الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما (أرشيف)
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما (أرشيف)

بقلم دارا عبدالله/

ما هي الدوافع الأساسية لمواقف الإدارة الأميركية من الأزمة السورية التي بدأت كثورة شعبية اجتماعية ـ سياسية واسعة في آذار/مارس عام 2011، ثم تحولت لاحقا إلى شكل من أشكال الحرب الأهلية المفتوحة، لتستقر أخيرا على حرب إقليمية ودولية مصغرة داخل الأرض السورية، تقوم بها قوى محلية وكيلة؟

أصل الموقف

أسس الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للموقف الأميركي الحالي تجاه الأزمة السورية، والذي تمثل في الحياد البارد، وتجنب التورط العسكري الميداني المباشر. وظهر هذا الانكفاء بشكل واضح بعد توقيع اتفاقية مع الروس من أجل تفكيك الترسانة الكيميائية لنظام آل الأسد، بعد استخدامه السلاح الكيميائي وقتله للمئات في منطقة الغوطة بريف دمشق في 21 آب/أغسطس من عام 2013، وذلك على الرغم من التصعيد الكلامي الخطابي والإعلامي ضد نظام الأسد، إذ طالب أوباما، الرئيس الأميركي حينها، بشار الأسد بالتنحي في شهر آب/ أغسطس من عام 2011، عندما قال بأن "الأسد فقد شرعيته".

فصل النظام في سورية عن الدولة هو أمر صعب، كأن تفصل صوفا عالقا في كومة قش

​​من جهة أخرى، حاولت إدارة أوباما الاستفادة من الحالة السورية من أجل تحسين شروط المفاوضات مع إيران بخصوص برنامجها النووي، عن الطريق المساومة بين الاعتراف بالنفوذ داخل سورية، أو زيادة العقوبات بخصوص البرنامج النووي. توجت هذه المفاوضات بتوقيع اتفاق في 14 يوليو/تموز من عام 2015. أقرت تلك الاتفاقية، ولو بشكل غير معلن، اعترافا وغضا للنظر عن الدور الإيراني في سورية.

اقرأ للكاتب أيضا: في أسباب الهزيمة في عفرين

كما أن في التجربة الأميركية التاريخية ذاكرة سيئة في العراق وأفغانستان، الأمر أدى إلى تصاعد مزاج معاداة الحرب في الرأي العام الأميركي من جهة وانكفاء المحافظين الجدد عن النزعة العسكرية التدخلية من جهة أخرى بسبب التكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة لحرب العراق.

هاجس العراق

المؤسسات الثلاث الكبرى في الولايات المتحدة الأميركية، أي البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع، كانت تخاف فعليا من انهيار كيان الدولة في سورية، على غرار التجربة العراقية. كان في الخطة الأميركية المقترحة إزاء سورية تغيير النظام مع الحفاظ على الدولة، لأن تفكيك الدولة والقضاء على النظام السابق وعدم أخذ مصالح البنى الاجتماعية والسياسية للنظام السابق بعين الاعتبار، كما حصل في العراق، لعب دورا مهما في انتشار تنظيم داعش، خصوصا بعد السيطرة الإيرانية شبه الكاملة على العراق والطابع الطائفي الشيعي للحكومات العراقية المتعاقبة وإقصاء السنة من مراكز القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

تفكيك النظام السابق في سياسة "اجتثاث البعث"، اعتمادا على استراتيجية بول بريمر، أدى إلى تفاقم الوضع الطائفي والسياسي في العراق. جزء من تنظيم "داعش" تكون من البعثية الصدامية الاستخبارية، والتي جرحت نرجسيتها وانهزمت تماما في الحرب. ولكن خطأ الإدارة الأميركية الكبير في سورية، هو الاعتقاد بأن النظام السوري مفصول تماما عن الدولة.

أقر الاتفاق النووي، ولو بشكل غير معلن، اعترافا وغضا للنظر عن الدور الإيراني في سورية

​​في كتابه "فلاحو سورية" يشرح حنا بطاطو بشكل واضح كيف أن الدولة في سورية مبتلعة بشكل مطلق من قبل النظام. وقد أشار الباحث السوري الراحل، جورج طرابيشي، في مقالة مشهورة له بعنوان "من الإصلاح إلى الإلغاء"، نشرت في بداية الثورة، كيف أن النظام (آل الأسد والنخبة الاقتصادية الحاكمة وأجهزة الأمن والجيش) أقوى بما لا يقاس من الدولة الضعيفة (جهاز الشرطة وقوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية ومؤسسات الدولة).

اقرأ للكاتب أيضا: عالم موظف السفارة

فصل النظام في سورية عن الدولة هو أمر صعب، كأن تفصل صوفا عالقا في كومة قش. ما كانت تريده الإدارة الأميركية، أي تغيير النظام مع الحفاظ على الدولة، أدى إلى زيادة في إضعاف الدولة وتدميرها بشكل مطلق في بعض المناطق مع اشتداد قوة النظام وزيادة تصلب النواة الأمنية ـ العسكرية داخله. الخوف والعيش تحت هاجس الخطأ العراقي، أدى إلى ارتكاب خطأ تاريخي كبير في سورية، نتيجته تسليم سورية إلى شخص عدواني غامض مهووس بالسلطة والقوة العسكرية يدعى فلاديمير بوتين.

أخيرا، لابد من ذكر إسرائيل، كفاعل إقليمي أساسي أيضا في الأزمة السورية. إسرائيل مهتمة بالهدوء على حدودها الشمالية على جبهة الجولان التي بقيت هادئة منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، ولا تريد تحول الأراضي السورية إلى مكان لانطلاق عمليات حزب الله أو إيران. إسرائيل أيضا لعبت دورا أساسيا في صياغة الشكل الحالي للأزمة السورية، عن طريق الضغط على الولايات المتحدة بعدم سيادة أي طرف من أطراف النزاع، واستنزاف كل شيء في سورية، لتبقى سورية ضعيفة غير قادرة على المجابهة مستقبلا.

يبقى الغائب الأكبر من النقاش الدولي هو الشعب السوري الذي دفع دماء نصف مليون إنسان كي يستلم زمام مبادرة حياته.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.