نصب الجنود السوفيات في صوفيا (بلغاريا) بعد لونه فنان مجهول ليماثل الأبطال الأميركيين
نصب الجنود السوفيات في صوفيا (بلغاريا) بعد لونه فنان مجهول ليماثل الأبطال الأميركيين

بقلم محمد المحمود/

منذ البدايات الأولى لظهور نماذج الاجتماع البشري شغلت السياسة الناس؛ ولا تزال تشغلهم إلى الآن. السياسة من حيث هي إدارة الأمر العام/ الفضاء العام لازمت الوجود البشري؛ حتى لقد أطلق بعض الفلاسفة الكبار تعريفا للإنسان يحدده بما يمتاز به عن المشترك الحيواني، حيث وصفه بأنه "حيوان سياسي"، أو "حيوان اجتماعي"؛ وكأن انتفاء صفة الاهتمام بالشأن العام، وإهمال محاولات اجتراح الحلول له، والانكفاء على مستوى المعطى الطبيعي أو شبه الطبيعي، تخرج بالإنسان من حده الإنساني.

لم ينبع هذا الاهتمام الإنساني ـ المتواصل عبر التاريخ ـ بالسياسة من فراغ. لقد أدرك الإنسان منذ فجر التاريخ أن الطريقة التي يدار بها الاجتماع البشري في مكان ما، تصبح عاملا حاسما ـ من بين عوامل أخرى بطبيعة الحال ـ في تحديد مصيره، من خلال تشكيل عالمه الذي يتموضع فيه فعلا وتفاعلا.

وإذا كان هذا لا ينفي تأثير بقية العوامل في تحديد الخيارات السياسية/ الإدارية، أو في توجيهها، فلا شك أن الإرادة الإنسانية (وهي التي تتمتع باستقلال نسبي)، تأخذ دورها في تحديد الطبيعة التي تدار بها العلاقة مع العوامل الأخرى. ومن ثم، فهي بقدر ما تتأثر بتلك العوامل التي تقع خارج نطاق الإرادة الإنسانية؛ نجدها تؤثر فيها أيضا. وفي النهاية، يصبح الفعل الإنساني المجتمعي/ العام (السياسة) عاملا حاسما في رسم معالم السعادة أو الشقاء التي تحكم مصير أفراد المجتمع؛ مهما حاولوا النأي بأنفسهم عن عالم السياسة والسياسيين.

كل الدول التي أشرف عليها الاتحاد السوفياتي بشكل مباشر دمرها في العمق

​​لقد كنت من قبل أضع لـ"الفاعلية الثقافية" ذلك الدور الحاسم الذي يحدد مصير المجتمعات؛ على اعتبار أن المتقرر/ المتحقق سياسيا بشكل مباشر؛ لا بد وأن يكون قد تقرر/ تحقق ثقافيا في عالمي الإنسان: الواعي واللاواعي. لكن يبدو أن التشكل الثقافي المبرمِج لوعي الإنسان ذاته، يتحدد بالخيارات السياسية التي تفرضها بعض الوقائع/ الظروف التاريخية الطارئة. وقد تأكد لي ذلك بالنظر إلى حال الكوريتين اللتين اختار كل منهما نظاما إيديولوجيا مختلفا، بل ومتنافرا متضادا. ولعل الأهم في هذا الأمر أن هذا الاختيار لم تحكمه ثقافة مسبقة تحدد لكل من شطري الجزيرة الكورية نوعية الخيارات التي ستلتزم بها في الـ 65 سنة الماضية.

اقرأ للكاتب أيضا: الليبرالية الإسلامية.. المصطلح والمفهوم والممارسة

كانت الثقافة لشبه الجزيرة الكورية بداية الخمسينيات واحدة، والذي فرض الخيار الثقافي والإيديولوجي الذي سيطبع هوية النظام السياسي لاحقا في كل من الكوريتين هو صراع الحرب الباردة بين قطبي العالم آنذاك. لقد اختارت القوى العظمى لتلك الحرب الباردة أن تقع على هوامشها حرب ساخنة، ولكن بعيدة عنها، أي على هوامش نفوذ كل من قطبي الصراع. المهم، انتهى الأمر بـ"الاقتسام" ليحل "السلام". فكان الاقتسام إيديولوجيا سياسيا ينحاز إلى ما يتصل به نفوذ الآخر؛ ليأخذ هذا الانقسام مداه الأبعد بعد ذلك في سياق تجاذبات أهواء السلطة وإغراءاتها؛ حتى تطاولت السنون على هذا النظام وذاك؛ فصنع الشقاق عالمين مختلفين: أحدهما في أرقى مراتب التقدم والانفتاح والحرية، ومن ثم السعادة الفردية، والآخر في أدنى دركات التخلف والانغلاق والعبودية، ومن ثم الشقاء الفردي الذي يطغى على الفرد المتحقق باسم المجموع الموهوم.

عالم الكوريتين يعطيك صورة فاقعة الألوان لأثر النظام السياسي المباشر على حياة الأفراد. لا شيء في الثروات الطبيعية يختلف كثيرا بين شطري الجزيرة الكورية، لا توجد ثقافة مختلفة، لا عرق مختلف... إلخ، فقط وحده النظام السياسي هو المختلف جوهريا، وبالتالي، هو ـ في مثل هذا النموذج ـ وحده المسؤول عن كل هذا الاختلاف الجوهري الذي يباين/ يمايز حياة الأفراد بين أقصى حالتي: السعادة والشقاء.

يكفي النظر إلى نموذج الكوريتين؛ لنعذر كل أولئك الذين اهتموا بالخيارات السياسية منذ فجر التاريخ، وراهنوا ـ بحياتهم ـ على مفارق طرقها. نقول هذا، مع أن نموذج الكوريتين، وإن كان هو الآن ـ بعد ثورة الاتصالات والإعلام ـ يعكس الفرق بشكل صارخ، إلا أنه لا يعدو كونه النموذج المختصر المحدد من بين نماذج أكبر وأشمل.

كل الدول التي أشرف عليها الاتحاد السوفياتي بشكل مباشر ـ كونها ضمن نطاق الاتحاد ـ دمرها في العمق، وخلق لها إعاقات وعاهات لا ترى بالعين المجردة. لقد تحررت تلك الدول الاشتراكية/ الشيوعية من الاتحاد قبل 28 عاما، ولكنها لا تزال تعاني عقَابيل 70 عاما من الدمار السابق الذي أحدثه "خيار سياسي" شمولي، قبلت به طوعا، أو فرض عليها كرها.

لقد تجولت في بعضها، وكنت أتساءل مذهولا وأنا أرى بعضها يحاول النهوض بجد من بين أنقاض ترى وأنقاض لا ترى: ماذا كانت تصنع ثاني أقوى قوة في العالم على مدى 70 عاما لهذا البلد المحطم؟ ماذا كانت تبني؟ أين البنى التحتية التي هي من مسؤولية أي دولة؟ أين التقدم المزعوم إعلاميا طوال فترة "الازدهار الشيوعي"؟ لو أنها وضعت كل يوم طوبة واحدة، أو رصفت مترا من رصيف؛ لصنعت معجزة؛ ولكن!

المشكلة الأكبر ليست في هذا "التصحر التقدمي" في البنى التحتية للبلدان المحكومة شيوعيا في السابق (مع أنه عنوان المشكلة المعلن)، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في الأثر المدمر الذي أحدثته في وعي الإنسان وأخلاقه. بعض هذه الدول تحاول جاهدة النهوض؛ فكأنما تحاول التنفس في لحظات الاختناق. نعم، لديها ثروات وإمكانات جغرافية لا بأس بها، بل واستعداد شعبي للعمل؛ ولكنها تائهة أو شبه تائهة، تريد، ولا تعلم كيف، ينخرها الفساد البيروقراطي في العمق، ينطبع كثير منه في التركيبة النفسية/ الأخلاقية التي تشكلت في عالم من القهر المبرمج على مدى ثلاثة أجيال تقريبا.

إنها تحاول الانفتاح والتطوير، ولكن بقيادة عقول وقلوب تحكمها عهود الانغلاق والتخلف دون أن تشعر، أو دون أن تعترف. ثمة ما هو ثاو في الأعماق لا يمكن الخلاص منه بثلاثة عقود، بل ـ ربما! ـ ولا بقرن كامل من العلاج الجماعي المكثف لأشكال من الفصام التي يتعذر بعضها على التشخيص في حدود المعطى الآني من علوم النفس.

والغريب ـ وليس غريبا في الحقيقة ـ أن الدول العربية التي أخذت بحظ من الإيديولوجيا الاشتراكية أصابها من هذه الأعطاب/ الإعاقات بقدر ما أخذت من التصورات والأنظمة الاشتراكية، وبقي فيها إلى اليوم "لوثات تنظيمية" تحد من انطلاقها وتواصلها التفاعلي مع العالم؛ دونما حززات من أوهام مسبقة عن التآمر والاختراق... إلخ. وكل هذا يبين لنا أن أثر النظام السياسي ـ إيجابا أو سلبا ـ أثر كبير وحاسم، بل ودائم إلى حد ما، لا يزول بزواله كنظام سياسي، بل يبقى معه لآماد قد تطول حسب الظروف المصاحبة واللاحقة.

وإذا كنت قد استحضرت نماذج من بعيد (من كوريا ودول العالم الشيوعي/ الاشتراكي السابق)، نستطيع بمعاينتها اكتشاف الأثر الحاسم للخيارات السياسية، ففي بعض الدول العربية نماذج حية لا تزال تصرخ في وجوهنا.

خذ على سبيل المثال ليبيا، حيث هي البلد النفطي الغني، ذو الموقع الجغرافي الاستراتيجي والسواحل المتنوعة الممتدة على طول ألفي كم، والمطلة على بحر من أهم بحار العالم. لقد حكم القذافي ليبيا لأكثر من أربعة عقود في عصر ازدهار الثروة النفطية، ولكنه قتل يوم قتل وهي بلا أية بنية تحتية تستحق الاحترام.

عالم الكوريتين يعطيك صورة فاقعة الألوان لأثر النظام السياسي المباشر على حياة الأفراد

​​لقد كنت أرى الأشقاء الليبيين في الإسكندرية يوافدون عليها للعلاج من أمراض متوسطة تمتلك علاجها حتى بعض الدول الفقيرة. وعندما أسألهم عن سبب تفضيلهم العلاج في مصر، لا يكون الجواب المتوقع أن في مصر ما هو أفضل، بل أن لا علاج لهذه الأمراض في بلدهم أصلا، وأنهم مضطرون للعلاج في مصر لأنها البلد الأقرب الذي يتوفر فيه ما يحتاجونه من علاج. وأذكر آنذاك أنه تبادر إلى ذهني مقارنة بين "حال ليبيا كما هو واقع"، و"حالها كما هو متوقع"؛ لو كان الذي أمسك بزمام أمرها لأكثر من أربعة عقود نظاما سياسيا منفتحا على العالم المتقدم، ذلك العالم القريب الذي يقع على الضفة الأخرى للمتوسط.

اقرأ للكاتب أيضا: عصر الجماهير الليبرالية

كنت أتأمل موقع ليبيا، وأجزم بأن ما تمتلكه يضمن لها أن تكون حلقة وصل بين العالم العربي وأوروبا، بل وأزعم أنها كانت تستطيع بإمكانياتها المالية الكبيرة أن تحقق مثلما حققته دبي أو أفضل (لاحظ موقع ليبيا القريب جدا من أوروبا، وفي السياق نفسه، توسطها بين المشرق العربي والمغرب العربي، وأيضا مجاورتها لأكبر تكتل بشري عربي: مصر). لقد كانت ليبيا قادرة أن تبني أفضل وأكبر المطارات والموانئ والمدن السياحية والتجارية التي تربط بين العالم العربي والشرق كله بأوروبا، بل وبأميركا.

كنت أتأمل كل ذلك وأتحسر على هذه الإمكانيات الهائلة المهدرة في ضجيج الأوهام الثورية العبثية بقيادة القذافي (الذي بات من المؤكد ـ وفق بعض القراءات النفسية ـ أنه كان مجنونا أو شبه مجنون)؛ حيث لم يترك من بعده إلا شبح دولة، سرعان ما تهاوت وتمزقت أشلاء قبائل ومناطق تتناحر إلى اليوم في سبيل الأوهام.

إن كل هذه النماذج، وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره، تعكس الأثر الحاسم للأنظمة السياسية في تحديد مصير الدول، وتؤكد أن البشر معذورون عندما تأخذهم الاهتمامات السياسية إلى ما يتجاوز حدود ما يستطيعون. لكن، وأيا كانت مركزية الفاعلية السياسية المباشرة، فلا يجوز أن ننسى أو نتناسى أن الفاعلين في المجال السياسي هم في نهاية بشر، ما يعني أنهم كائنات ثقافية لا تصدر عن فراغ ثقافي/ حياد ثقافي، ولا تتجه بأفعالها/ قراراتها نحو فراغ ثقافي، بل إن القرار السياسي حتى وهو يحدد طبيعة الثقافة أو يرسم مسارها، يصدر ـ بالضرورة ـ عن ثقافة ما، سواء أكانت معلنة أم غير معلنة، فهي في النهاية تشكل الوعي المضمر الذي تصدر عنه مجمل سلوكيات الإنسان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.