ترامب رافعا قراره التنفيذي بإعادة العقوبات الأميركية على إيران
ترامب رافعا قراره التنفيذي بإعادة العقوبات الأميركية على إيران

بقلم عريب الرنتاوي/

لن تقدم حكومة حسن روحاني على اتخاذ القرار النهائي بشأن اتفاقها النووي مع المجتمع الدولي، قبل أن تنتهي من استطلاع فرص بقائه والاستفادة من ثماره وعوائده، في سلسلة من الحوارات والمفاوضات التي ستجريها مع العواصم الأوروبية الرئيسة، فضلا عن موسكو وبكين...

وسيسعى التيار الإصلاحي الذي يقوده الرئيس الإيراني، إلى استنفاذ جميع فرص إنقاذ الاتفاق، برغم الضغوط التي يمارسها التيار العقائدي ـ الثوري، الذي يسعى في تعزيز نفوذه واستعادة سيطرته على مختلف مؤسسات الدولة، مستفيدا من قرار الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ومن جانب واحد.

إسرائيل ستكثف ضغطها على إيران في سورية، وعلى "حزب الله" في لبنان وضد "حماس" في غزة

​​روحاني وتياره الإصلاحي على صفيح ساخن الآن، وهما يريدان تحقيق غرضين اثنين، قبل التقرير بشأن بقاء أو انسحاب طهران من الاتفاق النووي: الأول، الحصول على ضمانات أوروبية بمواصلة التعاملات والتبادلات التجارية مع إيران دون التفات أو تقيد بمنظومة العقوبات التي ستفرضها إدارة ترامب مستقبلا على إيران، ومن أجل تحقيق هذا الغرض عمدت إيران مؤخرا إلى اعتماد اليورو بديلا عن الدولار في معاملاتها التجارية الدولية.

أما الغرض الثاني للتيار الإصلاحي فيتمثل في حث أوروبا على مواصلة جهودها مع واشنطن بهدف إقناعها بعدم توسيع قائمة العقوبات التي ستفرضها على إيران، أقله لجهة عدم شمولها دولا وشركات وأطراف ثالثة، تريد مواصلة التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري مع إيران.

اقرأ للكاتب أيضا: عواصم المنطقة تضبط ساعاتها على توقيت الانتخابات التركية المبكرة

يدرك روحاني وفريقه، وهما في ذروة الغضب والاستنفار، أن قرار ترامب سيخلق ديناميكيات جديدة في معادلات القوة وتوازناتها داخل إيران وأن فرص التيار الإصلاحي وحظوظه في الاحتفاظ بالسلطة والبقاء على رأسها ستكون أقل من أي وقت مضى في حال انهار الاتفاق واضطرت إيران للانسحاب منه استجابة لمطلب قطاع واسع من التيار العقائدي ـ الثوري، الذي لم يبد يوما حماسة ظاهرة لتوقيع الاتفاق أو حتى للتفاوض مع واشنطن.

لكن مهمة روحاني وفريقه الإصلاحي، ستكون صعبة للغاية... صحيح أن معظم العواصم الأوروبية الوازنة، عبرت عن دعمها للاتفاق والبقاء فيه وحفظ التزاماتها المقررة بموجبه، لكن الصحيح كذلك أن هذه العواصم ذاتها سبق لها وأن عبرت عن استعدادها للانضمام إلى واشنطن في فرض عقوبات على إيران على خلفية برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي المثير للجدل.

إيران تريد أن تتيقن بأن أوروبا لن تخضع للضغوطات الأميركية، وأنها ستكون قادرة على التصدي لـ"الشرطي الاقتصادي الأميركي" على وحد وصف وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، والأهم، أن إيران تبحث عن ضمانات بألا تعاود أوروبا فرض العقوبات ذاتها عليها ولكن تحت مسميات أخرى وبذرائع من خارج إطار البرنامج النووي.

والحقيقة أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم الإصلاحيين، تكشف عن مستوى متدن من الثقة بقدرة أوروبا على "التغريد بعيدا خارج السرب الأميركي"، وهو احتمال تأخذه طهران على مجمل الجد، بل وترجحه على غيره من الاحتمالات، لكنها لا تريد أن "تحرق سفنها"، وهي تفضل استنفاذ كافة الفرص قبل الوصول بالاتفاق المبرم في العام 2015 إلى محطته الأخيرة.

إن من أولى نتائج الانسحاب الأميركي، أحادي الجانب من الاتفاق المذكور، ستكون عودة التيار الصقري المحافظ في إيران إلى صدارة المشهد على حساب التيار الإصلاحي، وسيكون لذلك تداعيات مقلقة على الداخل الإيراني الذي يشهد حراكا شعبيا ومطلبيا متزايدا على خلفية الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد... ومن المتوقع أن ينجح صقور القيادة الإيرانية في فرض أساليب خشنة وقاسية في قمع حركات الاحتجاج المطلبي والشعبي في قادمات الأيام، بعد اتهامها بأنها "رؤوس جسور" للتدخل الأميركي ـ الإسرائيلي في شؤون إيران الداخلية.

وستكون للتبدلات في علاقات القوى وتوازناتها في إيران انعكاسات مباشرة على عدد من أزمات المنطقة المفتوحة، وبشكل خاص في كل من سورية والعراق ولبنان واليمن، فضلا عن ساحة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي التي تحرص طهران على إبقائها ساحة من ساحات "تصفية الحساب" مع إسرائيل، مستفيدة من شبكة علاقاتها المعقدة مع كل من حزب الله وحركة حماس وبعض الفصائل الأصغر والأقل شأنا.

إيران تبحث عن ضمانات بألا تعاود أوروبا فرض العقوبات ذاتها عليها

​​وسوف تسعى بعض القوى الإقليمية، التي عملت بدأب على إقناع واشنطن بالانسحاب من الاتفاق أو العمل على تعديله وتوسيعه، إلى توظيف لحظة التوتر والاحتقان بالغة الحساسية بين واشنطن وطهران من أجل تحقيق أهدافها الخاصة في الإقليم... إسرائيل ستكثف ضغطها على إيران في سورية، وعلى "حزب الله" في لبنان وضد "حماس" في غزة... والسعودية، ستصعد حربها في اليمن، على أمل الحصول على "حسم عسكري" طال انتظاره من دون جدوى حتى الآن، ومن المرجح أن تعاود المملكة تكثيف نشاطها لتطويق الدور الإيراني في كل من العراق وسورية ولبنان.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سترسل الدول العربية قوات إلى سورية، وكيف؟

إيران في المقابل ليست دولة هشة مجردة من الأوراق، فهي دولة كبيرة نجحت في الصمود لسنوات وعقود في مواجهة الحصار ومنظومة صارمة للعقوبات وتحتفظ بعلاقات متطورة مع كل من روسيا والصين، وقد تنجح في الاحتفاظ بالحد الأدنى من العلاقات مع دول أوروبية وهي تتوفر على وجود كثيف في عدد من دول الأزمات المفتوحة في المنطقة مما يجعلها قادرة على التسبب بمشاكل كبيرة للولايات المتحدة وحلفائها في الإقليم... ومن الخطأ في كل الأحوال، مقارنة المسألة الإيرانية بالمسألة الكورية الشمالية، أو اعتبار أن سياسة العصا الغليظة التي جاءت بنتائج إيجابية مع كيم جون أون، ستعطي النتائج ذاتها، مع نظام "الولي الفقيه".

وقد تقرر إيران، في حال باءت محاولاتها إبقاء أوروبا في الاتفاق بالفشل، أن تسرع وتيرة التخصيب ومعدلاته وقد تنسحب من منظمة حظر الانتشار النووي وتطرد خبرائها المتواجدين بكثافة في منشآتها النووي لمتابعة أكبر عملية مراقبة وتحقق تجريها المنظمة في تاريخها الأمر الذي سيضع واشنطن وبعض حلفائها الإقليميين أمام خيارين لا ثالث لهما على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما: إما المجازفة بحصول إيران على القنبلة وتطوير برنامج نووي عسكري، أو الاقتراب من حافته والمقامرة استتباعا بإطلاق سباق تسلح نووي خطر في الإقليم، وإما الدخول في حرب شاملة ثالثة في منطقة الشرق الأوسط الكبير في غضون أقل من عقدين من الزمان وبعد حربين في أفغانستان والعراق لا تستطيع واشنطن الادعاء بأنها خرجت من أي منها مكللة بالظفر والانتصار.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!