شريف جابر- الصورة من حسابه على فيسبوك
المدون شريف جابر

بقلم سناء العاجي/

شريف جابر شاب مصري نشيط على شبكة الإنترنت. منذ بضع سنوات، يقوم هذا الشاب بإعداد ونشر شرائط فيديو يعبر فيها عن آرائه ومواقفه في مواضيع الدين والمجتمع.

ليس مهما أن نتفق أو أن نختلف معه. فمن حقه أن يعبر عن وجهة نظره. ومن حقنا أن نتابعه أو لا. أن نتفق معه أو لا. أن نقبل بعضا من مواقفه وأن نرفض البعض الآخر.

ليست هنا المشكلة. المشكلة الحقيقية هي حين يتم سجن شريف جابر بسبب مواقفه. وهذا ما حدث منذ بضعة أسابيع، بتهمة "الاعتداء على الدين الإسلامي، وإنكار ما هو قطعي الثبوت من الدين، واستهزائه بالذات الإلهية والنبي محمد". بعد بضعة أيام من الاعتقال، تم الإفراج عن شريف جابر. لكن اعتقاله والتهمة التي وجهت له تدعونا، مرة أخرى، لمناقشة بعض البديهيات:

لماذا يسكن الكثيرين هذا الإحساس بالرعب بمجرد ما ينتقد أحدهم موضوعا له علاقة بالدين الإسلامي؟

​​بداية، علينا أن نعي بأن ردود الفعل العنيفة هذه، سواء اتخذت شكل اعتقالات أو شكل تفجيرات ودعوات تحريضية وحملات سب وشتم على الإنترنت وذلك بهدف ما يعتبره البعض "دفاعا عن الله والنبي"؛ هي التي تهين فعليا الذات الإلهية والنبي. إن كان البعض يؤمن بأنه، كبشر، قادر على الدفاع عن الله وعن رسله، فهذا يعني أنه يتهم الله بالقصور وعدم القدرة على الدفاع عن نفسه وعن أنبيائه. وهذه في الحقيقة أكبر إهانة للذات الإلهية وللأديان السماوية.

اقرأ للكاتبة أيضا: حملة #مقاطعون: انتفاضة من نوع جديد؟

من جهة أخرى، كيف تكون مقالات أو كتب أو فيديوهات انتقادية للتراث الإسلامي ولقراءة بعض الفقهاء للدين، أو حتى فيديوهات ومقالات وكتب مبنية على مواقف إلحادية؛ أكثر إهانة للإسلام من فتاوى التداوي ببول البعير وإرضاع الكبير والسبي ونكاح الرضيعة؟

كيف يتاح لفقهاء أن يقدموا بكل حرية، في التلفزيون والمساجد، خطبا طويلة تصور بشكل بورنوغرافي أجساد وأعداد الحور العين ومدة النشوة الجنسية في الجنة، ولا يسمح لشخص علماني أو ملحد بالتعبير عن قناعته الخاصة، ما دام لا يستعمل العنف ليفرض على الآخرين اعتناق معتقداته؟

كيف تكون الخطب والبرامج التي تشجع على الإرهاب والعنف ونبذ الآخر وعدم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، أقل فتنة من مقال أو شريط فيديو لشخص ينتقد تصورات معينة للدين أو حتى يعلن إلحاده، ما دام لا يفرض على أحد اتباعه؟ أيهم أشد خطرا وأيهم أشد إهانة للدين وللذات الإلهية؟

المشكلة الحقيقية هي حين يتم سجن شريف جابر بسبب مواقفه

​​ثم، ألا يوجد على المواقع الاجتماعية والقنوات الفضائية الكثير من الإهانات لمعتنقي باقي الديانات؟ ألا يوجد حولنا، في المساجد والفضائيات، من ينعتون المسيحيين واليهود بكونهم أحفاد القردة والخنازير؟ أم أن ازدراء الأديان هي تهمة لا "تحمي" إلا الدين الإسلامي، والمذهب السني منه على الخصوص؟ هل نشجع على احترام كل الديانات فعلا أم أن إهانة المسيحي واليهودي والبوذي والسيخي والمسلم الشيعي والملحد جائزة مباحة؟

اقرأ للكاتبة أيضا: كأس العالم: صيام اللاعبين حلال أم حرام؟

هل يعتبر حراس الدين بأن فيديو أو مقالا أو كتابا لشخص علماني أو ملحد، سيجعل الناس يخرجون من دين الله أفواجا؟ هم بذلك يعتبرون تدين الأفراد هشا تزعزعه مقالة ويزعزعه فيلم وتزعزعه أغنية. وهم بذلك يوجهون إهانة شديدة لتدين الأفراد ويعتبرون جميع المسلمين قاصرين يحتاجون لمن يحمي قناعاتهم من الزعزعة ومن الازدراء.

باختصار، لماذا يسكن الكثيرين هذا الإحساس بالرعب بمجرد ما ينتقد أحدهم، عن صواب أو عن خطأ، موضوعا له علاقة بالدين الإسلامي؟ لماذا لا يكون للجميع الحق في التعبير عن مواقفهم بكل حرية، ويكون للآخرين حق انتقادهم باحترام؟ إلى متى سنصادر حرية الرأي والمعتقد بتهم "زعزعة عقيدة مسلم" و"ازدراء الأديان" وغيرها من التهم الغبية؟ وهل يمكننا أن نفرض التدين باسم القانون؟

لامارتين قالها ذات زمن: "لا قيمة للفضيلة بدون حرية". لنستعرها منه اليوم لكي نؤكد مرة أخرى بأن لا قيمة للتدين بدون حرية... لا قيمة لأي تدين يكون مفروضا باسم القانون أو المجتمع.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.