المجتمعات الإسلامية اليوم في حاجة ماسة لإعادة اكتشاف فكر الاعتزال
المجتمعات الإسلامية اليوم في حاجة ماسة لإعادة اكتشاف فكر الاعتزال

بقلم بابكر فيصل بابكر/

تسيدت النظرة السلفية الضيقة المشهد الحضاري الإسلامي منذ عهد الخليفة العباسي المتوكل وتوحدت مع السلطة، لأن السلطة دائما من مصلحتها تغييب عقل القاعدة الجماهيرية العريضة حتى يسهل عليها تسييسها. وقد ساهمت السيطرة السلفية في خلق صورة سلبية وألحقت تشويها متعمدا بالعديد من المدارس الفكرية الأخرى.

وقد نتج عن تثبيت الظاهرة السلفية كأيدولوجيا سلطوية قمع العديد من التيارات الفكرية والرموز الإسلامية، وعلى رأسهم علماء الكلام المسلمين وفي مقدمتهم مفكري المعتزلة (أهل العدل والتوحيد)، حيث أضحى تيار الاعتزال في العالم الإسلامي مرادفا للزندقة والكفر.

قامت حركة الاعتزال في الأساس للدفاع عن الإسلام ضد معارضيه من اليهود والمسيحيين والغنوصيين والأديان الفارسية كالزرادشتية حيث لم يستطع الفقهاء التقليديون (النصوصيون) الرد عليهم فتصدى لهم من سموا بعد ذلك بعلماء الكلام، وفي مقدمتهم الحركة الاعتزالية.

المجتمعات الإسلامية في حاجة ماسة لإعادة اكتشاف فكر الاعتزال ذي الطبيعة العقلانية والناقدة

​​ولا شك أن علماء مدرسة المعتزلة قد استفادوا من دراسة الفلسفة اليونانية، حيث أنه لم يكن من المجدي مناقشة أولئك المعارضين بالاستناد إلى النصوص الإسلامية، لأن هؤلاء الخصوم ليسوا مسلمين ولا يؤمنون بتلك النصوص، لذلك تم اللجوء إلى "العقل" في مناقشتهم.

وكان أهل الاعتزال هم أول من اعترض على النقل الأعمى للنصوص وعدم إعمال العقل في قراءة القرآن والسنة والتفكر في العقيدة الإسلامية، وقالوا إن العقل والفطرة السليمة قادران على تمييز الحلال من الحرام بشكل تلقائي.

اقرأ للكاتب أيضا: لا ناقة للسودان في حرب اليمن ولا جمل

بلغت الدولة الإسلامية أوج تفوقها العلمي والفني والحضاري في أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) مع عهد الخليفة العباسي المأمون الذي اعتنق فكر الاعتزال وصيره المذهب الرسمي لدولته، وقد سار على دربه أخويه المعتصم والواثق.

لقد رعى الخليفة المأمون الحركة العلمية ودعمها، وأمر بترجمة الكتب في مختلف العلوم والآداب والفنون، وخصوصا كتب الطب والفلسفة اليونانية والفارسية والهندية، وكان يعطي وزن ما يترجم ذهبا مما أدى إلى توافد العلماء والمترجمين ورواج صناعة العلم والأدب والفنون والنقل والترجمة.

وبينما كانت أوروبا تؤسس للخروج من ظلام عصورها الوسطى وتوطد أركان ثورتها الفلسفية لثلاثة قرون متأثرة بشعاع الحضارة المتسرب إليها من الدولة الإسلامية، كان المسلمون بعد أكثر من قرنين من حكم الخليفة المتوكل، الذي تبنى الفكر السلفي وشن حربا شعواء على المعتزلة، يخطون بثبات نحو هاوية السقوط الحضاري. وقد توج ذلك السقوط بإحراق كتب الفيلسوف الكبير أبو الوليد بن رشد.

استمرت الغيبوبة الحضارية لستة قرون تالية، واكتملت آخر حلقات السيطرة السلفية في العام 1744 حين أعلن قاضي الدرعية محمد بن سعود تحالفه مع الداعية محمد بن عبد الوهاب في صحراء نجد، ليدشنا ولادة واحد من أكثر التيارات السلفية تشددا وجمودا.

أكبر مشكلات التيار السلفي النصوصي التي أدت لخلق ومفاقمة حالة الجمود الحضاري تتمثل في أنه يضع "العقل" في تضاد مع "النقل" عندما يعجز عن قراءة النص في سياقه التاريخي (بالنسبة للقرآن)، ولا يأخذ في الاعتبار إشكاليات النقل (تدوين السنة)، ثم أنه لا يلجأ للتأويل في الأمور التي تناقض مسلمات العقل.

وكذلك فإن الهم الأكبر للتيار السلفي ينصب في ترحيل واجترار النصوص وحفظها وترديدها. إنه التيار الذي يقتصر كسبه على أمور العقيدة أو ما نطلق عليها "الأيدولوجيا"، فهو يركز أساسا على معرفة علل الأحكام وأنواعها وتخريج الأحكام، أي أنه يبدأ من النص وينتهي إليه من دون خضوع للواقع أو إعمال للعقل.

إن أعظم رموز العلم والفكر والفن الذين أنجبتهم الحضارة الإسلامية ونهلت أوروبا من علومهم هم من الفلاسفة والمتكلمين الذين يصنفون بمقياس التيار السلفي ضمن الزنادقة أهل الأفكار الضالة أو الكفار المرتدين.

فما هو حكم السلفيين على أبي الكيمياء جابر بن حيان، وهو أول من حضر حمض الكبريتيك واكتشف حمض النتريك وكلوريد الزئبق؟ وما هو حكمهم علي الفيلسوف أبو بكر الرازي الذي ترجمت أوروبا كتبه الأساسية في الطب للغة اللاتينية؟ وما هو حكمهم علي الفيلسوف والموسيقي العظيم الفارابي صاحب كتاب "الموسيقى الكبير" والمعروف في أوروبا باسم "فاريبوس"؟

وما هو حكم السلفيين على أعظم شارحي أرسطو، فيلسوف قرطبة وقاضيها الأشهر أبو الوليد بن رشد الذي ظلت كتبه تدرس في أوروبا من القرن الثالث عشر وحتى السادس عشر؟ وما هو حكمهم على الكندي وابن سينا وإخوان الصفا وغيرهم من رموز النهضة الحضارية الإسلامية؟

لقد تحول الدين في ظل حالة الجمود الحضاري التي تسببت فيها بالأساس المدرسة السلفية إلى مجرد طقوس كرنفالية تحتفي بأمور شكلية مثل إطلاق اللحية ولبس النقاب وتقصير الجلباب، وهو بهذا تحول إلى حرب على العقل في مجتمعات المسلمين، حتى أن دولة مثل المملكة العربية السعودية منعت تدريس الفلسفة في جامعاتها.

ليس هذا فحسب، بل إن الأزهر الشريف ما زال يحتفي بكتب من شاكلة كتاب "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع" للإمام الخطيب الشربيني، وهو الكتاب الذي يدرس لطلاب الصف الأول الثانوي الأزهري، وقد ورد فيه بخصوص التعامل في بيع الكتب أنه: "لا يصح بيع كتب الكفر والتنجيم والشعوذة والفلسفة".

لقد تحول الدين في ظل حالة الجمود الحضاري إلى مجرد طقوس كرنفالية

​​يقول الأزهر لطلابه إن كتب الفلسفة تستوي مع كتب الشعوذة! فهل هناك حرب على العقل أكثر من ذلك؟ وماذا نتوقع أن تكون مخرجات مثل هذا المنهج الذي يحتقر الفلسفة التي شكلت أساس الفنون والآداب والعلوم، بما فيها التجريبية، التي أحدثت الثورة المعرفية الهائلة في عصرنا هذا والعصور التي سبقته؟

اقرأ للكاتب أيضا: الإعجاز العلمي في القرآن وأحكام عدة المرأة

غاب العقل عن العالم الإسلامي، فغاب معه العلم والابتكار والريادة الحضارية. وبات المسلمون في مؤخرة ركب الدول، يستهلكون ما ينتجه الآخرون من الخيط وحتى الطائرة ولا يقدمون شيئا مفيدا في مزاد الأمم العريض.

ولم يشفع لبعض الدول الإسلامية امتلاكها لموارد وثروات مادية كبيرة، فارتياد العصر والتحديث لا يعني استجلاب الخبرات والعقول والتقنية من دول الغرب، في الوقت الذي يحارب فيه المسلمون القيم التي أنتجت تلك التقنية وعلى رأسها العقلانية. فالإصلاح الديني والثورة الفلسفية هي التي حققت الثورة العلمية والاجتماعية والاقتصادية في الغرب.

لكل هذه الأسباب فإن المجتمعات الإسلامية اليوم في حاجة ماسة لإعادة اكتشاف فكر المعتزلة ذي الطبيعة العقلانية والناقدة، والذي يحتفي بالعلم والعلماء ويدعو للتأمل وطرح الأسئلة بلا حرج وبلا حدود، وذلك حتى تستطيع إنجاز القفزة المطلوبة في العلم والابتكار والعمل والإنتاج والعلاقات الإنسانية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.