يتصفح أحد كتب نوستراداموس (أرشيف)
يتصفح أحد كتب نوستراداموس (أرشيف)

بقلم رياض عصمت/

ينتاب بعض البشر شغف بالعالم الخفي أو الميتافيزيقي أو المستقبلي. وتتراوح أبعاد ذلك بين الهوس بالأبراج وببطاقات "تاروت" لكشف البخت وبقراءة فنجان القهوة وبالتنجيم بالودع وبقراءة الكف.. إلخ من وسائل كشف حجب المستور من الماضي المنسي واستقراء آفاق الغد المجهول بما فيها الصحة والثراء والسعادة.

كثير من زعماء العالم، ومن مشاهير فنانيه، شغفوا بهذا وكرسوا له ثرواتهم، رغم أن الاعتقاد ما زال سائدا أنه "كذب المنجمون ولو صدقوا". ومنذ نوسترداموس، إلى راسبوتين إلى طرطوف إلى أولئك الذين يملكون مفاتيح التأثير الروحي، من الهيمنة عن طريق الوعظ وإثارة تأنيب الضمير، إلى قراءة الفلك واستقراء الغيب عبر مفاتيح يعتبرها بعضهم علمية ويعتبرها آخرون وهمية وخادعة، فإن البشرية ظلت تبحث عبر شخصية العرافة أو الكاهن المنجمة أو الساحر عن أسرار القوة والنفوذ وعن الاطمئنان وراحة البال وربما عما يطيل أمد العمر ويبعد الحساد ويحبط مؤامرات الأعداء. 

لكن كل هذه الجهود لم تؤد بالبشر أن يصبحوا أكثر حكمة في مواجهة الحاضر، أن يتعظوا من عبر الأمس، أن يتجنبوا الوقوع في حفر الغد، وأن يعملوا لما فيه خير أوطانهم، سلامة أبدانهم، راحة عقولهم وهدوء أرواحهم. ما زال يحكم الغالبية العظمى السعي وراء المصلحة الراهنة، والتقدير للأمر الوشيك، كأنما يتعاملون مع "البورصة"، أو يشترون ورقة يانصيب، أو يدخلون غمار مناقصة.

هل يستطيع المرء، مهما بلغت مهارته وحدة بصيرته، تأكيد ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد؟

​​رغم كل، فإن كثيرا من الناس يملكون هوسا بتفسير أحلامهم، ومحاولة استقراء المخفي في واقعهم المعاش من خلالها، ماضيا كان أم مستقبلا. شخصيا، أعتقد أن "الحلم جنين الواقع،" ولا أجد تفسيرا أفضل للأحلام عامة من البحث في ثنايا اللاشعور عن عقد كامنة ورغبات مكبوتة هي نتاج الحياة الحقيقية، حيث يتحول جزء من الوعي المجهض إلى اللاوعي، ويطل فقط عبر أحلامنا، وربما كوابيسنا. رغم هذا، يظل شغف معظم الناس بالبحث عن مرجع معتمد لتفسير أحلامهم، سواء كان عند ابن سيرين أو عند سيغموند فرويد أو عند مؤلفي عديد من شبه القواميس الحديثة التي تساعد على قراءة الأحلام، كما هي قراءة "البخت" في فنجان قهوة، أو بإلقاء الودع و"التبصير" حسب وضعياته كما يفعل البدو. لكن أصل الأحلام نفسي بحت، لا علاقة له بالغيب، خاصة عندما يتعلق الأمر بما لم يحدث بعد في المستقبل، من موت أو ولادة.

اقرأ للكاتب أيضا: مؤتمر الطيور

حين كنت مقيما في سان فرانسيسكو كباحث فولبرايت قبل ثلاثين عاما، كنت أتردد إلى مكتبة من طراز غريب في بيركلي، ولم يكن لها آنذاك سوى فرع آخر في مدينة بوسطن على الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة الأميركية. ما أن تلج خطا المرء مكتبة "شامبلاه"، حتى تداعب خياشيمه رائحة البخور، وتجذب بصره مجموعات ملونة أنيقة من بطاقات "تاروت" المعدة لقراءة الطالع. في فيلم جيمس بوند "عش ودع غيرك يموت" من بطولة روجر مور، نجد المجرم الرئيسي الملون يحتفظ بشابة بيضاء جميلة (لعبت دورها جين سيمور) لأنها تحسن قراءة طالعه بأوراق "تاروت". لكننا ما نلبث أن نكتشف عبر حبكة الفيلم أن الحب يغير حتى الطالع، ويقلب ثقة المجرم إلى شك، مما يجعل "قارئة البخت" تصبح مع العميل البريطاني الوسيم طريدة راعيها السفاح، لتفضح مع العميل 007 أن طقوس "الفودو" التي يستخدمها ويهيمن بواسطتها ليست إلا مجرد أوهام يراد منها ترويع بسطاء العقول من الناس عبر إقناعهم بوجود "الزومبي" الذين ينهضون من قبورهم، ولا يؤثر فيهم الرصاص.

بإمكان زائر مكتبة "شامبلاه" أن يقضي ساعات وهو يتصفح عناوين رفوف الكتب فقط، وأكثرها كتب عن الأبراج، سواء الأوروبية أم اليابانية والصينية، (وهناك ـ بالمناسبة ـ أبراج عربية تعتمد نظاما رقميا، وتسميات مغايرة) كما يستطيع أن يقلب مئات الكتب الروحانية عن ثقافات ومعتقدات الشعوب الأخرى.

وفي قسم آخر، ثمة رفوف مخصصة للسحر، سواء كان سحرا أسود أو أبيض. وهناك عديد من الكتب عن قراءة الكف والملامح والحركات. وثمة قسم آخر يعنى بما يشبه علم النفس، ولكنه علم نفس روحاني، يتعلق بغرائب الفراسة والاستقراء والتنبؤ بالغد المجهول، متخذا أمثلة من حياة وعلاقات المشاهير. هذا، فضلا عن مجال "التيليباثي"، أو التخاطر عن بعد، وسواه مما يتصدى لما وراء العلوم المألوفة والمعروفة.

هنا، لا بد للمرء أن يتساءل: ترى، هل يمكن أن تصح وتصدق أنباء الكتب، بحيث تستجر آلاف المتعلمين، وعديد من المثقفين، لاقتناء هذا الطراز من المطبوعات، وتزجية الوقت معها؟ يتفاوت الجواب حسب اعتقاد الإنسان العاطفي أولا، وقناعته العقلية ثانيا، بأولئك الذين يقنعونه بمصداقية التنبؤ بالغيب واستقراء المجهول، رغم أن أغلبية الاستنتاجات تتعلق بالماضي، وليس بالمستقبل.

في عصرنا الراهن، صار عتاة المستبدين هم من يروج للخرافات، يروع الآمنين تارة، ويزين المستقبل تارة أخرى بإغراءات سرعان ما يكتشف الناس أنها ـ كما يقول التعبير الأدبي القديم ـ "أضغاث أحلام".

إن المستقبل مجهول، مهما حاولنا استقراءه. لا يمكن فعليا التنبؤ التام فيما إن كان مشرقا أم كالحا. نحن نتنبأ حسب الظروف المعطاة، وهذه الظروف متغيرة، وليست ثابتة. لماذا اخترعت مؤسسات البحث الفكري (Think Tanks) إذا كانت هناك وسائل غيبية أخرى تستطيع أن تخترق لزعماء العالم حجب المستقبل، كما كان يجري في زمن الحروب الصليبية وهولاكو المغولي؟ وهل يتطابق "الحافر على الحافر" يا ترى بين قارئة فنجان وقارئ كف، وبين منجم وعرافة؟ كثير مما يتوق السياسيون لاستخلاصه من بين حجب الواقع الراهن هو، في حقيقة الأمر، لا يعدو أن يكون محض احتمال.

إن المستقبل مجهول، مهما حاولنا استقراءه. لا يمكن فعليا التنبؤ التام فيما إن كان مشرقا أم كالحا

​​المشكلة هي الدعاوى لعدم التمييز بين اختلاف التفسير عن التأويل. التفسيرات تنجم عن منطق تحليلي وقراءة للتاريخ القديم والحديث، وبالرغم من ذلك نجدها قد تصيب أم تخيب. أما التأويل فهو شبه "طلقة في الظلام"، أو "رمية من غير رام". قد يكون في بعض الأحيان مجرد استنتاج تعوزه المصداقية، أو يفتقر إلى السبب، معتمدا على إرضاء السامع بالمأمول والمنشود من قبله.

اقرأ للكاتب أيضا: مقياس السعادة

هكذا، رغم ولع كثير من السياسيين والزعماء باستقراء المستقبل عن طريق علماء الفلك والمنجمين، دعونا نسائل أنفسنا بكل حيادية: هل يستطيع المرء، مهما بلغت مهارته وحدة بصيرته، تأكيد ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد؟ هل كانت كاساندرا وزرقاء اليمامة ونوسترأداموس وسواهم يتمتعون بمواهب خارقة حقا، أم أن تفسير أعاجيبهم ناجم عن تأويل أقاويل وأشعار رمزية غامضة لدرجة الإبهام، بحيث تنوس بين كونها "مجرد التكهنات" أو"بالونات اختبار؟" يقول المثل: إن الإنسان يشاء، والأقدار تفعل ما تشاء. ويقول مثل آخر: "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". كثيرا ما نفاجئ بالموت، أو بمرض عضال، الذي يحول مسيرة تاريخية جرى التخطيط لها عن مسارها.

نقرأ هذه الأيام تحليلات تنذر بحرب، لكننا نلاحظ أن ثمة إشارات قد توحي بالمقدار نفسه بإمكانية السلام. وكثيرا ما نجد طرفا يطمئن إلى دعم معين، ولكن تبدل المصالح قد يضعه في مواجهة قوى عاتية، فينقلب موقفه إلى نقيض ما كان يرفضه. بالتالي، صدق القول القائل: "ليس في السياسة صداقات دائمة". إن المشكلة تكمن في بعد أم قصر النظر، فمن ذا الذي يقبل منطقا يغلب المصلحة الآنية على المصلحة الاستراتيجية؟ كذلك، فإن اللعب على وتر المصالح يمكن أن يغير كثيرا من التحالفات، التي تبدو لوهلة وكأنها أبدية، ولكن مسار التاريخ قد يحول نقاط القوة إلى نقاط ضعف، والعكس صحيح.

بالتالي، فما يبدو لوهلة عامل قوة، قد يتحول على مر الزمن إلى عامل ضعف. كذلك، يمكن لما يبدو أنه ضعف أن يغدو عامل قوة في المستقبل. هذا لا يحتاج إلى كتب عن الأبراج والروحانيات التي تعج بها مكتبة مثل "شامبلاه" وعالم الإنترنت، ولا إلى عرافين وواعظين ومحللي فلك وقراء كف وضاربات ودع وسواهم، بل يحتاج إلى بصيرة وحكمة، كما يحتاج إلى نوايا حسنة تجعل مصلحة الأوطان الصغيرة تتماهى مع مصلحة الأمة الكبيرة، ومن ثم تؤدي إلى أمان منطقة جغرافية شاسعة بأسرها، ومن ثم إلى استقرار العالم أجمع، وذلك عبر التخلص من العدوان والاستبداد والاحتلال، وكذلك عبر القضاء على الإرهاب العشوائي الذي صار يهدد الأرواح البريئة، فكلها عوامل تؤدي بعد الاحتقان إلى انفجار كارثي. وقتها فقط، يمكننا التمتع بأحلام واقعية منشودة وقابلة للتحقق، وليس التعلق بأضغاث أوهام تنقشع كما الغمامات العابرة في مساء ربيعي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.