تظاهرة تدعو لدولة علمانية في لبنان (أرشيف)
تظاهرة تدعو لدولة علمانية في لبنان (أرشيف)

بقلم مالك العثامنة/

أحيانا أتابع التعليقات الواردة على صفحة قناة الحرة المنشورة على موقع فيسبوك، والصفحة مفتوحة بالمطلق لكل التعليقات الواردة لها، مع رقابة محدودة جدا على الشتائم المقذعة وغير اللائقة، وما عدا ذلك من اتهامات وشتائم وسباب متوفر وبكثرة للمعلقين من العالم العربي.

متابعة التعليقات ضرورة لأي كاتب لعل وعسى أن يجد بينها تعليقا موضوعيا يصحح معلومة في مقاله، أو مخالفة في الرأي "موضوعية أيضا" تستحق المتابعة ولا أخفي أنني أجد (قليلا طبعا) تعليقا موضوعيا يخالفني الرأي لكنه يعطيني مفاتيح تفكير مغايرة تجعلني أرى جوانب لم أرها من قبل.

التفاعل مع القارئ يجب أن يكون موجودا ضمن معايير الرد الموضوعي لا المتعصب أو المتشنج الخالي من أي مضمون والأهم أنه بعيد عن موضوع نص المقال بل ويوحي المعلق برده المتشنج أنه لم يقرأ النص جيدا حتى وأصدر حكمه إما من العنوان أو انطلق يرد بعد قراءة أول سطرين من النص.

المجتمعات العلمانية وضمن أطر قانونية لا جدل فيها حددت بالقانون سن الزواج فمنعت زواج القاصرات حماية للطفولة

​​أكثر ما كتبت في العلمانية وضرورة الإصلاح الديني في العالم العربي، والدعوة إلى دولة المؤسسات والقانون العلمانية، وأكثر الردود (وهي بالمئات على كل مقال)، تكيل الاتهامات لي وللعلمانية بما مفاده الدعوة إلى الإباحية الجنسية والانحلال الأخلاقي في المجتمع.

هناك ربط دائم بين الدعوة إلى العلمانية "كضابط حياد للمجتمع والدولة" وبين الجنس والأخلاق بشكل سلبي للغاية، وهذا يدفعني للتساؤل عن مرد هذا الربط وأسبابه مع أنني في مقالاتي لم أذكر الجنس في كل ما ذهبت إليه!

اقرأ للكاتب أيضا: هيستيريا حزب الله وتراجيديا شكسبير

المشكلة ليست في مفاهيم العلمانية ولا الدولة المدنية والمؤسسات والقانون، ولا حتى في كاتب المقال، بل هي موجودة كعقدة راسخة في وجدان المتعصبين أنصاف الأميين الذين تم تعبئتهم عبر شيوخ الضلالة وبمنهجية عميقة في التعليم والتربية الدينية أن كل ما هو معارض لهذا التعصب الديني ليس أكثر من تهديد أخلاقي للمجتمع على افتراض أنه "ملائكي" وتهديد للعلاقات الأسرية التي تدعو تلك المفاهيم "الدنيوية" إلى تفكيكها وجعل الجنس مباحا ومشاعا بين الجميع ثم خلق صور نمطية على أن المنادين بالعلمانية هم "حيوانات جنسية" تدعو إلى الرذيلة والفسق والفجور.

لكن وبما أن الاتهامات صدرت، فإن مراجعة تاريخية للمفاهيم العلمانية والمدنية تدلل على أن غالبية المنادين بتلك القيم المدنية في الدولة والمجتمع كانت قراءتهم للعلاقات الجنسية ذات موقف محايد، فلا تجبر الأفراد ولا توجههم على سلوك جنسي محدد، فهي لا تجبر الأفراد على ممارسة الجنس خارج منظومة الزواج ولا تمنعهم من ذلك أيضا، بل تترك الأمر للمجتمع ليحدده عبر قنواته المؤسساتية من خلال قوانين الأكثرية القابلة للتغيير في حال تغيرها. والعلمانية لا تدعو الدول إلى السماح بزواج المثليين ولا تقف ضد ذلك أيضا، فهو أمر متروك للمجتمع وقيمه المجتمعية التي يعبر عنها عبر قنواته الدستورية والقانونية. العلمانية هي أن تترك القرار للمجتمع بفرزه الطبيعي لتلك القرارات، لا أكثر ولا أقل.

في الولايات المتحدة مثلا، هناك ولايات صوتت لزواج المثليين وهناك ولايات ترفض ذلك عبر التصويت، في دول أوروبا نفس التفاوت في هذه القضية.

الحرية الجنسية في بعض دول الغرب، وليس كلها، تبعت ظهور العلمانية وهي كانت مرافقة لتطور المجتمعات واتساع وتنامي مفهوم الحريات اطرادا مع الزمن، بينما المفهوم العلماني الذي انتهجته تلك المجتمعات كان سابقا لتلك الحريات الجنسية بخمسمئة عام تقريبا.

لكن، تلك المجتمعات العلمانية وضمن أطر قانونية لا جدل فيها حددت أيضا وبالقانون سن الزواج فمنعت زواج القاصرات حماية للطفولة، وجرمت الاغتصاب (حتى الاغتصاب الزوجي)، وتشددت في تقوية قوانين الزواج بما يضمن حق الطرفين فلا يظلم أي طرف مع تشديد صارم ضد أي سلوكيات توحي باستغلال جنسي من أي طرف تجاه الطرف الثاني.

الحرية الجنسية في بعض دول الغرب، وليس كلها، تبعت ظهور العلمانية وهي كانت مرافقة لتطور المجتمعات

​​في المقابل، فإن دعاة الأصولية (وهم ليسوا حكرا على الدين الإسلامي وحسب بل في طوائف وأديان أخرى على هذا الكوكب)، فقد غلفوا الممارسات الجنسية المنتهكة للمرأة وحقوقها وللطفل وحقوقه بصيغة المقدس، فتركته ينفلت لصالح "الذكر" في إعادة إنتاج لذكر القبيلة المسيطر، ورأينا في نماذج العالم العربي (حيث ترد التعليقات المتشنجة التي تتهم العلمانية بالإباحية) صيغا من الاغتصاب الجنسي والدعارة المنظمة مثل زواج المسيار وما يقابله من زواج المتعة، حتى أن زواج القاصرات وبأعمار طفولية جدا شرعته الأفكار الأصولية كحلال وقد وضعت جدران حماية مقدسة على فتاويها تحت طائلة هدر الدم أحيانا.

اقرأ للكاتب أيضا: ماكينات تفريخ الجهل والعتمة

باختصار:

في المجتمع العلماني ودولة المؤسسات والقانون حيث الأكثرية تقرر والأقلية تحترم مع تداول هذه الصفات بينهما في حركة صيرورة مستمرة تعكس النبض الحي للمجتمع، فإن الجنس تضبطه قواعد يراها المجتمع نفسه، ويقررها قانونه الذي يفرزه بنفسه.

تكمن المفارقة في أن أغلب أحزاب اليمين الأوروبية (أو الجمهوري الحاكم حاليا في الولايات المتحدة) هي أحزاب محافظة تتفق مع اليمين العربي الديني في قضايا الأسرة ومؤسسة الزواج ومنع الإجهاض والوقوف ضد منح مزيد من الحقوق للمثليين.

أنا شخصيا في بلجيكا، أقوم بالتصويت ضد مزيد من الحقوق للمثليين، وأدعو إلى قيم محافظة في المجتمع عبر قوانين ترسخ فكرة المؤسسة الزوجية لكنني لا أدعو إلى قتل من يخالفني وكذلك أراعي حق الأطفال في عيش صحي سليم ومعافى من التطرف والعصبية ومتخم بالحرية، تلك الحرية المسؤولة تحت مظلة الحقوق والواجبات.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.