الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو
الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو

بقلم منصور الحاج/

أعلن الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو دخول البلاد عهدا جديدا أطلق عليه مسمى "الجمهورية الرابعة" خلال كلمة ألقاها في افتتاح فعاليات المنتدى الوطني الشامل للإصلاحات المؤسسية في شهر آذار/مارس الماضي الذي قدم فيه المشاركون مقترحات لتعديلات دستورية من أبرزها إلغاء منصب رئيس الوزراء وتحديد سقف يمنع الرئيس من حكم البلاد لأكثر من فترتين رئاسيتين مدة كل منهما ست سنوات.

وأقر البرلمان تلك المقترحات بأغلبية كبيرة على الرغم من مقاطعة أحزاب المعارضة للمنتدى واعتراض غالبية نوابهم على التعديلات الدستورية التي تكرس الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية إدريس ديبي الحاكم الأوحد للبلاد منذ وصوله إلى السلطة عام 1990 وتخوله البقاء في السلطة حتى عام 2033.

وأوضح ديبي في خطابة الذي ألقاه بمناسبة توقيعه على التعديلات الدستورية لتدخل حيز التنفيذ بأن الهدف منها هو تحقيق المصلحة العليا للبلاد وتعهد بالقضاء على الفساد وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وأعلن عفوا عاما عن جميع المعارضين المتواجدين في الخارج ودعاهم إلى العودة إلى أرض الوطن.

لم يترك ديبي للشعب من طريق لإزاحته إلا الثورة عليه وإسقاطه ومحاكمته على ظلمه وفساده

​​يدرك الشعب التشادي بأن الهدف من المنتدى وما تمخض عنه من مقترحات هو إيجاد مسوغ قانوني لإبقاء الرئيس ديبي في السلطة بعد أن جرب كل الحيل الممكنة للاستمرار في حكم البلاد كما فعل في عام 2005 قبل انتهاء فترته الرئاسية الثانية وألغى مادة كانت تقيد مدة بقائه في الحكم واستبدلها بأخرى تتيح له البقاء لعدد غير محدود من الفترات.

اقرأ للكاتب أيضا: أوجه الشبه والاختلاف بين الدواعش وأنصار الإمام

وبالنظر إلى التشكيلة الجديدة للحكومة التي أعلنها الرئيس في السابع من شهر أيار/مايو الجاري، يلاحظ أن ديبي التزم بالسياسة التي دأب على السير عليها في مراعاة الولاءات الشخصية والاعتبارات المناطقية والدينية والقبلية في توزيع الحقائب الوزارية والمناصب الرفيعة. فقد احتفظ كل من وزير الداخلية والخارجية والدفاع بمناصبهم وتم تعيين الدكتور نورالدين كاسيري كوماكوي الذين شغل منصب رئيس الوزراء مرتين مستشارا برئاسة الجمهورية بالإضافة إلى بعض الوجوه الجديدة.

وتصر أحزاب المعارضة والنشطاء السياسيين في داخل البلاد وخارجها على رفضهم للتعديلات الدستورية جملة وتفصيلا، ويحذرون من خطورة تركز السلطات بيد الرئيس الذي يتولى وحده رئاسة الدولة والحكومة وقيادة الجيش ورئاسة مجلس القضاء بل وحتى الزعامة التقليدية لمنطقة أم جرس.

ويسلط المعارضون والنشطاء السياسيون الضوء على الانتهاكات الحقوقية التي يرتكبها النظام بحق الصحفيين وأصحاب الرأي وقادة المعارضة وعلى القيود المفروضة على حرية التعبير والحظر المستمر لخدمة الإنترنت والانقطاع المتواصل للكهرباء في بلاد تصدر النفط وتجني الملايين من الدور الذي تلعبه في الحرب على الإرهاب.

وقد اختصر منسق جبهة المعارضة من أجل التناوب والتغيير محمد أحمد الحبو في مؤتمر صحافي عقده في أواخر آذار/مارس الماضي مطالب المعارضة باقتراحه إجراء حوار شامل لمناقشة القضايا الملحة والأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا أن ديبي لم يعر هذا المطلب أي اهتمام ومضى قدما في تنظيم المنتدى والبناء على مخرجاته.

لا ملامح في الأفق لهذه الجمهورية الرابعة التي لا تعدو كونها مجرد اسم براق لدولة عجز النظام الذي يحكمها على مدى 28 عاما عن توفير أبسط مقومات الحياة لشعب يموت بسبب الجوع والفقر وتفتك به الأوبئة. نظام فشل في مكافحة الجهل والأمية وعلاج الظواهر الاجتماعية المدمرة كالقبلية والفساد والعنصرية والتعصب الديني وفشل في تعزيز ثقافة حب العمل ومساعدة الآخرين والحرص على النظام والنظافة واحترام القوانين والمحافظة على المرافق العامة والتزود بالمعرفة وتشجيع النشء على قراءة الكتب وتنمية القدرات وتطوير المهارات.

بل إن النظام قد فشل حتى في تعزيز التجربة الديمقراطية التي يتبجح الرئيس بأنه من أرسى دعائمها في البلاد بإزاحته لسلفه الدكتاتور حسين هبري، فلم تعرف البلاد حاكما غيره منذ وصوله إلى سدة الحكم الأمر الذي يؤكد بوضوح تمسكه بالسلطة ورفضه التنازل عنها طواعية.

من المتوقع أن يواصل ديبي سياساته العشوائية داخليا وخارجيا بدون خطط تنموية واضحة وبلا برامج استقرائية طموحة تحقق الاستقرار في البلاد وبدون رؤى استراتيجية ثاقبة للسياسية الخارجية حيث تتأرجح تشاد بين المعسكر القطري ـ التركي والمعسكر السعودي ـ الإماراتي، فبعد أن قطعت انجمينا علاقتها بالدوحة واتهمتها بزعزعة استقرار البلاد ودعم الإرهاب عادت العلاقات إلى سابق عهدها بعد أيام من زيارة تاريخية قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برفقة وفد رفيع المستوى. كما يخوض الجيش التشادي حروبا خارج حدود لا ناقة له فيها ولا جمل ويتورط في الصراع الطائفي بين السعودية وإيران بمشاركته في التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

ويواجه ديبي تحديات كبيرة في داخل البلاد حيث تسير الأوضاع من سيء إلى أسوأ. ففيما يزداد الفقراء فقرا، تتضاعف ثروات الأغنياء ويتفشى الفساد وتكثر الجرائم وتتأخر مرتبات الموظفين لأشهر، الأمر الذي دفعهم إلى الدخول في إضرابات مفتوحة كما حدث مطلع هذا العام واستمر لأكثر من أربعين يوما اضطرت بعده السلطات إلى التفاوض مع قادة المنظمات النقابية الذين أظهروا وعيا وحنكة سياسية عالية واستطاعوا انتزاع حقوقهم من النظام وتحقيق مصالح العمال والموظفين.

ويمثل هذا الوعي بالحقوق أكبر التحديات التي يواجهها ديبي ومن المتوقع أن يزداد السخط الشعبي ضد القمع والفساد والعنف والمحسوبية وغياب الخدمات وتأخر المرتبات خاصة بعد عودة خدمة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل كبير في رصد الانتهاكات وتسليط الأضواء على فساد النظام وأزلامه والمطالبة بإسقاطه بالطرق السلمية كالاعتصام في الميادين العامة والعصيان المدني من خلال دعوات يطلقها نشطاء سياسيون تنشر عبر خدمة البث الحي لموقع فيسبوك ويتم تداولها على نطاق واسع في مجموعات واتساب والمواقع الإلكترونية.

أعلن ديبي جمهورية رابعة طمعا منه في البقاء على سدة الحكم ولإسباغ الشرعية على حكمه المطلق للبلاد

​​وقد أدرك النظام خطورة النشاط الذي يقوم به النشطاء السياسيون على الإنترنت وخاصة الشباب المتواجدون في خارج البلاد، الذين اكتسبوا شهرة واسعة واحترام كبير ويحرصون على إيصال أصواتهم إلى الداخل على الرغم من الحظر المفروض على خدمات الإنترنت. وبدلا من أن يحرص النظام على توفير سبل العيش الكريم للمواطنين والعمل على تلبية احتياجاتهم الأساسية، تتصدى الأجهزة الأمنية للنشطاء والمتظاهرين الذين يطالبون بحقوقهم فتعتقلهم وتعذبهم وتقتلهم بدم بارد.

اقرأ للكاتب أيضا: كشف ما جاء من تضليل في مداخلة إمام الجامع الكبير

لقد أعلن الرئيس أدريس ديبي جمهورية رابعة طمعا منه في البقاء على سدة الحكم ولإسباغ الشرعية على حكمه المطلق للبلاد. وكان من الأولى أن يتنحى ويفسح المجال لغيره بعد أن فشلت حكوماته المتعاقبة على مدى 28 عاما في إحداث التغيير المنشود وفي قيادة البلاد نحو التقدم والرخاء.

لقد اختار ديبي البقاء والاستمرار في حكم البلاد دون تقديم أي مبررات مقنعة أو وعود وتعهدات جادة أو خطط تنموية مدروسة يتقرب بها من الشعب ويطلب وده من أجل منحه فرصة أخيرة لوضع البلاد على الطريق الصحيح ولم يضع أي اعتبار لموقف أحزاب المعارضة وللملايين التي لا ترى فيه سوى ديكتاتورا لا يختلف عن غيره من الطغاة الذين يفرضون أنفسهم على شعوبهم ويرفضون التنحي وكأن البلاد ملك خاص لهم.

ومع هذا التعنت والإصرار، لم يترك ديبي للشعب من طريق لإزاحته إلا الثورة عليه وإسقاطه ومحاكمته على ظلمه وفساده. وإن كان ديبي لا يرى ذلك اليوم إطلاقا، فإنني أقراه قريبا وعندها لن يجديه أن يعض على يديه أو تمنيه لو أنه كان ترابا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.