البابا فرنسيس
البابا فرنسيس

يتبع ثلث سكان العالم الديانة المسيحية بعدد يصل إلى 2.2 مليار إنسان وهي أكبر ديانة في العالم، كما أنها من أسرع الديانات انتشارا، إذ يعتنق المسيحية سنويا 30 مليون شخص. ولتوضيح ذلك، يبلغ عدد المسيحيين في الصين اليوم 150 مليونا ومن المتوقع وصول العدد إلى 400 مليون عام 2040.

يشكل الكاثوليك أكثر من نصف المسيحيين 1.2 مليار إنسان. يتميز المذهب الكاثوليكي بوجود مرجعية وسلطة روحية عليا تتولى أموره، وفي قمة هذه السلطة البابا وهو رأس الكنيسة الكاثوليكية وخليفة القديس بطرس، وينتخب مدى الحياة. البابوية هي أكثر المؤسسات ديمومة، إذ إن عمرها يصل لألفي سنة، ساعدت خلالها على انتشار المسيحية وحسمت الخلافات المذهبية والسياسية ودعمت ومولت العلوم والفنون خاصة خلال عصر النهضة.

في الماضي كان للبابا سلطات واسعة خصوصا مع تنازل الكثير من الإقطاعيين عن بعض أراضيهم للأسقفيات فاختلطت خلالها السلطة الدينية بالسلطة الدنيوية عند بعض رؤساء الأديرة والأساقفة والذي تطور في العصور الوسطى إلى الدول الدينية والإمبراطوريات المقدسة والتي تناوب على السلطة العليا فيها الملوك والباباوات ورافقها أحيانا سوء استغلال للسلطة، مما أدى في النهاية إلى قلاقل وثورات انتهت بانفصال الكنيسة عن الدولة وبداية العصر الحديث.

قال البابا في أول لقاء صحفي إنه يريد كنيسة فقيرة تدافع عن الفقراء

​​رغم أن سلطة البابا في العصر الحديث اقتصرت على الأمور الدينية ولكن حجم التأثير المعنوي الذي يملكه على مئات الملايين من المؤمنين عبر العالم لم يكن قليلا، وقد لعب بعض الباباوات دورا سياسيا بارزا وكان لمواقفهم تأثير كبير على العالم مثل البابا يوحنا بولس الثاني، البولندي الأصل، والذي كان مصدر إلهام في دعم الثورة السلمية التي قادتها نقابة التضامن العمالية البولندية في ثمانينيات القرن الماضي والتي كانت شرارة أدت إلى انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية.

وعندما التقى مع الرئيس السوفييتي غورباتشوف قال الأخير بختام اللقاء: "إن انهيار الستار الحديدي كان مستحيلا لولا يوحنا بولس الثاني". وفي 6 أيار/مايو 2001 فتح هذا البابا صفحة جديدة في العلاقات مع العالم الإسلامي عندما دخل إلى المسجد الأموي في دمشق وأقام الصلاة أمام ضريح يوحنا المعمدان "النبي يحيى" وقبل القرآن وألقى خطابا قال فيه "إن المسلمين والمسيحيين قد أساؤوا إلى بعضهم البعض ونحن نطلب الاستغفار على ذلك من الله ونقدم اعتذارا عن أي خطأ آخر".

اقرأ للكاتب أيضا: المأزق الذي يواجه "الإخوان المسلمين" في سورية

يوجد في أميركا اللاتينية أربعون في المئة من كاثوليك العالم. وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي سيطرت ديكتاتوريات عسكرية على الحكم هناك وانتشر الفقر والبؤس فنشأ تحالف بين الحركات السياسية الوطنية واليسارية مع بعض رجال الدين الذين تبنوا ما أسموه لاهوت التحرير الذي يؤمن بأن إنجيل المسيح يقول بأن تركز الكنيسة جهودها على تحرير الإنسان من الفقر والقهر، وإن المسيحيين يجب أن يعملوا من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية لجميع الناس. وعلى الرغم من أن لاهوت التحرير لم يشمل كل رجال الدين في أميركا اللاتينية لكن كانت له آثاره المباشرة على الكنيسة الكاثوليكية هناك والتي تميزت بالتقشف والتعاطف مع القضايا الإنسانية والإيمان بفكرة العدالة؛ من هذه البيئة، ومن الأرجنتين تحديدا، أتى البابا فرنسيس البابا السادس والستين بعد المئتين للكنيسة الكاثوليكية.

البابا فرنسيس هو أول بابا من القارة الأميركية وأول بابا يأتي من الرهبنة اليسوعية. وقد أوحى بتوجهاته عندما اختار لنفسه اسم فرنسيس تيمنا بالقديس الذي بزغ اسمه في القرن الثالث عشر كإصلاحي ومتقشف وداعية إلى مساعدة الفقراء وإعادة بناء الكنيسة.

لم يرتد البابا في حفل التنصيب الصليب الذهبي ولا الثياب التقليدية الحمراء واستقبل الكرادلة واقفا غير جالس على العرش كما جرت العادة، وغادر المصطبة لمصافحة بعض الكرادلة.

اختار البابا لإقامته نزلا صغيرا مخصصا لضيوف الفاتيكان بدل القصر الرسولي الكبير، ولم يركب سيارات الليموزين الفاخرة بل سيارة عادية وعندما أهداه أحدهم سيارة لامبرغيني باعها بمزاد وتبرع بثمنها للجمعيات الخيرية.

وقال البابا في أول لقاء صحفي إنه يريد كنيسة فقيرة تدافع عن الفقراء. وله موقف واضح في تبني قضية العدالة الاجتماعية وانتقاد الهياكل الاقتصادية الظالمة التي تسبب عدم مساواة وانتهاكات لحقوق الإنسان، ووصف الديون الاجتماعية بأنها غير أخلاقية وغير عادلة وغير شرعية.

رفض البابا الماركسية رغم صداقته لبعض الماركسيين ولكنه يوافق على الكثير من لاهوت التحرير ويعتبر أكثر تشددا من أسلافه فقد كان يؤكد لقساوسته في الأرجنتين أن عليهم أن ينظروا للعالم بعيون الفقراء من خلال العيش معهم وقد نقل ذلك معه إلى روما.

أدلى البابا الجديد بالكثير من التصريحات المثيرة للجدل والتي انتشرت عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؛ في حزيران/يونيو 2013 قال البابا: "إن الرب قد افتدى الكل بدمائه وليس الكاثوليكيين فحسب بل الجميع حتى الملحدين، يا أبانا أجل الجميع". ويركز في خطاباته على الرحمة "يبدو أن سر الإيمان المسيحي قد وجد ملخصه في هذه الكلمة" والتي تشمل الجميع والتي لا تقتصر على الكاثوليك ولا حتى المسيحيين بل تشمل الإنسان، "الرحمة التي دعينا إليها تعانق الخليقة بأسرها" (المقابلة العامة 28 تشرين أول/أكتوبر 2015). كما يقول البابا: "لا يوجد خطيئة لا يمكن لله أن يغفرها إن التجأنا إليه".

الكثير من رجال الدين المسلمين قد أغلقوا باب الاجتهاد منذ قرون طويلة مما أدى لهذا الجمود الذي نراه اليوم

​​وفي نهاية عام 2013 نسبت للبابا تصريحات قال فيها: "إن الله يعيش داخلنا وداخل قلوبنا فعندما نتقاسم المحبة مع العالمين نتلمس الله داخلنا ونتعرف عليه (...) الكنيسة لم تعد تؤمن بوجود جحيم فعلي يعذب فيه الناس، لأنه غير متوافق مع المحبة المتناهية لله لأنه صديق وحاضن للبشرية وليس قاضيا ينزل الأحكام، إننا نرى أن الجحيم استعمال مجازي للتعبير عن الأرواح المعزولة والتي ستتوحد في الحب مع الإله كباقي الأرواح". ورغم أن هذا الكلام لم يصدر بشكل رسمي من أي مصدر كنسي ولا في تصريحات رسمية من الفاتيكان ولكنه انتشر بشكل واسع وكان له صدى كبير.

ولكن ما يتم تناقله كل حين عن لسان البابا، وإن كان غير دقيق دائما، ليس بعيدا عن تصوراته المعلنة حول الرحمة الشاملة والأفق الإنساني الواسع بما يتماشى مع ما عرف عنه خلال تاريخه. خلال السنوات المقبلة ستتوضح أكثر رؤية البابا للمواضيع اللاهوتية والإنسانية، ولكن المواضيع التي طرحها أصبحت مادة للنقاش، حول الله والرحمة والمحبة كبديل للترهيب والخوف، وحول طريقة العقاب وسعة الرحمة عند الله التي تشمل جميع المؤمنين من مختلف الأديان والطوائف لأن الله موجود في قلوبهم والتي تشمل حتى الملحدين. من الطبيعي أن تواجه هذه الآراء الثورية الكثير من المقاومة من رجال الدين التقليديين في كل مكان ومن مختلف الأديان.

اقرأ للكاتب أيضا: علاقة الرسول بالمسيحية قبل الدعوة الإسلامية

قبل أيام اعتقلت الشرطة المصرية المدون شريف جابر ومن التهم التي تم توجيهها إليه إنكاره الجنة والنار، ولا نعلم ما هو رأي الذين أقاموا الدعاوى القضائية ضد هذا المدون وقبله العشرات بما قاله البابا؟

وقبل أن يجيبوا عن هذه التساؤلات فإن هناك مشكلة أساسية تواجههم وهي غياب مرجعية إسلامية واحدة متفق عليها تستطيع تنظيم أمورهم دينيا وتقديم الفتاوى حول المستجدات الحديثة على المستويات الدينية والدنيوية، خصوصا أن الكثير من رجال الدين المسلمين قد أغلقوا باب الاجتهاد منذ قرون طويلة مما أدى لهذا الجمود الذي نراه اليوم حتى في أبسط المواضيع، فكيف بمناقشة المسلمات الكبرى كما تفعل بين فترة وأخرى بقية الديانات، التي تعيد النظر في الكثير من طقوسها ومعتقداتها وتفتح أبوابا للتأقلم مع تطورات العصر السريعة.

الخطوة الأولى أمام المسلمين هي العمل على تشكيل هذه المرجعية ومن ثم فتح الباب لمناقشة كل المواضيع الجديدة من دون خطوط حمراء أو محظورات وبعقل مفتوح على الطريقة الثورية التي يبشر بها البابا فرنسيس.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.