انتخاب عناصر أمن كردية
انتخاب عناصر أمن كردية

بقلم نضال منصور/

حتى سقوط نظام الرئيس صدام حسين، كانت الاستخبارات العراقية تنشط في الأردن، وتمثل حالة قلق للمعارضين العراقيين الذين كانوا يتحركون ويتواجدون في عمان، وخاصة بعد احتلال العراق للكويت، وما تبعها من أحداث انتهت بتحرير الكويت.

الأمر لا يرتبط بأجهزة الاستخبارات وحدها، وكان الأهم أن الأردن يعتبر معقلا لمناصري صدام حسين والبعثيين، وكان من الصعب أن تجد في وسائل الإعلام الأردنية "أصوات معارضة" يمكن أن تقدم خطاب نقديا للسلطة في العراق، وهذا الحذر كان يمتد كثيرا إلى الحكومات الأردنية.

تحرك الاستخبارات العراقية في الأردن والعالم ليست حكاية مفبركة، بل واقع عليه شواهد كثيرة. ما يستحق أن يروى اغتيال المعارض البارز الشيخ طالب السهيل عام 1994 والذي كان لاجئا سياسيا في الأردن، وكان مقربا من المرحوم الملك حسين، وحين اشتدت التهديدات الأمنية له في عمان، غادر إلى بيروت وهناك جرت عملية اغتياله، وأوقف 4 دبلوماسيين عراقيين اتهموا بقتله، وانتهت هذه المأساة في ذلك الوقت بقطع العلاقات بين بغداد وبيروت.

العراق فقد سيادته، المصالحة الوطنية انتهت وقبرت، سياسات التهميش والإقصاء قائمة

​​يتندر الكثير من السياسيين الذين عاشوا مرحلة العمل الاستخباري وملاحقة المعارضين، بالتذكير بالسفير العراقي المعروف في عهد صدام السيد نوري لويس ويصفون سيارته الدبلوماسية بسيارة "نقل الموتى"، في غمز ولمز إلى سياسيين ومعارضين أوصلهم للحدود الأردنية العراقية أو بغداد وقتلوا أو اختفوا، روايات قد يصدقها البعض ويكذبها أخرون.

اقرأ للكاتب أيضا: عمار الحكيم: "البعبع" الطائفي أكذوبة كبرى

تغير الأمر مع مجيء السياسي والنائب الأسبق عبد الكريم الكباريتي وزيرا للخارجية في الأردن، ثم تقلده رئاسة الحكومة في عام 1996، أذ قرر الكباريتي كسر "التابوهات" والخطوط الحمراء، والانفتاح على دول الخليج، وإنهاء القطيعة مع الكويت، وترميم العلاقات معها، وغض النظر عن تحرك المعارضين العراقيين.

تزامن هذه التحول السياسي، مع تأسيس جريدة "الحدث" في عمان عام 1995 وسعيها منذ أول أعدادها إلى الانفتاح على كل التوجهات، ولأول مرة تجرؤ صحيفة أردنية على إجراء لقاءات مع سياسيين عراقيين يعلنون رفضهم لحكم صدام حسين والسعي لإسقاطه.

كنت مؤسسا للجريدة ورئيسا لتحريرها، وشنت علينا حملة تشهير واسعة، اتهمنا فيها بشيطنة النظام العراقي، والتعامل مع عملاء أميركا والغرب، والمقصود "المعارضة العراقية".

قلت يوما لأبرز قيادي في حزب البعث بالأردن المحامي أحمد النجداوي: هل نحجب موقف حزبكم في جريدتنا الحدث وأنتم تعارضون الحكومة الأردنية، فأجابني لا، فقلت له: إذن من حق المعارضة العراقية أن تقول رأيها مثلما نفعل معكم!

لم ينته الأمر عند العتب، ففي عام 1996 تلقينا تهديدات من مصادر مجهولة، وأبلغني رئيس الحكومة الكباريتي في لقاء معه بضرورة توخي الحذر، وبأنه سيطلب من الأجهزة الأمنية تأمين حراسة لمكاتب الجريدة، واتصل بعدها مدير الاستخبارات آنذاك سميح البطيخي ليطمئن ويؤكد لي متابعة الأمر، وعلمت فيما بعد أن التهديدات مصدرها أمني عراقي.

استمرت "الحدث" في تغطيتها للشأن العراقي من زاوية لم تقترب منها وسائل الإعلام الأردنية، وفي ذلك الوقت تعرفت إلى إياد علاوي زعيم حركة الوفاق الوطني بعد أن أجرى حوارا صحفيا مع جريدة الحدث، وكان علاوي يتنقل بين عمان وبيروت ولندن، ويرتبط بعلاقات مميزة مع السياسيين في الأردن وأولهم رئيس الحكومة الكباريتي، وسمحت الحكومة لحركة الوفاق أكثر من غيرها من التيارات السياسية المعارضة أن تتحرك من عمان ويكون لها مكتبها الإعلامي.

علاوي كان أكثر من غيره من السياسيين العراقيين يعرف كيف يوجه "لكمات" موجعة لسلطة صدام حسين، فهو المعارض القادم من صلب "حزب البعث"، ورغم اختلافه المبكر مع الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ومساعده صدام عام 1971 ومغادرته إلى بيروت، ثم سفره إلى لندن لإكمال دراسة الطب، فإن "لعنة البعث" ظلت تلاحقه حتى هذا اليوم.

ليس هذا فحسب فرغم تصدره المشهد السياسي في العراق، واختياره رئيسا لأول حكومة انتقالية بإجماع مجلس الحكم، إلا أن هذه اللعنة بقيت تطارده وما تزال توجه له الاتهامات بأنه "بعثي الهوى" في الحكم الجديد ما بعد انهيار سلطة صدام.

لم تشفع له وترحمه من الاتهامات تعرضه لمحاولة اغتيال بشعة في لندن عام 1978، حين أقدم رجل اتهم بأنه من الاستخبارات العراقية على اقتحام شقته ومحاولة قتله بضربه بـ"بلطة". أنقذته الأقدار وبقي يتلقى العلاج ما يقارب العام في مستشفيات بريطانيا.

طوال الساعات التي سبقت لقائي معه، في بغداد كنت أحاول أن أحدد مسارا للحوار معه وهو الغاضب على العملية السياسية في العراق، ولهذا لم أفاجئ حين قال لي بشكل واضح: "بعد الانتخابات إذا شعرت أن الأوضاع لم تتغير، فإنني سأنسحب من العملية السياسية، وسأحاربها سلميا، وتابع ضاحكا "أنا لا أملك أسلحة نووية ولا غيرها".

لا يشعر إياد علاوي أن الأمور تسير بالمسار الصحيح، والأمر لا يعود برأيه لهذه الأيام، وإنما يعود إلى حكومته الانتقالية، فيطلعني "أن المرحوم عبد العزيز الحكيم جاءه وقال له: السيد أرسلنا لك لنقوم بتشكيل قائمة شيعية، فأجابه صحيح أنني شيعي بامتياز، لكن لن أكون مع هذا التوجه، ولن أشكل قائمة طائفية، ولست مستعدا للبقاء برئاسة الوزراء على أساس طائفي".

علاوي الذي يقود ائتلاف الوطنية في الانتخابات لا يصنف بالعراق باعتباره زعيما طائفيا، فهو يحسب على السنة أكثر من الشيعة مع أنه "شيعي"، ويحسب أكثر وأكثر بأنه "علماني"، ولهذا كانت فرصته أكثر من غيره لاختياره رئيسا للحكومة المؤقتة.

كنت مصدوما من تشاؤم إياد علاوي خلال اللقاء، فحديثه يأتي معاكسا للإيجابية وروح التفاؤل التي تحدث بها عمار الحكيم، وحين سألت علاوي هل ستتغير الأوضاع بعد مضي 15 عاما على الحكم الجديد؟

يعترف علاوي بأن أطراف دولية وإقليمية تتدخل في العراق وتعبث به

​​أجاب علاوي: "العراق فقد سيادته، المصالحة الوطنية انتهت وقبرت، سياسات التهميش والإقصاء قائمة حتى الآن، والمحاصصة التي أقيمت عليها بقايا ما يسمى بدولة العراق دمرتنا، السنة مغضوب عليهم، والشيعة مغضوب عليهم، ماذا تبقى ثلاثة في المئة من الشيعة يحكمون العراق، هذه أسباب تدهور أوضاعنا".

ويواصل علاوي الذي يرى بأن الخطيئة الأولى لأميركا في العراق كانت قرار اجتثاث البعث، وحل الجيش ليقول "لن تنجح المصالحة الوطنية، فهم يريدون سحق كل من كان بعثيا وقطع أرزاقهم وتحويلهم إلى بؤر معدمة".

يعترف علاوي بأن أطراف دولية وإقليمية تتدخل في العراق وتعبث به، ويصف السيادة العراقية بأنها "سكر خفيف".

يعتبر علاوي أن قصة استفتاء كردستان "مؤامرة" دون أن يخوض ويفصح عن تفاصيلها، ويستغرب كيف انتظرت كل الأطراف الدعوة للاستفتاء حتى اللحظات الأخيرة دون أن تتدخل لتطويقها. يتساءل "ماذا كانت تفعل أميركا وهي التي تصف البرزاني بأنه بطل التحرير من "داعش"؟ تركيا وإيران تريدان تفاقم المشاكل الداخلية، وحكومتنا لم تتدخل بشكل وقائي".

لا يبرر علاوي قرار الاستفتاء ويصف إصرار مسعود برزاني عليه بالخطأ، ويكشف أنه تحدث معه بلهجة قاسية وقال له "كركوك خط أحمر، والاستفتاء خطوة فاشلة، وعليك أن تعلن للعراقيين لماذا توجهت لهذا القرار؟".

البرزاني يجيب علاوي: الحكومة تعاملنا معاملة الـ... فلماذا نبقى في العراق؟

يتوقف الحديث مع إياد علاوي عند احتلال "داعش" للموصل وانهيار الجيش بسرعة، وهو يرى أن الأمر حدث قبل عام 2014 بكثير وقال لي: "سأعيدك لعام 2012 عند هروب آلاف الدواعش من السجون والمعتقلات، ولم يحقق أحد بعملية الهروب، وشكل مجلس النواب لجنة بـ "الكذب" لم تفعل شيئا".

اقتحامات عسكرية للسجون وهروب 4 آلاف سجين مرة واحدة، ولم يحققوا بذلك، ولم نعرف من وراء ذلك، وكيف حدث الأمر، تلمست وفهمت من كلام علاوي أنها مؤامرة مبيته ومخطط لها.

ويستهجن علاوي الإشاعات والكلام الذي يقول إن البعثيين هم المحرك والعقل المدبر و"داعش" ليس إلا واجهة ويكتفي بالرد "البعثيون أصبحوا شماعة تحمل عليها كل الأخطاء".

يكمل علاوي كلامه "لن نذيع سرا حين نقول إن الموصل سقطت بيد الإرهابيين قبل 4 شهور من إعلان سقوطها".

ويجيب على الأسئلة الاستنكارية عن هزيمة الجيش بيوم واحد وهروبه "لم يبق جيش، الهوية الوطنية سحبت منه، ولذلك انهارت مقاومته، ولولا بطولة أهل الموصل وتضحياتهم لما استطعنا تحريرها".

ويستمر علاوي بعرض الحالة السوداوية للواقع وهنا يتوقف ليكاشفني بأنه مهدد بالقتل، وأن مسؤولين بالحكومة أبلغوه بذلك.

كنت أعتقد بأن علاوي يستخدم هذه الاتهامات من قبيل استقطاب الشعبية، وإظهار أنه ضحية لخلق تعاطف شعبي معه، إلى أن صدمت بخبر اغتيال أحد المرشحين من قائمته "ائتلاف الوطنية" بمحافظة نينوى الدكتور فاروق زرزور.

يرى علاوي بعد حادثة الاغتيال وبحسب تصريحات إعلامية أن استهداف ائتلاف الوطنية مسلسل ممنهج، وأن العملية السياسية والانتخابية وصلت إلى مستوى متدن من الابتذال.

سألته هل لقائمته فرصة للمنافسة، وهل يراهن أن تغير نتائج الانتخابات الوضع؟

أي انتخابات تتحدث عنها هكذا يرد علاوي ويواصل، قالوا لي: "الإعداد جاري لقتلك، القائمة الوطنية ليست دولة، ولا يوجد لدينا وزراء يسرقون، ونحن قائمة ليست طائفية، وأنا شيعي عربي، وهذا جلدي ولن أغيره، يافطاتنا تمزق ومرشحونا يتعرضون لمحاولات اغتيال".

يعتقد رئيس الوزراء الأسبق في العراق الجديد بأن أزمته ستستمر مع الحكومة يعني أن المشكلة ليست مع الرئيس حيدر العبادي، بل في "السيستم" ويعزي الأمر إلى سيطرة أحزاب إسلامية متطرفة على الوضع وهي "تتحرك وتخرب".

يربط علاوي استمراره بالعملية السياسية بالثورة على نظام المحاصصة الطائفية والتخلي عنه

​​يربط علاوي استمراره بالعملية السياسية بالثورة على نظام المحاصصة الطائفية، والتخلي عنه، ويعلن بكل حسم "يجب أن يتغير، هذا ليس بالدستور، وأنا أشارك لأغير هذه الإفرازات الطائفية، وإذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل سأنسحب".

لا ينفي علاوي تفشي الفساد بالعراق ويوجه أصابع الاتهام لمرحلة التواجد الأميركي وما بعده، كاشفا عن إحالة ثلاثة وزراء للتحقيق بقضايا فساد، وحين خرج من رئاسة الحكومة أغلقت ملفاتهم.

يقول علاوي منفعلا "حين كنت رئيسا للوزراء اتخذنا قرار باللجنة الاقتصادية العليا بأن حدود صلاحية الوزير أن يوقع عقدا لا تزيد قيمته عن 5 ملايين دولارا"، ويسألني هل تعلم كم صلاحية الوزير الآن؟ أهز رأسي نافيا، فيجيب "100 مليون دولار!".

اقرأ للكاتب أيضا: بغداد تهزم الموت والإرهاب وتبشر بعراق جديد بعد الانتخابات

انتقل مع علاوي من الحديث عن الفساد إلى سلطة الدولة والخارجين عليها.

أسأله هل ترى أن "الحشد الشعبي" ميليشيات أم تعتبرهم جزءا من الجيش؟

يختصر إجابته بالقول "أنا مع انضمامهم للجيش والشرطة لمن هو مؤهل وقادر".

وأستفزه بالسؤال وهل توقفت المليشيات عن ممارساتها؟ فيدعوني إلى الذهاب لمحافظة صلاح الدين، وسامراء، لأرى ماذا فعلت الميليشيات، وكيف اعتقلت الناس، وزجتهم بالسجون منذ عام!

علاوي الذي عاد للعراق بعد الدخول الأميركي لا زال يصر على أن أميركا ارتكبت خطيئة كبرى بإعلان اجتثاث البعث وحل الجيش، ويرى أبعد من ذلك أن إدارة الرئيس السابق أوباما وقفت مع إيران بشكل واضح، أما الرئيس الأميركي ترامب فيعتقد أنه ما زال يتلمس طريقه.

علاوي الناجي من محاولتي اغتيال الأولى زمن صدام، والثانية في النجف حين كان رئيسا للحكومة قادر على البقاء والصمود رغم كل الحروب والاتهامات ضده، ربما يراهن أنه الأجدر بقيادة عراق ما بعد الطائفية.. فماذا تخبئ له الأيام القادمة؟!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Demonstrators hold signs as they protest the death of George Floyd at the hands of Minneapolis Police in Washington, D.C. on…
متظاهرون ضد مقتل مقتل جورج فلويد في العاصمة الأميركية واشنطن

كلما اندلعت أحداث عامة في الولايات المتحدة، شبيهة بالجريمة المُرتكبة بحق المواطن جورج فلويد، وما تبعها من تحركات داخلية منددة وصاخبة، تنبعث في منطقتنا أشكال من "النقد" البائس لـ"أميركا"، باعتبارها وحدة ثقافية وسياسية واقتصادية، وكونها بذاتها الكلية رمزا ومركزا وتعبيرا للـ"الشر" المطلق، الملبس بالكثير من أثواب البهاء الزائفة، حسب نقدنا البائس ذاك.

لا ينبع ذلك الفيض من الانفعالات البافلوفية السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نُصدرها كل مرة عن الولايات المتحدة، لا ينبع من مركز أو بنية أو جهاز أو سلطة بعينها، واعية وموجهة لتلك الانفعالات، بل يكاد ذلك التدفق، لشدة انتشاره وآليات تفاعله المعقدة، يكاد أن يكون بمثابة بنية تحتية صلبة للحياة العامة في منطقتنا، متفق عليها بين مختلف مستويات الفاعلين، السياسيين والثقافيين والمجتمعيين والأيديولوجيين، المجمعين بعمومهم، والجاهزين على الدوام، للجموح في نعت ونقد ووصف أميركا بكل سمات "الشر".

لا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء والأحداث والتوازنات في داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن العثور على مئات الملاحظات والخطايا في ديناميكيات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الأميركية، وحيث أن الأميركيين كانوا من أكثر المجتمعات العالمية نقدا ومعارضة لأشكال الخلل والهشاشة في أنظمتهم العامة، وشيدوا طوال القرنين الماضيين التجربة العالمية الأكثر ثراء وحيوية وقابلية لـ"تجاوز الذات"، والتي ما تزال تنادي كل يوم بأنه ثمة الكثير الكثير الذي ما يزال يجب فعله، بشهادة ردود الفعل الشعبية والثقافية والسياسية الأميركية على الحادثة الأخيرة.

إن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث

الحكاية في مكان آخر تماما، في أن أغلبية واضحة من مختلف القوى السلطوية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وحتى المجتمعية، في منطقتنا، التي تشمل العالم العربي مع تركيا وإيران وبعض المناطق الأخرى من العالم الإسلامي، قد رسمت وراكمت منذ أواسط ستينيات القرن المنصرم صورة "منمذجة" عن الولايات المتحدة في مخيلتها العامة، على اعتبارها الآخر والنقيض المطلق لذاتنا الجمعية، الثقافية والسياسية والمجتمعية، في هذه المنطقة. رسمتها كونها حاجة ملحة وحيوية، لازمة لتشييد الكثير من التفاصيل والتوازنات داخل بلداننا.

لعبت تلك الصورة المصطنعة عن الولايات المتحدة أدوارا شديدة الحيوية، تمكنت عبرها مختلف مستويات الفعل العام في مناطقتنا من استغلالها لصالح شرعنة وتمتين مواقعها ومصالحها، وصياغة سلطتها ونفوذها داخل مجتمعاتها وبلدانها. حتى أن الكثير منها ترسم صورتها وكيانها الداخلي بناء واعتبرا لمناقضة هذه الـ"أميركا" المتخيلة.

♦♦♦

ثمة أربعة مستويات واضحة المعالم في ذلك الاتجاه، يتضح في كل واحدة منها آلية الفاعلية والانتاجية الداخلية لذلك التهافت على نقد أميركا.

سياسيا، يسعى ذلك النقد لأن يقول إن التجربة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة مجرد "كذبة"، وإنه على العكس مما يُروج عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة، التي تجمع رزمة من القيم والأعراف والمبادئ الحداثوية، فإن الحياة السياسية الداخلية فيها شديدة القتامة.

يسعى هؤلاء المروجون لقول ما هو أبعد من هذه المباشرة بكثير، للقول إنه طالما أميركا هي كذلك، فإن مجموع القيم السياسية التي ترفعها عن حياتها السياسية، إنما هي بحد ذاتها "مجرد كذبة". وبالتالي فإن الديمقراطية والحريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات...إلخ، هي فقط مجموعة من الأكاذيب. وبالتالي، فأنه على مجتمعات منطقتنا أن لا توالي أو تثق بتلك القيم السياسية، وبالتالي أن تتنازل عن أية مطالب في ذلك الاتجاه.

لم تعش القوى والشخصيات والدعوات المطلبية بتلك المبادئ والقيم في منقطتنا ابتزازا وتعنيفا وزجرا، طوال تجربتها المريرة مع السلطات الشمولية، مثلما عاشته من قهر ناتج عن الربط المحكم الذي فعلته السلطات الشمولية بين "أميركا الشريرة" وبين مطالب تلك القوى والشخصيات، وبالتالي شرعنت وفتحت الباب أمام محقهم مطلقا.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة. لأنها كانت ترفع عنهم عبئا ثقيلا، متمثلا بأن حقيقة الفعل السياسي والحزبي يجب أن يتمثل أولا ودائما في النضال الحقيقي واليومي والدؤوب في الداخل، في الاعتراف بصراعات القوى السياسية وتناقضات البنى الاجتماعية في داخل البلاد، وبالتالي وجوب الكفاح الدائم في سبيل تفكيك وإعادة تركيب كل ذلك.

روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية

في ظلال عقود طويلة من الكساد السياسي الطويل، في دول ذات أنظمة شمولية مطلقة، كانت الصورة المصطنعة عن أميركا ترفع عن كاهل القوى الأيديولوجية كل ذلك الواجب الثقيل، تُجبر خاطرهم بأنه ثمة نضال ما أكثر وجاهة وفاعلية وأخلاقية من الاعتراف بحقائق الداخل والنضال في سبيل الدفاع عن ضعفائه ومهمشيه، يتمثل في "مواجهة أميركا"، وعلى مستوى العالم.

أنتجت الأحزاب والتيارات الشيوعية والقومية والدينية والمذهبية والإقليمية في منطقتنا ملايين الأطنان من الكتابات السياسية والأيديولوجية التقريعية بحق أميركا، كانت ألف ضعف أو أكثر مما أنتجته حول الفظاعات الموجودة والمتراكمة في دواخل بلدانها، حيث مهمتها الجوهرية، وربما الوحيدة. وحيث أنه يبدو واضحا بأن الفعل الأول كان اصطناعا وتشاغلا سخيفا، لتغطية سوء الجدارة الأخلاقية والوجدانية والتنظيمية والمعرفية والسياسية لممارسة الفعل الثاني.

ثقافيا، كان نقدنا لأميركا يقوم على دعامتين متكاتفتين، تقوم كل واحدة منها بإنتاج داخلي زاخر في بلدننا.

تقول الدعامة الأولى: أن أنماط العنف والمحق والإبادة والفاشية والعنصرية إنما منتجات التاريخ الأميركي فحسب، وهي ما تزال أساسية وجوهرية في الحياة العامة في ذلك البلد.

بغض النظر عن مدى صحة ذلك، وعن الجزء المغيب من تلك الحكاية، المتمثل بملحمة النضالات الأميركية النبيلة في الاعتراف وتجاوز كل ذلك، فإن هذه الدعامة إنما تستميت في سبيل رفع كل تلك السمات عنا نحن، عن ماضينا حاضرنا. بالقول بأن كل ذلك إنما هو "حقيقة" أميركا، التي تريد أن تلبسها لنا نحن زورا!

شُيدت أواصر تلك الدعامة لتفعل شيئا كثير الحيوية في كل تفصيل من علاقتنا من ذواتنا وتاريخينا وهوياتنا الجمعية، لتقول بصراحة وفجاجة إن الإبادة الأرمنية المريعة لم تجرِ، وإن اليونانيين لم يتم ترحيلهم من مدنهم ومناطقهم، وإن المحق السياسي والرمزي الذي يطال الأكراد مجرد كذبة كبرى، وإن تاريخ النبذ والكراهية والفوقية بين جماعاتنا الأهلية مجرد حكاية مختلقة، وإن الذكورية والمركزية والعنف ليست من بواطن أدبيات ومنتجات ثقافتنا السياسية والمجتمعية والأيديولوجية. أن تقول الكثير من مثل ذلك، مما يمنحنا موقع البراءة والمظلومية، وأن تدفع جميع تلك السمات، لأن تكون فقط هوية الآخر فحسب، أميركا.

تذهب الدعامة الثقافية الأخرى في نقدنا لأميركا للقول بأن جوهر الصراع في الداخل الأميركي عرقي وهوياتي، قائم على معادة وتحطيم القوى المجتمعية والهوياتية الأكثر ضعفا وهشاشة في الداخل الأميركي، الذين يتنوعون بين السكان الأصليين أو السود أو المسلمين، أو حتى الإسبان والآسيويين.

يسعى ذلك الإنتاج الثقافي لصناعة أواصر زائفة بيننا وبين تلك الجماعات الأميركية، بأسلوب مليء بالعرقية الثقافية. يقول بوضوح بأن ما يجمعنا مع أبناء تلك الجماعات الأميركية هو التعرض لظلم ذوي البشرة البيضاء! وبالتالي القول بوضوح أكثر بأن خلافاتنا السياسية وتبايناتنا الثقافية مع الولايات المتحدة غير متأتية من كوننا بدورنا نتمركز حول بعض المواقف والقيم والخيارات غير المناسبة للتكاملية العالمية، بل لأن أميركا التي تمثلها "الأغلبية البيضاء" هي كذلك مع كل أحد، بما في ذلك أبناء الجماعات العرقية في الداخل الأميركي. لذا فإن المشكلة هي في البنية التأسيسية لهذه الـ"أميركا"، وليست أبدا فينا نحن.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة

أخيرا، فإن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث، ذلك الكل الذي لم نتمكن من تحقيق البعض القليل منه.

كانت الحكاية/الدعاية المجتمعية الكبرى التي بحوزتنا عن المجتمع الأميركي تحاجج بأن كامل الخيارات الليبرالية والحريات الشخصية وسلطة الفرد على سلوكه وحقه الكامل في جسده والمساواة الجندرية والحق المطلق في حرية التعبير، بأنها بكاملها لم تغير من حقيقة العنف والكراهية والاستغلال والعنصرية التي تغطي المشهد المجتمعي الأميركي، حسب تلك الحكاية/الدعاية التي لنا عن أميركا.

دون أي سعي لدحض شبه المطلق لتلك الرواية المجتمعية في مخيلتنا العامة عن أميركا، وهو شيء سهل المنال، فإن هذه الرواية إنما تتقصد القول بأن كل تلك القيم والمناقب التي جربتها وتجربها المجتمعات الأميركية، من ليبرالية وحريات شخصية ومساواة في الحقوق الجندرية...إلخ، إنما بحد ذاتها مجرد هباء، بدليل أن المجتمع الأميركي أباحها كلها، ولم يستحصل إلا على مزيد من العنف والاستغلال والكراهية. وبالتي، فإن روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تجمع كل ما يناقض تلك القيم المجتمعية، تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية...إلخ، جنان القوى المحافظة، التي تمهد عبرها لكل أشكال نكوصنا وتخلفنا عن حركة التاريخ والحياة.

الدافع الأعظم لما يصدر عن مجتمعاتنا ودولنا وقوانا السياسية وتياراتنا الثقافية والأيديولوجية من نقد وزجر لـ"أميركا"، أثناء التفاعل مع الأحداث الداخلية في ذلك البلد، لا يصدر عن نية ووعي بالهوية العالمية لنا، وبالتالي حقنا المطلق في تناول كل تفصيل لأي حدث، أينما كان يجري على صخرة العالم، بل هو الحاجة المُلحة للكثير من قوانا الفاعلة لمثل ذلك النقد الزاجر، وهذا مصدر بؤسها.