يصور إحدى الوثائق عن تاريخ محاكم التفتيش (أرشيف)
يصور إحدى الوثائق عن تاريخ محاكم التفتيش (أرشيف)

• تعليق على مقال الدكتور عماد بوظو

"محاكم التفتيش" التي أقامتها الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى كانت تهدف إلى تطهير المجتمع المسيحي من الكفر والهرطقات والسحر. بانت وطأتها بشكل خاص بعد أن طردت السلطات الملكية الكاثوليكية اليهود والمسلمين من الأندلس، ولم تسمح بالبقاء إلا لمن اعتنق المسيحية منهم، فكان لابد من التحقق من زعم إيمانهم الجديد، فإن نجحوا بالامتحان بقوا، وإلا قتلوا.

وكان لهذه المحاكم دور هام في ضمان نقاء العقيدة الكاثوليكية في كامل الفضاء الأوروبي، وقد أنيط بها "استجواب" المخالفين وأصحاب البدع. وكلمة "استجواب" هنا لا تعني التحقيق بما يحفظ الكرامة، بل التعذيب الساعي إلى كشف المستور، وقد استحضر وابتكر لهذا الغرض كم هائل من الوسائل والأدوات والآلات الحادة والحامية والجارحة، للوصول إلى المبتغى. فإن أقر المتهم بجريمته واعتدائه، فمصيره القتل حرقا أو ضربا أو تقطيعا، أما إن لم يقر، فيستمر التحقيق، حرقا وضربا وتقطيعا.

وقد استهدفت هذه المحاكم بشكل خاص النساء العجائز المتهمات بالسحر، ومن الأساليب المعتمدة لتبين ثبوت التهمة من عدمها إلقاء المرأة المتهمة بعد تكبيلها في النهر، فإن غرقت تكون قد أثبتت براءتها بموتها، أما إن تمكنت من النجاة، فذاك دليل صحة التهمة فيلقى بها إلى المحرقة. وجاءت "محاكم التفتيش" كذلك تتويجا للحملات "الصليبية" داخل أوروبا، المكملة والمتجاورة مع تلك التي قصدت الأرض المقدسة، فاستهدفت الهراطقة واليهود وحصدت منهم الآلاف تلو الآلاف، لعدوانهم المفترض على الدين والدنيا.

المؤسسات العلمائية الإسلامية ملزمة داخليا بمعالجة القصور الحاصل عن عدم اكتمال تفاعل التراث النصي الديني مع الحداثة

​​واقع الأمر أن من أراد أن يستشعر أحوال من عاصروا محاكم التفتيش وفظائعها، يستطيع العودة إلى إصدارات تنظيم "الدولة الإسلامية" والذي استنسخ، من حيث لا يدري، الوحشية والدموية التي استفحلت في أداء "محاكم التفتيش" الكاثوليكية. هذا للتذكير وحسب، بأن الفجور ليس قصرا على أحد.

واعتقال الشاب المصري شريف جابر بتهمة الإلحاد، أي لحرية الفكر، وبتهمة الإساءة إلى الدين، أي لحرية التعبير، هو دون شك دليل واضح على عدم احترام السلطات المصرية للحقوق الإنسانية الأساسية والمتوافق عليها عالميا. ولا جديد هنا البتة، فالسلطات المصرية قد تمرست بالاعتقال والإخفاء والتعذيب والقتل ويبدو أن الدول الفاعلة قد قررت غض النظر عنها. فالشكر، كل الشكر، لمن يعترض على الظلم الذي طال شريف جابر، عسى أن يكون جهد مماثل من نصيب كل معتقل لرأيه وقوله في مصر وغير مصر، ملحدا كان أو غير ملحد.

اقرأ للكاتب أيضا: العلم والتعليم في الوسط العربي: عوامل التراجع

ولكن، رجاء، شتان بين هذا الاعتداء على حق شريف جابر، والذي عاد إلى منزله بعد فترة اعتقال وجيزة وسوف يستمر بنشاطه رغم أنف السلطات، وبين "محاكم تفتيش" ذهبت ضحيتها الألوف المؤلفة بأشنع أشكال التقتيل والتعذيب. وفي هذه المقارنة أكثر من عدوان.

عدوان على حق هؤلاء الضحايا، مسيحيين ومسلمين ويهود وهراطقة وأحرار فكر، بألا تطمس تضحياتهم من خلال مساواتها بقضية عابرة، على أهميتها المبدئية.

وعدوان على الأزهر، فهو، وإن احتوت بعض النصوص التي يعتمدها على المنفر، لم يقم يوما محاكم من هذا النوع، بل إن التجربة الأبرز والتي تقترب من "محاكم التفتيش" في التاريخ الإسلامي هي التي شهدتها الدولة العباسية في أوج سلطانها حول قضية خلق القرآن، وهنا لابد من التنويه بأن من أقام هذه "المحنة" وأطرها وعمل على حبس المخالفين فيها وتعذيبهم هم المعتزلة، الفرقة التي ينادي باسترجاع مجدها العديد من دعاة الإصلاح الديني اليوم.

وعدوان على من يعتبر الأزهر مرجعية، ويرى فيه تعبيرا عن تصور لدينه يسعى إلى الوسطية، وإن لم يكن موفقا في بعض المواقع. وهؤلاء كثر في العالم الإسلامي، فتسفيه مرجعيتهم، بعد استعراض مسهب للكنيسة الكاثوليكية يرتقي بها إلى الملائكية من خلال إهمال المظلم من تاريخها، والذي لا يقتصر قط على محاكم التفتيش، ليس من شأنه دفعهم إلى الإصغاء والسعي إلى الإصلاح، بل إلى المزيد من التخندق وافتراض سوء النوايا.

لا شك أن الكنيسة الكاثوليكية، منذ المجمع الفاتيكاني الثاني أواسط ستينيات القرن الماضي، تسير وإن بخطى متعثرة نحو الانسجام مع قيم التنوير العالمية. ولا شك أن البابا فرنسيس يسعى جاهدا إلى ضخ التقدمية في مؤسسات كنسية تعاني من تكلس وجمود حينا ومن فساد واستنزاف أحيانا أخرى. إلا أن لهذه الكنيسة طريقا طويلا لتصحيح واقعها اليوم في أكثر من قضية مؤسساتية وأخلاقية واجتماعية ومالية، قبل أي عودة إلى الاعتذارات بشأن ما فعلته وتركته في غابرها.

وحراك البابا فرنسيس، على ما ينضوي عليه من جرأة وإصرار، يواجه معارضة ضمن المؤسسة الكنسية نفسها، بنيويا وعقائديا، وافتراض نجاحه ليس محتوما. كما أن البابا هو هدف للتشكيك في صفوف المؤمنين الكاثوليك، وذلك في اتجاهات مختلفة، بين من يعتبره قد بالغ في التقدمية وفرط بما سبق للكنيسة عبر تاريخها الطويل أن التزمت به وعاقبت عليه، ويطالبه بالعودة إلى القيم المحافظة، وبين من يرى بأنه لم يف الإصلاح حقه، ولا بد له تحديدا من إتاحة الكهنوت للنساء ومن إقرار صريح بالحق بالطلاق والإجهاض والزواج المثلي.

ويأخذ هذا التنازع طبعا "قاريا" أو حضاريا، بين أميركا الشمالية وأوروبا حيث تكثر الدعوات إلى المزيد من التقدمية الاجتماعية، وأميركا الجنوبية وأفريقيا حيث الرغبة عقائديا واجتماعيا هي بالتروي أو العودة عن بعض المواقف، والمزيد من الاقتراب من الاشتراكية اقتصاديا.

لا الكنيسة الكاثوليكية ولا أية مؤسسة على هذا القدر من العمق التاريخي مثال قابل للاختزال، لا نحو الملائكية ولا نحو الشيطنة، ولا فائدة من معارضتها بالتالي مع واقع إسلامي متشعب.

بل في الدعوة إلى التمثل بها من حيث كونها مرجعية موحدة انسجام صارخ مع توجهات المتشددين من الإسلاميين. والانسجام هو هنا على مستويين ينطوي كل منهما على تجاوز: المستوى الظاهر هو في افتراض وجوب وحدة المرجعية، بما يتوافق مع الإسلاميين الذين لا يقرون بالتعددية الدينية القائمة في العالم الإسلامي، ويدعون إلى فوقية إلزامية موحدة قائمة على فهمهم المؤصل للدين. أما المستوى الباطن، وهو الأخطر، فهو في إقرار الطابع الديني للمرجعية الاجتماعية، أي للقيم المتوافق عليها ضمنيا بين أبناء المجتمع الواحد.

والإسلام كما يعيشه أهله متعدد، ليس في فرقه ومذاهبه الفقهية والعقائدية والسلوكية وحسب، إنما في تعبير الأفراد والمجتمعات عن تصورهم له ومكانته في إطارهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فمن المسلمين من يضع الدين في أعلى تأطيره لسلوكه ونهج حياته، ومنهم من يثمن الدين دون أن يغلبه في كافة الأوجه، وهؤلاء هم الأكثرية الفعلية، ومنهم من يتضاءل دور الدين في حياته وصولا إلى التلاشي والإلحاد.

حراك البابا فرنسيس يواجه معارضة ضمن المؤسسة الكنسية نفسها، بنيويا وعقائديا، وافتراض نجاحه ليس محتوما

​​ومن حق بعض المسلمين، قلوا أو كثروا، أن يصروا على أن الإسلام دستور شامل وكامل لمختلف أوجه الحياة. ولكن إصرارهم هذا لا يلزم من يرى خلاف ذلك ويعتبر نفسه من المسلمين، وإن كفروه وخطؤوه وفسقوه. بل إن ضمان حرية الذين يعتنقون تفسيرا لدينهم يقر بأنهم أعلم بأمور دنياهم، أو الذين لا يرون وجوب تحكيم الدين بالشؤون الدنيوية أصلا، هو بغياب المرجعية الدينية الموحدة.

اقرأ للكاتب أيضا: "العقد الاجتماعي" المأزوم وحتمية "الربيع" الثاني

الإصرار على المرجعية الموحدة مسؤول عن الحروب الدينية في أوروبا المسيحية بعد قيام الدعوة البروتستانتية، والإصرار على المرجعية الدينية الموحدة هو ما دفع النجديين إلى فتح كربلاء مطلع القرن التاسع عشر والفتك بأهلها.

والمؤسسات العلمائية الإسلامية، من الأزهر إلى الزيتونة والقرويين والنجف والمدينة، ملزمة داخليا بمعالجة القصور الحاصل عن عدم اكتمال تفاعل التراث النصي الديني مع الحداثة، ولها دور أكيد في المساهمة في الحوار المطلوب اجتماعيا وثقافيا للتعبير عن المرجعية المبدئية والأخلاقية التي من شأنها تأطير المجتمعات العربية وطنيا وإنسانيا. ولكن، لا سبيل للتعويل على تحول عجائبي لمعظم علماء الدين من مناهجهم المؤصلة ونصوصهم المدروسة للقبول بطريقة البابا فرنسيس "الثورية"، على عفويتها وحداثة عهدها، من أجل استحداث مرجعية دينية تقدمية. بل هي تجربة قد سبق خوضها في القرن الماضي، وما نتج عنها إلا إقرار الانتقائية في تلفيق المضمون الديني كوسيلة لاستخراج التصور المطلوب، في سابقة تلقفتها التوجهات القطعية لتمعن في التشدد.

إذن، وإن كانت البدائل القائمة على القيم العالمية ضعيفة الركائز البنيوية، فالأصح، على ما أرى، هو تطويرها وطرحها لتتدرج في مواجهة التصورات التعسفية، الدينية منها وغير الدينية، لا الدعوة إلى مرجعية دينية شمولية مستحيلة، ولا الطعن بالمرجعية الكبيرة القائمة.

مع كامل التقدير والاحترام للدكتور عماد بوظو.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.