نشرت إسرائيل دبابات ميركافا عند الحدود مع سورية
نشرت إسرائيل دبابات ميركافا عند الحدود مع سورية

بقلم حازم الأمين/

يقول المنطق إن إسرائيل لن تنجح باستدراج إيران إلى حرب إقليمية مسرحها الأول سورية. لكن في المقابل فإن وقف اندفاعة تل أبيب نحو هذه الحرب يتطلب جهدا لا يبدو أن أحدا يبذله. لا يكفي الصمت الإيراني أو الردود الشكلية على الضربات الإسرائيلية المتعاقبة لتفادي وقوع الحرب.

للمرء أن يعتقد أن آخر ما تريده إيران هو الحرب مع إسرائيل. فالجبهة المفترضة بعيدة عن حدودها ما يزيد عن ألف كيلومتر، وهي إذ تبدو مشتتة الجهود بين لبنان وسورية واليمن والعراق، غارقة أيضا في أزمة اقتصادية خانقة سيضاعف منها انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وما يعد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجهة رفع نسبة العقوبات إلى المستويات القصوى. هذا ناهيك عن الحماسة الخليجية لهذه العقوبات والتي سيوازيها ارتياح لمفاعيل حرب ستضعف الخصم الأول لدول مجلس التعاون.

الحرب، في حال وقوعها، ستكون إقليمية وإيران ستكون فيها وحيدة بينما إسرائيل ستكون محصنة بموقف أميركي وبقبول خليجي. ولن تبقى سورية مسرحها الوحيد. الأرجح أن ينضم لبنان إليها. وهي هذه المرة ستجري على الحدود مع الأردن، ولهذا الأخير حساباته التي وإن لن تكون متطابقة مع الحسابات الإسرائيلية، إلا أنها من دون شك غير منسجمة على الإطلاق مع حسابات طهران، والأرجح أن حزاما أمنيا أردنيا داخل سورية مهمته حماية حدود المملكة سيكون خيارا مطروحا على طاولة الملك عبدالله الثاني.

سبق لطهران أن أقدمت على مغامرات خارج أرضها لا تقل خطورة عن خطورة الحرب العتيدة

​​روسيا لن تكون إلى جانب طهران في هذه الحرب. بنيامين نتانياهو كان بالأمس في موسكو، وفلاديمير بوتين استقبله بابتسامة لا توحي بأن الرجلين على وشك أن يتحاربا. حسابات موسكو أكثر تعقيدا على هذا الصعيد، وقواتها في سورية لم ترسل إشارة واحدة توحي بتحفظ حيال المهمة الإسرائيلية في هذا البلد. ثم أن الدرس الأخير المتمثل في قصف التحالف الدولي مواقع النظام السوري، حمل الكثير من المؤشرات على قابلية موسكو على الصمت وعلى واقعيتها إذا ما تعلق الأمر بقوة تفوقها فاعلية.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات اللبنانية: فراغ وغباء وكراهية

في مقابل كل هذه الشروط التي تدفع إلى الاعتقاد بأن الحرب ليست في مصلحة طهران، هناك شرطان يسرعان من الحرب. أولهما الاندفاعة الإسرائيلية غير المسبوقة نحوها، بحيث يشعر المرء أن الوقائع ستسبق أي رغبة إيرانية بالانكفاء. فما أن أنهى ترامب خطاب الانسحاب من الاتفاق حتى أغارت الطائرات الإسرائيلية على مواقع إيرانية بالقرب من دمشق. كان الطيارون في طائراتهم أثناء إلقاء ترامب كلمته، والرسالة كانت واضحة، وتتمثل في أن تل أبيب لن توفر فرصة لاستهداف المواقع الإيرانية من دون أن تستثمر فيها. كان سيناريو بالغ الوضوح. أعلن دونالد ترامب ما أعلنه، وكان بنيامين نتانياهو منتظرا مع الصحافيين في مقر الحكومة الاسرائيلية. أعلن بكلمة سريعة تأييده خطوة واشنطن وشكر الرئيس الأميركي، وانطلقت الطائرات من قواعدها نحو أهداف في ريف دمشق. سيناريو أقرب لـ"قصة حرب معلنة"، وهذا ما يجعل مهمة انكفاء طهران صعبة، وما قد يجعل قتالها قتال الضرورة.

الحرب، في حال وقوعها، ستكون إقليمية وإيران ستكون فيها وحيدة بينما إسرائيل ستكون محصنة بموقف أميركي وبقبول خليجي

​​لكن عدم وضوح خطوط القتال يعطي فرصة أيضا. فموقع الروس في هذه الحرب سيكون غريبا بالفعل، ذاك أنهم في وسطها تماما، ونتائجها ستنعكس على نفوذهم وعلى دورهم في سورية، وهم إذ تفاوضوا مع إسرائيل وأتاحوا لها استعمال الأجواء السورية على مدى أكثر من سنتين، ليسوا اليوم في موقع يؤهلهم للحد من اندفاعتها نحو الحرب. كما أن الأوروبيين، الممتعضين من خطوة ترامب الانسحاب من الاتفاق، حاولوا القول إن رغبتهم بالاستمرار بالعمل في الاتفاقية لا تعني على الإطلاق قبولهم بأدوار إيران الإقليمية لا سيما في سورية وفي اليمن وفي لبنان، وهذا ما ينعكس أيضا على موقع موسكو، وربما يرشحها لمهمة يتطلب إنجازها مسابقة الهمة والشهية الإسرائيلية لمباشرة الحرب.

اقرأ للكاتب أيضا: "بترو دولار" و"مقاومة دولار"

وهنا على المرء أن يتوهم شرطا وحيدا لمنع وقوع الحرب، وهو تقديم موسكو ضمانات لتل أبيب من نوع نشر قوات على حدودها وفي مناطق الجنوب السوري تتولى الإشراف على انسحابات إيرانية من تلك المناطق، والأرجح أن يقابل ذلك دورا للأردن على مثلث حدوده مع سورية ومع إسرائيل.

لا مؤشرات على أن ثمة قنوات مفاوضة على هذه الأصعدة. والمنطق الذي يقول إن طهران لن تكون في أحسن أحوالها إذا ما بدأت الحرب، يقابله منطق مواز هو أن طهران تقاتل على غير أرضها، وهي سبق أن أقدمت على مغامرات خارج أرضها لا تقل خطورة عن خطورة الحرب العتيدة. والاعتقاد بأن واقعية اللحظات الأخيرة التي سبق أن اختبرها العالم في الحرب العراقية الإيرانية عندما أعلن آية الله الخميني قبوله "تجرع كأس السم" ووقف الحرب ستغلب، يضعف إذا ما استعدنا حقيقة أن تلك جيش صدام حسين في حينها كان يقاتل داخل الأراضي الإيرانية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.