ممارسة اليوغا في ساحة الشهداء في بيروت (ارشيف)
ممارسة اليوغا في ساحة الشهداء في بيروت (ارشيف)

بقلم كوليت بهنا/

على مدى سنوات طويلة، نجح لبنان عبر وسائل إعلامه المختلفة في الترويج الإعلامي الناجح لأي حدث يحصل على أرضه أيا كان نوع هذا الحدث، سياسيا أو فنيا أو ثقافيا أو رياضيا؛ بحيث تمكن هذا البلد الصغير في حجمه، الكبير في تأثيره، في استقطاب الاهتمام العربي الدائم بقضاياه، وشد الأنظار إليه ومراقبة شاشاته المختلفة لمتابعة أخباره المثيرة.

آخر هذه الأحداث، الانتخابات النيابية التي انتهت قبل أيام، واستطاعت هذه "العجقة" الإعلامية، بغض النظر عن نتائجها، أن تثير مجددا أشجان الآخرين في فن الديمقراطية وإعجابهم المقترن ببعض الغيرة الإيجابية، بحيوية هذا البلد الفريد في تجربته بين أقرانه العرب.

لا يتردد اللبنانيون باستعمال شارعهم للتظاهرات أو الاعتصامات أو الاحتفالات أو الاشتباكات

​​فرادة اللبنانيين ليست حديثة العهد وتعود بتاريخها إلى بداية نشوء هذا البلد الذي عرف تاريخيا بانفتاحه على العالم كواحد من أهم مرافئ البحر الأبيض المتوسط، وكأرض خصبة للخبرات والكفاءات والمواهب التي تسعى دول العالم إلى استيرادها وتوظيفها. ورغم أن لبنان هو الامتداد الجغرافي والطبيعي لما عرف تاريخيا بأرض بلاد الشام، إلا أن المناخ الحر الذي كرسه حكماؤه وعقلاؤه عبر حرصهم الدؤوب على تعليم أبنائهم في أفضل الأكاديميات العلمية التي وجدت على أرضه أو السفر إليها مهما كلفت، لعبت دورها الحضاري البناء وأثمرت شعبا متميزا، وقد عبر ذات يوم أحد السفراء الكنديين عن هذا الأمر أفضل تعبير في تبريره لفتح باب الهجرة إثر الحرب الأهلية اللبنانية بأن بلاده فخورة بقدوم اللبنانيين إليها لأنهم "شعب قادر أن يعمر كندا".

اقرأ للكاتبة أيضا: العنصرية ومناهضوها

لبنان الذي كان ولا يزال، واحة الحرية التي لا يستغني عن زيارتها معظم العرب، واعتادوا انتظار انتهاء أية مشكلة تعصف بلبنان، ليعاودوا المجيء إليه بشوق ولهفة مع إحلال الهدوء والأمن في اليوم التالي. ولطالما سعى عدد من الساسة العرب للتدخل الفوري وتقديم ما أمكن من وساطة لحل أي مشكلة لبنانية طارئة وإعادة الاستقرار إليه، وكأنه طفل جميل ومشاكس يتبنونه وجدانيا، ولا يكونون بخير إن لم يكن هو بخير.

لبنان بلد المتناقضات العجيبة. متناقضات صنعت فرادته ومعها صنعت الدهشة المستمرة للآخرين في كيفية إدارة هذا البلد للعبة التوازنات والمتناقضات معا. هنا تستمع عبر محطات التلفزة والراديو والصحف إلى كل الأصوات المختلفة سياسيا وطائفيا، ويمكنك خلال أقل من نصف ساعة أن تستمتع بالحرارة على الشواطئ والبرد في أعالي الجبال. ويبدو المشهد عاديا ومعتادا فيما لو صادفت مسلمات محجبات أو راهبات مسيحيات تسير بمحاذاتهن شابات بالـ"ميني جوب" أو الـ"شورت"، وعلى الرصيف ذاته يعرض أحدهم الكتب الدينية أو الفقهية جنبا إلى جنب مع كتب عن الرأسمالية أو الليبيرالية أو كتب ومجلات ذات إيحاءات جنسية.

إلى أرض لبنان، لجأ دوما معذبو الأرض الباحثين عن الحرية بكافة مشاربهم الفكرية والثقافية

​​إلى أرض لبنان، لجأ دوما معذبو الأرض الباحثين عن الحرية بكافة مشاربهم الفكرية والثقافية، ومنه برزت أسماء أهم الكتاب ودور النشر والحركات المعارضة لبلادها. وفيه صورت بعض أجمل الأفلام السينمائية العربية والعالمية. وفي لبنان فقط يمكنك أن تعثر على لبن العصفور، وتستمتع برؤية أحدث أنواع السيارات وأحدث صرعات الموضة حيث يحرص الجميع على المظهر الخارجي حتى لو أنفقوا 90 في المئة من رواتبهم، دون أن يهملوا مظهر بيوتهم وبخاصة من الناحية الخارجية المطلة على الشارع في فلسفة تفسر بارتباطها بالإحساس الفطري بالمواطنة حيث يدرك اللبنانيون جيدا أهمية ومعنى الشارع جماليا ومعنويا.

اقرأ للكاتبة أيضا: في وداع مبدع كبير طار فوق "عش الكوكو"

وبفضل مناخ الحرية والديمقراطية اللذين يتمتع بهما، وإن اختلفت نسبتهما بحسب الظروف والأزمان، لا يتردد اللبنانيون باستعمال شارعهم للتظاهرات أو الاعتصامات أو الاحتفالات أو الاشتباكات التي تشتعل خلال خمس دقائق، ولا يفهم المرء من أية فوهة شيطانية يخرج هذا الشعب الجميل ـ النزق أسلحته من تحت سابع أرض وهو الذي كان ينتخب ملكات الجمال لتوه قبل دقائق.

لبنان، برغم كل عيوبه ومثالبه والوحوش التي تستوطن بأرضه أو تتربص به دوما، يبقى حلم الجميع المشتهى الذي يعجبون به، لكنهم يخشون استنساخ تجربته في بلادهم المطوقة بالكوابيس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.