ترامب رافعا قراره التنفيذي بإعادة العقوبات الأميركية على إيران
ترامب رافعا قراره التنفيذي بإعادة العقوبات الأميركية على إيران

بقلم جويس كرم/

156 صفحة للاتفاق النووي الإيراني بعثرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء ورمى بها عرض الحائط بإعلانه انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية التي كانت قد وقعتها في 2015. العقوبات والضغوط الاقتصادية هي النتيجة الأولى للانسحاب، لكن تلوح في أفق الحسابات الأبعد استراتيجية أميركية لتغيير النظام في إيران.

ذكر ترامب النظام الإيراني 15 مرة في خطاب الانسحاب من الاتفاق متهما إياه بزرع الفوضى والإرهاب والضلوع في تفجير سفارات أميركية. وفيما تطرق إلى شوائب الاتفاق التقنية، جاءت المبررات السياسية كالحجة الأبرز للخروج من الإنجاز الأكبر لباراك أوباما في الشرق الأوسط. فماذا بعد الانسحاب؟ وهل يحاول ترامب قلب النظام في إيران؟

العقوبات الأميركية هي الذخيرة الأولى التي ستطلقها واشنطن باتجاه إيران ومن يتعاقد مع ممولي برنامجها النووي. وأمام أوروبا ومصارفها فترة ستة أشهر لإعادة النظر بالاستثمارات في إيران أو فإن مؤسساتها أيضا ستخضع للعقوبات.

رهان ترامب أن الضغط الاقتصادي قد يؤدي إلى انهيار النظام أو تفاوضه حول اتفاقية أكثر صرامة

​​أما إقليميا فالتحرك بدأ باتجاه الضغط على إيران في مناطق نفوذها. ففي سورية نفذت إسرائيل ثلاث ضربات عسكرية استهدفت قواعد إيرانية في حمص وحلب ودمشق وحماة خلال فترة شهر واحدة، وآخرها كان ليل أمس في الكسوة في ريف دمشق. وفي اليمن، هناك اندفاعة عسكرية تقترب من تحرير الحديدة، وتزيد الضغوط على الحوثيين، كما أن هناك مساعي أميركية لتوحيد الصف الخليجي وحل أزمة قطر وتشكيل جبهة عربية ضد إيران مع تقديم واشنطن ضمانات حول بقاء جنودها في سورية والعراق.

اقرأ للكاتبة أيضا: صيف حار بين إيران وإسرائيل في سورية

انسحاب ترامب من الاتفاق هو مدخل لاستراتيجية أوسع تستهدف النظام الإيراني الذي اتهمه الرئيس الأميركي بوضع بصماته في جميع أزمات المنطقة. هذه الاستراتيجية وإن كانت لا تبدو مكتملة اليوم، تعطي ملامح اندفاعة أميركية لتغيير النظام في إيران مستفيدة من عوامل داخلية وإقليمية ودولية لهذه الغاية معظم أدواتها سياسية واقتصادية واستخباراتية وليست عسكرية.

أولا، الورقة الاقتصادية وتهاوي الريال الإيراني شجع ترامب على الانسحاب من الاتفاق لزيادة متاعب النظام. وإذا قامت واشنطن بمعاقبة المصرف المركزي الإيراني فهذه الأعباء ستتزايد، كما قد تزيد النقمة الشعبية ضد النظام والتي ترجمت تظاهرات بدأت في كانون الأول/ديسمبر الفائت ولم تهدأ فعليا حتى اليوم. في نفس الوقت قد يوجه النظام أصابع الاتهام لأميركا وترامب تحديدا لتحميله مسؤولية أعبائه الاقتصادية وتوحيد الصف الداخلي.

ثانيا، الخلافات المتزايدة بين المعتدلين والمتشددين في إيران تطرح فكرة بدء الصراع المبكر على خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي والذي يناهز عمره الثمانين، ولم تحسم صورة خلفه بعد.

ثالثا، تمدد إيران الإقليمي إلى مستوى بات ينهك طهران قبل غيرها، واستثمارها مليارات الدولارات في سورية والعراق ولبنان لإبقاء أوراقها وحلفائها في الصدارة. هذا التمدد طبعا أوصل إيران لتكون قوة إقليمية بارزة، إنما قد يتحول إلى كعب أخيل بامتصاص القوة الإيرانية في نزاعات لا نهاية لها من دون تحصين وضعها الداخلي.

تمدد إيران الإقليمي إلى مستوى بات ينهك طهران قبل غيرها

​​رابعا، الصورة الإقليمية تبدلت بعد الثورات العربية وتبدلت معها صورة إيران وأولويات المنطقة الخارجية. فحزب الله الذي يحارب في دمشق وحمص وصعدة ليس نفسه الذي حارب إسرائيل في 2006. وهذه الهالة التي كانت تحيط بطهران سقطت في حروب أهلية من اليمن إلى سورية والعراق.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'مو صلاح'... أكبر من لاعب كرة قدم

خامسا، تسلم الصقور في أميركا، مثل جون بولتون ومايك بومبيو، مقود السفينة الخارجية الأميركية يعيد التركيز على النظام الإيراني. فأفكار وكلمات بولتون ترددت في خطاب ترامب بالأمس، فيما بومبيو كان في طريقه لكوريا الشمالية ليوجه رسالة مزدوجة من الانسحاب من الاتفاق مع إيران بأن واشنطن منفتحة على جميع الخيارات بما فيها الصفقات في حال غيرت طهران تصرفها الإقليمي.

رهان ترامب بالانسحاب من الاتفاق هو أن الضغط الاقتصادي قد يؤدي إلى انهيار النظام في إيران أو على الأقل قد يدفعه للتفاوض حول اتفاقية أكثر صرامة. النجاح سيعني إرثا ضخما للرئيس الأميركي في السياسة الخارجية، أما الفشل فقد يعني وصول إيران إلى القنبلة النووية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Demonstrators confront with riot police as they try to cross barricades on a road leading to the UNESCO Palace where Lebanon's…

يناقش البرلمان اللبناني، في لحظة انهيار الدولة هذه، مشروع قانون عفوٍ عام يشمل المحكومين بقضايا المخدرات ومعظمهم من الشيعة والموقوفون والمحكومون الإسلاميون وهم من السنة، واللبنانيون الذين غادروا إلى إسرائيل أثناء انسحابها من لبنان، وغالبيتهم من المسيحيين!

لوهلة قد تبدو القسمة المذهبية لمن سيعفي عنهم القانون عادلة، إلا أنها تنطوي على حقيقة كاشفة لجهة فشل التجربة اللبنانية في صياغة أي إجماع وطني على مختلف القضايا. فالطوائف هنا وحدها من يحدد معايير المواطنة وأشكال قبولها ورفضها التسويات. محدد النقاش العام حول هذه القضية، سواء في البرلمان أم في وسائل الإعلام، يُجاهر الجميع في أنه محدد مذهبي لا وطني. من سيُعفى عنهم سينالهم العفو بصفتهم المذهبية، وليس بأي صفة أخرى. لبنانيتهم لن تلبيهم، والقضاء سيقف عاجزا أمام ارتكاباتهم. مذاهبهم وحدها من أنجدتهم. وهذا المُحدد سيتعزز بوصفه شكل العلاقة الوحيد مع الدولة ومع السلطة ومع الجماعات المذهبية الأخرى.

قد لا يحمل هذا الكلام جديدا في الحالة اللبنانية، إلا أنه هذه المرة، كما في كل مرة، مذهل في كشفه لمضامين الحياة العامة في لبنان، ولدلالات المواطنة، وهو إذ أضيف إلى الفساد وإلى الارتهان، جعل من إعادة تشكل هذا البلد، في ظل المحنة التي يعيشها، مهمة مستحيلة.

لا قيامة للبنان في ظل ما يمر به من أزمات متراكبة. هذه القوى المذهبية ستخنق أي فرصة للنجاة

المذاهب اللبنانية تتفاوض على مقايضة رذائلها. السنة يريدون عفوا عن "إرهابييهم" والشيعة يريدون عن "تجار المخدرات" والمسيحيون يقايضون على "عملاء". هذه المعادلة على قسوتها تنطوي على حقيقة. ثمة أبرياء من بين هؤلاء يعجز القضاء العادي عن إنصافهم، وثمة متورطون يعجز عن معاقبتهم. 

الطائفة تحمي المرتكب، لكنها لا تنصف البريء. البريء المستفيد من هذا العفو تم تدنيس براءته بضمه إلى زمرة مرتكبين. هذا هو تماما معنى أن تكون لبنانيا، وهذا ما قد ينسحب على كل شيء. فالفاسد تحميه طائفته، لكن ما يخلفه فساده من جائعين لا يمكن أن ترده الطائفة. 

هذه المعادلة هي صلب الحياة العامة في لبنان، وهي على درجة من الوقاحة بحيث صارت أمرا جاريا، لا بل ضروريا، في علاقاتنا وتبادلاتنا وتسوياتنا، لا نخجل في إظهارها وفي تداولها بوصفها من عاديات عيشنا.

لا تخجل القوى السياسية من المجاهرة في رسم حدود هذه المعادلة. الانقسام السياسي هامشي في لحظة النقاش المذهبي. الاصطفاف خلف طوائف عاجزة عن حماية أبريائها وجائعيها، لكنها تجاهر في المقايضة على المرتكبين. ليس كل من سيشملهم العفو مرتكبين، لكن فشلا وطنيا جعل التمييز مهمة مستحيلة.

فالملاحقون بجرائم المخدرات، يختلط فيهم المظلوم بالظالم بسبب فشل ممتد من القضاء إلى الأجهزة الأمنية، والحل الطائفي هو الأفق الوحيد لهذه المعضلة. ينسحب هذا الأمر على الإسلاميين وعلى المغادرين إلى إسرائيل.

لبنان في سبيله إلى التحلل فعلا. لا أفق لأي احتمال نجاة. وفي هذا الوقت تواصل طبقته الحاكمة غطرستها بعد أن مدتها الجائحة بطاقة جديدة

يحصل هذا النقاش في ظل استحقاقين متوازيين، الأول ثورة 17 تشرين التي خرج خلالها لبنانيون كثر وأعلنوا رفضهم لدولة الفساد والسطو والارتهان، والثاني انهيار اقتصادي ومالي هائل سرع به وباء كورونا. لكن ذلك كله يبدل في المشهد شيئا. استمرت الطوائف الفاسدة في مهمتها المتمثلة في تعطيل أي إمكانية لإجماع وطني. النقاش في مجلس النواب يجري وكأن شيئا لم يحصل. فمثلما تجهد الطوائف لحماية فاسديها تجهد أيضا لحماية مرتكبيها. على هذا النحو تقول لرعاياها إنها ملجأهم الوحيد، وأن إنصافهم لن يكون على يدها، وتقول لهم ارتكبوا وتعالوا لتختبئوا عندي.

لا قيامة للبنان في ظل ما يمر به من أزمات متراكبة. هذه القوى المذهبية ستخنق أي فرصة للنجاة. واليوم في ظل الجائحة، تقلصت فرص الإطاحة بالسلطة، وهذه الأخيرة عاد أهلها واستيقظوا بعد أن اختبأوا خلال أسابيع الثورة القليلة. لكنهم استيقظوا على نحو أكثر وقاحة وصلافة. فالسرقة المعلنة التي اركبوها لم تعد حدثا ضمنيا. صارت جزءا من هويتهم السياسية. وأمام هذه الحقيقة، لم يعد ذا شأن أن تداري رغبتها في منح المرتكبين عفوا وفي شمل أبرياء في هذا العفو على نحوٍ يعيد تلويثهم بارتكابات زملائهم.

لبنان في سبيله إلى التحلل فعلا. لا أفق لأي احتمال نجاة. وفي هذا الوقت تواصل طبقته الحاكمة غطرستها بعد أن مدتها الجائحة بطاقة جديدة. النقاش حول قانون العفو قد يكون خاتمة نموذجية لهذا العقد المذهبي الذي لم يلتأم يوما، والذي جعلنا رعايا مذاهبنا، والذي تولى حماية الفاسدين من مجوعي الرعايا، بحيث صارت الثورة مجرد متاهة بين جولة فساد وأخرى.