فرز نتائج الانتخابات النيابية في لبنان
فرز نتائج الانتخابات النيابية في لبنان

بقلم فارس خشّان/

من حق الأحزاب والشخصيات السياسية أن تنظر إلى نتائج الانتخابات النيابية التي شهدها لبنان أخيرا، من زاوية مصالحها وأحجامها، فيحتفي بعضها ويتجهم بعضها الآخر.

والانتصارات المحتفى بها متعددة الأوجه، فالبعض ضاعف حجمه التمثيلي والبعض الآخر حافظ عليه والبعض الثالث حد من خسارة كان يمكن أن تكون أكبر وأخطر.

وحده رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وعلى الرغم من أن بيته السياسي الذي انتقل شقه البرلماني إلى بكره تيمور، كرس زعامته الطائفية ـ وهي لبنة أساسية في صرح المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية اللبنانية ـ يتحدث عن هزيمة، إذ إن كل من بارك له بما انتهت إليه العملية الانتخابية تلقى جوابا: "ولكننا خسرنا".

قبل كتابة هذا المقال، اتصلت بجنبلاط سائلا إياه توضيحا لمفهوم الهزيمة التي يتحدث عنها، فأجابني بترميزات فضاحة: "بدأت وعيي السياسي وأنا نازح من المختارة (حيث يقع قصر آل جنبلاط) إلى منزل أنطوان مدور في عجلتون في العام 1957، نتيجة التداعيات اللبنانية لـ"حلف بغداد"، الآن وبعد ستين عاما، أراني ومع بداية حياة تيمور السياسية، أمام حلف طهران".

أمام المعطى البرلماني الجديد، فإن شعار النأي بالنفس الذي كان ورقيا قبل الانتخابات ستحرقه الحماوة التي ترتفع في المنطقة

​​طبعا، لم يحدثني وليد جنبلاط عن نزوح جديد من المختارة، ولكن، من دون أن أدعي قدرة على فهم ما يضمره، تشابك المشهد في مخيلتي، فأجريت مقارنة بين عجلتون ومعراب وبين أنطوان مدور وسمير جعجع الذي تحالف معه انتخابيا، وبين الركن اللبناني في حلف بغداد، في حينه الرئيس كميل شمعون وبين رئيس الجمهورية الحالي ـ المرشح الأوحد لـ"حزب طهران" ـ العماد ميشال عون الذي واجهه انتخابيا.

اقرأ للكاتب أيضا: اللاجئون السوريون وأصل العلة

إذن، وليد جنبلاط في توضيحه لـ"خسرنا" لم يكن ينظر إلى الداخل اللبناني إلا من منطلق أن بلاد الأرز مجرد نقطة على رقعة الشطرنج الإقليمي ـ الدولي، خصوصا أنه في حديثه لي الذي انتهى بإعلان قيام "حلف طهران"، تحدث عن مسيرته السياسية عابرا "الحلف الثلاثي" فحرب العام 1973 فاندلاع الحرب في لبنان فدخول الجيش السوري فاغتيال كمال جنبلاط (والد وليد جنبلاط) كبداية لهيمنة نظام الأسد على البلاد.

وبناء عليه، فـ"خسرنا" الجنبلاطية، تعني الكثير. وهي تلاقي كل تشخيص يجد أن نتائج الانتخابات اللبنانية أنهت حقبة التوازن في لبنان، إذ كرست، بانتصار برلماني، سيطرة "حزب الله"، بقوة الأمر الواقع سابقا، على القرار اللبناني.

بطبيعة الحال، من يذهب في هذا الاتجاه لا يبسط الأمور إلى مستوى القول بأن "حزب الله" كان يملك كتلة من 13 نائبا وخرج من هذه الانتخابات بكتلة مماثلة، بل يتعمق في قراءة المشهد، فيعرف أنه في الخيارات الكبرى لا فرق بين "حزب الله" و"حركة أمل" برئاسة نبيه بري اللذين احتكرا، لأول مرة التمثيل النيابي الشيعي، ولا بين القوى و"الشخصيات المسيحية والإسلامية"، التي عادت بقوة إلى المجلس النيابي بعدما كانت قد خرجت منه مع كسر الوصاية السورية على لبنان في العام 2005.

كما أن ليس بين هؤلاء من يسحره "التفكير الذي يعجبه"، بإمكان إعادة تموضع الرئيس ميشال عون بعيدا عن المحور الذي فرضه رئيسا للجمهورية، ذلك أن ثمة اختلافا عظيما بين تباين في الرؤية حول بعض الملفات المحلية وبين الاندماج المستمر في النظرة إلى موقع لبنان الإقليمي.

وجنبلاط من بين مجموعة قوى سياسية لا تثق بأن رئيس الحكومة سعد الحريري الذي ابتعد عن حلفائه الذي ترافق معهم ضمن "قوى 14 آذار"، على الرغم من نيته المحمودة، يملك القدرة على إعادة ضبط عقارب الساعة الاستراتيجية للبنان.

وانطلاقا من هنا، فإن "حزب الله" بات يقود تيارا لبنانيا عابرا للطوائف، فكما كان يسيطر على المناطق غير الشيعية بما يسمى بـ"سرايا المقاومة" بات يسيطر كذلك على المجلس النيابي بمن كانوا على رأس هذه الميليشيات التابعة لهذا الحزب المسلح.

في الخيارات الكبرى لا فرق بين "حزب الله" و"حركة أمل" برئاسة نبيه بري

​​وكما أن التسوية الرئاسية، التي تسببت باضطرابات للبنان في علاقاته مع غالبية دول الخليج تتقدمها المملكة العربية السعودية، قد أتت عشية وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كذلك فإن نتائج الانتخابات النيابية، التي جعلت العالم يحكم على لبنان بأنه بات تحت سيطرة "حزب الله"، قد صدرت عشية انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران.

اقرأ للكاتب أيضا: انتخابات لبنان: الخاسر الأكبر

وهذا الانسحاب الأميركي، وحتى إثبات العكس، سيؤدي إلى تصعيد كبير في المنطقة المنقسمة على نفسها، بين "حلف أميركا" من جهة وبين "حلف طهران" من جهة أخرى، وستكون "الفاتورة" من نصيب دول الخليج.

وأمام المعطى البرلماني الجديد، فإن شعار النأي بالنفس الذي كان ورقيا قبل الانتخابات ستحرقه الحماوة التي ترتفع في المنطقة.

وهذا كله، ستبدأ ترجمته بمناصب "مفتاحية" في المجلس النيابي وبعدها في الحكومة، قوى وبيانا وزاريا وقرارات تتضارب مع رؤية المجتمع الدولي.

ثمة من سوف يواجه بالتأكيد هذا التوجه، ولكن قدرته على الصمود ستكون مطروحة على بساط موقع لبنان المالي، من جهة أولى، وعلى رقعة حرب انتقلت من مرحلة قرع الطبول إلى مرحلة دوي الصواريخ، من جهة ثانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sheikh Tamim bin Hamad al-Thani, Emir of Quatar, deliver remarks before dinner with US President Donald Trump at the Treasury…

سبق أن تناولت موضوع تغلغل اليساريين والشيوعيين في الجامعات الأميركية، في مقال بعنوان: "عن القمع في المجتمع الجامعي الأميركي". ولتوطيد أيديولوجيتهم الفكرية يقومون بدعم الأقليات مثل الإسلاميين الذين يشاطرونهم نفس الأيديولوجية أو يتقاطعون معها. نتيجة لذلك لم تعد الجامعات في أميركا مكانا رحبا لتبادل الأفكار وتقبل الرأي الآخر، بل إن أي شخص يعترض على آرائهم يتهم بأنه عنصري أو متعصب أو كاره للإسلام حتى لو كان مسلما.  

ومن هذا المنطلق يمكن لنا نعتبر أنه بات تحالف اليسار في الولايات المتحدة الأميركية مع دعاة الإسلام السياسي واضحا وجليَّا للعيان، وهذا إما يكون بسبب اتفاق أيديولوجي لمحاربة خصوم اليسار أو لمصالح مادية مشتركة. وقد تجلى ذلك فيما نراه من اختراق وتمويل للجامعات الأميركية.

إن تمويل قطر السخي للجامعات الأميركية، هو أحد أشكال هذا التحالف. ويهدف إلى خلق نفوذ يخدم مصالح قطر، بحيث يمكنها من حشد قاعدة شعبية ورأي عام أميركي يكون مؤيد لها.

في نهاية عام 2019، اكتشفت وزارة التعليم الأميركية أن العديد من المؤسسات التعليمية في البلاد لم تبلغ عن أكثر من مليار و30 مليون دولار من التمويل الخارجي

تفاصيل هذا التمويل كشفها موقع The Washington Free Beacon الذي اعتمد على بيانات مذكرة رسمية تلقتها وزارة الخارجية الأميركية. وحسب ما ذكر في الموقع، أنفقت مؤسسة قطر 1.5 مليار دولار على الأقل منذ عام 2012 لتمويل مجموعة من المبادرات التعليمية في 28 جامعة في مختلف أنحاء أميركا، مما يجعلها واحدة من أكثر الممولين الأجانب في النظام التعليمي الأميركي.

ففي نهاية عام 2019، اكتشفت وزارة التعليم الأميركية أن العديد من المؤسسات التعليمية في البلاد لم تبلغ عن أكثر من مليار و30 مليون دولار من التمويل الخارجي، ودخول قطر كواحدة من أكبر الممولين في هذا المجال أثار الريبة حول نوايا قطر لتحويل المؤسسات الأكاديمية الأميركية إلى وكلاء فعليين لديها ينقلون ويروجون لتوجهاتها السياسية الداعمة للإسلاميين.

من المعروف أن قطر تنفق ما لا يقل عن 405 مليون دولار سنويا لتغطية نفقات ست جامعات أميركية ومقرها الدوحة. هذه الجامعات تشمل نورث وسترن، وتكساس إيه آند إم، وجورجتاون، وفرجينيا كومنولث، وكورنيل، وكارنيجي ميلون.

تنفق قطر أيضا أكثر من 30 مليون دولار على برامج تدريب موجهة نحو الشرق الأوسط للطلاب الأميركيين في مدارس مختلفة في جميع أنحاء الولايات المتحدة.   وقد ذكرت مجموعة قانونية أن هذا النقد هو جزء من "عملية نفوذ واسعة النطاق في أميركا" التي تمكن الأجندة القطرية بشكل أكبر.

ولا يعد تمويل الدوحة للمدارس والجامعات سوى نقطة في بحر محاولاتها المستمرة للتسلل داخل المجتمع الأميركي فهي تمول أيضا مؤسسات فكرية ومراكز بحثية بارزة مثل معهد بروكينغز.

بناء قاعدة شعبية في دولة أجنبية يمكن أن يعتبر أمر جيد يحسب لصالح قطر وقد يقع تحت بنود الدبلوماسية العامة وهذا ما تفتقده الدول المقاطعة لقطر في الداخل الأميركي

من أهم دوافع قطر لكل هذه التمويلات هو خلق قاعدة شعبية لها وذلك ليس فقط لتحسين صورتها في المجتمع الأميركي بقدر ما هو تشويه لسمعة خصومها وعلى وجه التحديد المجموعة الرباعية المقاطعة لها، أي السعودية ومصر والإمارات والبحرين.

فالقاعدة الشعبية لقطر في الداخل الأميركي لها شقين: الشق الأول، من خلال دعم جماعات الإسلام السياسي المتمثلة تحديدا بالإخوان المسلمين المقيمين في أميركا. أما الشق الآخر من خلال تمويل ودعم الجامعات ومراكز الفكر ذات التوجه اليساري والتي لها اختلافات أيديولوجية مع الدول المقاطعة لقطر بسبب ميول تلك الدول سياسيا للمدرسة المحافظة الغربية.

فكثير من الأكاديميين والباحثين وهيئات التدريس في أميركا لديهم توجهات يسارية معادية بشدة لهذه المدرسة المحافظة وتناهض من يؤيدها. قطر من خلال تمويلها تلعب على هذه النقطة.

إن بناء قاعدة شعبية في دولة أجنبية يمكن أن يعتبر أمر جيد يحسب لصالح قطر وقد يقع تحت بنود الدبلوماسية العامة وهذا ما تفتقده الدول المقاطعة لقطر في الداخل الأميركي، لكن عندما يكون التمويل بهذا الشكل الكبير للجامعات ومراكز البحوث وأيضا يكون هناك استغلال لاختلافات أيديولوجية بين الشعب الأميركي، قد يحول هذه القوة الناعمة من مصدر توطيد علاقات إلى تأجيج صراعات على الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية وأيضا الخارجي.