جانب من الاحتجاجات عند الحدود بين غزة وإسرائيل
جانب من الاحتجاجات عند الحدود بين غزة وإسرائيل

بقلم داود كتاب/

"ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل" هذا القول الشهير هو عجز بيت من قصيدة "لامية العجم" للطغرائي المتوفى سنة 514 هجرية (1120 ميلادي). القول لا يزال مرتبطا بواقعنا حتى اليوم. وما علينا إلا متابعة أحداث غزة المأساوية لفهم العلاقة بين الأمل وضيق العيش.

يعتبر صانعو السلام وخبراء التفاوض في المناطق الساخنة أن أحد أهم مهامهم هو العمل على توفير تلك الفسحة من الأمل التي تسمح للمواطن، مهما كانت عيشته صعبة، أن يتحمل هذه الأوضاع اعتمادا على تلك الفسحة، حتى وإن كانت ضئيلة، وأن يتوقع تحسن الأمور في المستقبل.​​

تسبب غياب التحرك السياسي واستمرار الحصار المشدد باليأس

يقول المثل العربي في "الحركة بركة"، وكثيرا ما حاول السياسيون والمفاوضون التمسك بهذا المثل حتى عند أحلك الجلسات التفاوضية، فلسان حالهم يقول إنه ما دام هناك تحرك تفاوضي ومسيرة سلمية فهناك أمل والأمل يمنع أو يؤجل الانفجار.

ولكن خطورة الاعتماد فقط على شعار "الحركة بركة"، كما كان يكرر الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، من دون تحقيق أي نتائج، يجبر الطرف الضعيف على التوقف عن الاستمرار في اللعبة الدبلوماسية والتقاط الصور الصحافية للمصافحة مع مرور السنين والعقود من دون حلول.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سينجح بومبيو بإعادة دور الدبلوماسية الأميركية الفعال؟

ولذلك فإن غياب التحرك التفاوضي، الذي توقف كليا في نيسان/أبريل 2014، وغياب حتى التواصل بين القيادة الفلسطينية وإدارة الرئيس دونالد ترامب بعد إعلان القدس عاصمة لإسرائيل عظم من اليأس الفلسطيني، وأدى إلى تراجع أي بصيص للأمل.

هذه باختصار الحالة الفلسطينية بشكل عام، وحالة الأهل في غزة بشكل خاص. فقد تسبب غياب التحرك السياسي واستمرار الحصار باليأس. وقد زاد الطين بلة أن قرار الرئيس الأميركي الذي لا يبدو مبنيا  على خطة سلام متكاملة أوصل الفلسطينيين إلى القناعة بأن إمكانية الوصول إلى حل سلمي أصبحت شبه مستحيلة، خاصة بعد تصريحات الرئيس ترامب بأنه أزال القدس عن طاولة المفاوضات؛ ناهيك عن تراجع الولايات المتحدة في دعمها المالي للأونروا التي توفر المساعدات المالية للاجئين الفلسطينيين، الذين لم يتوقفوا عن الحلم بالعودة.

لذلك شكلت مسيرة العودة الكبرى فرصة ذهبية للمواطن اليائس في غزة للتعبير عن رأيه، رغم معرفته المسبقة أن التظاهر قرب السياج الفاصل مع إسرائيل هو بمثابة حركة انتحارية. وبدل أن توفر حكومة نتانياهو تلك الفسحة من الأمل من خلال تخفيف الحصار الجائر على غزة، ردت بعنف على المتظاهرين، الأمر الذي عكس قمة العجرفة التي تتباهى بالقوة بدل التواضع والتعامل الإنساني مع شعب فقد حتى فسحة الأمل.

خطورة الاعتماد فقط على شعار "الحركة بركة" من دون تحقيق أي نتائج تجبر الطرف الضعيف على وقف العملية الدبلوماسية

إن القمع العنيف لتظاهرات غير مسلحة والقرارات الأميركية بشأن القدس واللاجئين تعكس محاولات أميركية ـ إسرائيلية قد تكون مبنية على فكرة المحلل اليميني الأميركي دانيال بايبس الذي يعتبر أن الطريق الأسرع إلى حل لصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو عبر إعلان الجانب الفلسطيني استسلامه.

 

اقرأ للكاتب أيضا: منظمة التحرير تراجع استراتيجياتها وتقلص كوادرها

ولكن، ما حدث في غزة والقدس قد يكون سببا في تغيير التعامل الفلسطيني مع الملفات السياسية، بعد أن تبين لكل مراقب للأحداث أن فكرة حل الدولتين أصبحت مستحيلة. وهو الأمر الذي يشجع كثيرين، وخاصة الجيل الشاب، على إلغاء الارتباط بفكرة الدولة الفلسطينية المحاذية لإسرائيل واستبدال تلك الاستراتيجية بأخرى طويلة الأمد تعتمد على بناء القدرات والمطالبة بالمساوة ضمن دولة واحدة ثنائية القومية.

يسأل البعض، وأنا منهم، أنه إن كان حل الدولتين المبني على التشارك بالأرض صعب المنال، فكيف يمكن أن يوافق الإسرائيليون على حل مبني على مشاركة الحكم مع الفلسطينيين من خلال فكرة الدولة الواحدة؟ ولكن الأحداث التي تحصل والقرارات التي يتم تطبيقها تضع الفلسطينيين في وضع لا بديل لهم فيه إلا العمل على محاولة فضح سياسات التمييز العنصري الحالية، والمطالبة بمساواة في الحقوق ضمن دولة واحدة مع صعوبة تحقيق تلك الفكرة، إن لم نقل استحالة تحقيقها. ويبقى السؤال هل توفر تلك الفكرة فسحة من الأمل يستطيع الفلسطيني في غزة أو الخليل أو القدس أن يتغلب عبرها على ضيق العيش؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.