميركية إلى اللوائح الأميركية السوداء، وسيحرم فرض العقوبات مجددا على إيران اقتصادها المحلي المتدهور من الانتعاش، ويضرب قطاع النفط، وهو أبرز مصدر للدخل في البلاد.

قد يمنع قرار الرئيس ترامب سباقا نوويا محموما في منطقة حيوية في العالم

​​وفوق كل ذلك لن يكون بمقدور إيران جذب استثمارات أجنبية للبلاد، وسيتم تجميد أي أموال لطهران في الخارج، خصوصا في الولايات المتحدة، مما سيحرمها من مصادر دخل مهمة.

السؤال المطروح هو هل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب صائب؟

الإجابة هي نعم وبلا أي تردد وذلك للأسباب التالية:

أولا: إن التأخر في اتخاذ هذا القرار كان سيزيد الأمور تعقيدا، لأنه كان سيعطي النظام الإيراني الوقت الكافي للحصول على أنظمة نووية، مما يجعله في وضع أقوى وأفضل في أي مرحلة مستقبلية، أي أن عامل الوقت لا يفيد أحدا إلا النظام الإيراني الذي يقترب يوما بعد يوم من الحصول على السلاح النووي!

اقرأ للكاتب أيضا: هل 'حد السرقة' أمر إلهي أم مفهوم بشري؟

ثانيا: وجود أسلحة ونظم نووية متطورة في أيدي نظام ديني ثيوقراطي مثل النظام الإيراني يشكل خطورة على العالم أكثر من وجودها في أيدي أي أنظمة أخرى.

فعلى سبيل المثال من الصعب في الدول الديمقراطية المتطورة أن تستخدم الأسلحة النووية بسهولة، نظرا لأن اتخاذ القرار في أغلب الأحيان لا يكون فرديا، ولذا فمن الصعب بمكان أن يتم استخدام هذا النوع من الأسلحة الفتاكة بقرار متسرع من أحد القادة.

وحتى النظم الديكتاتورية العسكرية مثل نظام كوريا الشمالية، فإنها قد تتردد كثيرا إذا أصدر قائدها أمرا بهجوم نووي على دولة أخرى، لأن باقي القادة العسكريين يريدون في نهاية الأمر البقاء على قيد الحياة. لذا فقد يرفضون تنفيذ قرار مجنون باستخدام السلاح النووي، إذ على الأغلب سيتم الرد عليه بضربة نووية مما سيتسبب في هلاك الجميع. والخوف من الرد النووي هو أحد العوامل الهامة التي منعت ـ على سبيل المثال ـ حدوث مواجهة نووية بين أميركا والاتحاد السوفييتي أثناء فترة الحرب الباردة، لأن كلا الطرفين يريد البقاء على قيد الحياة.

أما في حالة نظام ديني مثل النظام الإيراني فلو امتلك أسلحة نووية وأصيب آية الله خامنئي بتصلب شرايين في المخ، وقرر استخدام السلاح النووي، فإنه من العسير تصور أن أحدا في النظام الإيراني سيرفض أو حتى سيعيق عملية التنفيذ، لأنها صادرة من آية الله العظمى التي تتكلم باسم الله، فلا يجوز الاعتراض عليها أو حتى نقاشها في أي قرار تتخذه فهي سلطة دينية مقدسة "فوق المناقشة"!

وجود أسلحة نووية في أيدي نظام ديني ثيوقراطي مثل النظام الإيراني يشكل خطورة على العالم

​​ثالثا: إن وضع إيران القوي كان عائقا هاما أمام عدم تراجع قطر عن تطلعاتها المؤذية، وعدم تعاونها مع المنظومة الخليجية التقليدية، لأن قطر انضمت لصف إيران ظنا منها أنها ستحميها وتساعدها على ضخ الغاز القطري إلى سوق أوروبا الواعد من خلال أنابيب تمر عبر إيران ثم تركيا. سيضع الواقع الجديد قطر في وضع صعب جدا، فإذا لم تتراجع عن علاقتها مع إيران سيتم على الأغلب مقاطعتها هي الأخرى، وسيكون من الاستحالة في هذه الحالة أن تضخ قطر الغاز إلى أسواق أوروبا أو حتى أن تحلم بذلك. وبعبارة أخرى فإن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران قد يجبر قطر ـ إن كانت قيادتها حكيمة ـ على الرجوع مرة أخرى إلى المنظومة الخليجية المعهودة.

فهل يا ترى سيغرد السرب القطري مرة أخرى قريبا مع أسراب الطيور الخليجية؟ أم ستصر قطر على عنادها إرضاء لجماعة الإخوان المسلمين!

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا لو كان اسم محمد صلاح "جرجس حنا"؟

رابعا: قد يمنع قرار الرئيس ترامب سباقا نوويا محموما في منطقة حيوية في العالم، فإضعاف قدرة إيران على الحصول على أنظمة نووية متطورة سيقلل بشدة محاولات الدول المجاورة في الحصول على سلاح نووي هي الأخرى لحماية نفسها من الهيمنة النووية الإيرانية إن امتلكت الأخيرة هذا النوع من السلاح.

خامسا: قد يساعد هذا القرار على إضعاف النظام الإيراني الحالي، مما يجعله يفكر في التراجع عن سياساته ـ وإن كنت أشك في ذلك ـ وقد يتيح أيضا لقوى المعارضة داخل إيران العمل على تخليص الشعب الإيراني من هذا النظام المتطرف ومن ويلاته التي جلبها لدولتهم العريقة وللعالم أجمع.

ولذا فبدون أي تردد فإن قرار الرئيس الأميركي الأخير ضد إيران هو قرار صائب وحكيم بجميع المقاييس.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.