رئيس الحكومة اللبنانية مع الرئيس الفرنسي خلال مؤتمر "سيدر" لدعم لبنان في أبريل الماضي
رئيس الحكومة اللبنانية مع الرئيس الفرنسي خلال مؤتمر "سيدر" لدعم لبنان في أبريل الماضي

بقلم فارس خشّان/

ما أشبه لبنان، في هذه الأيام، بالاتحاد الأوروبي. كلاهما في مأزق العودة إلى التشدد في التعاطي مع إيران.

مأزق أوروبا يكمن في تداعيات العقوبات التي تلي انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران، ومأزق لبنان يكمن في العقوبات الخليجية ـ الأميركية على "حزب الله" الموسوم بالإرهاب، بما يترجم رفض كل تمييز بين شق سياسي من جهة وشق عسكري من جهة أخرى.

وإذا كان المأزق الأوروبي اقتصاديا، إذ إن كبار مستثمريها قد يجدون أنفسهم وحرصا منهم على صلاتهم النفعية والربحية مع واشنطن مضطرين للانسحاب كليا من طهران، فإن المأزق اللبناني ولو كانت نهائيته اقتصادية إلا أن له مقدمات سياسية ـ سلطوية ـ أمنية.

ولكن، فيما يملك الاتحاد الأوروبي ما يعينه على الحد من الخسائر الاقتصادية المتوقعة، يقف لبنان أمام مفترق مصيري ذلك أن "بروكسل" ستخسر "الفوائد" في حين أن لبنان قد يفقد الرصيد.

لبنان، ومهما قيل عنه أو فيه، يستحيل أن يحيا بلا دعم خليجي كبير

​​ويبدو واضحا أن الدول الأوروبية لا تواجه هذا المأزق بعنجهية أو استكبار، بل إن أكثر الدول كلاما عن حرصها على سيادتها في توجيه سياستها الخارجية تسلم بأن مشكلتها مع "الصديق" الأميركي تكمن في التفوق الكبير لاقتصاده عموما وللدولار خصوصا، وتاليا فهي تطلب من نفسها، إن شاءت تحصين سيادتها، توفير الأدوات اللازمة لاستقلالها المالي والاقتصادي بحيث لا تتأثر مصارفها وشركاتها بمنظومة العقوبات الأميركية.

اقرأ للكاتب أيضا: اللاجئون السوريون وأصل العلة

ولكن، بطبيعة الحال هذا ليس وضع "بلاد الأرز".

لا يختلف اثنان أن لبنان وصل إلى حافة الانهيار الاقتصادي، وهو تطلع إلى مؤتمر "سيدر" وقروضه المضمونة، ووعد نفسه بانفتاح خليجي متجدد يعيد الحياة إلى السياحة المنتجة ووعد في مقابل ذلك المجتمع الدولي بسياسة تلتزم النأي بالنفس وباستراتيجية دفاعية تقدم منطق الدولة على مصلحة ما سماه وليد جنبلاط بـ"حلف طهران".

وعجزت القوى المناوئة لـ"حزب الله"، منذ العام 2005، أن تشكل أي حكومة من دون مشاركة فاعلة من "حزب الله" وحلفائه، وحين واصلت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عملها بعد استقالة "فريق الحزب"، وجدت نفسها تواجه مأزقا عسكريا تمثل في ما سمي بغزوة 7 أيار/مايو 2008. واضطر فريق 14 آذار، في حينها، أن يذهب إلى قطر حيث فرض ميزان القوى "اتفاق الدوحة" الذي كرس مشاركة الحزب بفاعلية في الحكومات.

وبقي لبنان من دون حكومة بعد استقالة الرئيس نجيب ميقاتي حتى ارتضى رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري بأن يتشارك مع "حزب الله" في حكومة واحدة متراجعا بذلك عن شعار مناقض كان قد رفعه. وكاد الحريري أن يخرج من الحياة السياسية، عندما أعلن استقالته من رئاسة الحكومة خلال "أزمة الإقامة" في الرياض، في خطوة كان يرجى منها سعوديا إسقاط مشاركة "حزب الله" في الحكومة، كرد على الأدوار العسكرية المنسوبة الى هذا الحزب دعما للحوثيين في اليمن "الحزين".

جاءت العقوبات السعودية ـ الخليجية ـ الأميركية على قيادة "حزب الله" غداة التقدم النوعي للحزب في الانتخابات النيابية

وجاءت العقوبات السعودية ـ الخليجية ـ الأميركية على قيادة "حزب الله" يتقدمها أمينه العام حسن نصرالله و"ممثله" في المفاوضات السياسية الداخلية حسين خليل، غداة التقدم النوعي للحزب في الانتخابات النيابية الأخيرة وتاليا نمو قدرته السياسية في لبنان على مشاركة أقوى وأفعل في تشكيل الحكومة وفي رسم الاتجاهات العامة للبلاد.

اقرأ للكاتب أيضا: انتخابات لبنان: الخاسر الأكبر

وإذا ما أخذت القيادات اللبنانية هذه العقوبات ومدلولاتها السياسية والاقتصادية في الاعتبار، فإن الرئيس سعد الحريري مثلا، سيجد نفسه في وضعية من يقول إن السعودية تعطي "حلف طهران" الفرصة للسيطرة على السلطة التنفيذية كاملة في البلاد، تماما كما يقول الاتحاد الأوروبي إن واشنطن تعطي الفرص الاستثمارية للصين على حساب دولها.

أما إذا سمحت الأهداف السياسية الداخلية مدعومة من الاتحاد الأوروبي، الخائف على تداعيات المس بالاستقرار اللبناني الهش عليه، بتجاوز العقوبات الجديدة وأبعادها السياسية في تشكيل الحكومة، فإن الكلفة الاقتصادية لذلك ستكون وخيمة للغاية، لأن لبنان، ومهما قيل عنه أو فيه، يستحيل أن يحيا بلا دعم خليجي كبير.

المؤكد، وسط هذه المشهدية، أن القارة التي سمت نفسها باسم تلك الأميرة الخلابة التي خطفها زوس من صور الفينيقية قادرة، ولو بصعوبة، على إيجاد مؤسسات تعينها في وقت لاحق على الإمساك بزمام أمورها، مهما كبرت التحديات الأميركية، لأن مكوناتها متجانسة ومتشابهة، لكن لبنان ليس كذلك، فهو لا يعيش في محيط مضطرب فقط بل يعاني من نظام مشوه، حيث تعلو إرادة مكون فيه ـ وهو المستهدف بالعقوبات ـ بفعل ما يملكه من قوة، على مشيئة كل المكونات الأخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

US Speaker of the House Nancy Pelosi, Democrat of California, speaks about the 101st anniversary of the House passage of the…

تتمتع بلدان كثيرة بقيادات نسوية مبهرة هذه الأيام. منها نيوزلندا برئيسة وزرائها جاسيندا أرديرن، التي أدارات عواصف سياسية عاتية في بلادها من هجوم كرايست تشيرتش وصولا إلى جائحة كورونا. وطبعا هناك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والمعروفة باسم "ماما ميركل" والتي استضافت أكثر من مليون مهاجر لألمانيا ودفعت ببلادها نحو التعامل بروح سياسية أكثر إنسانية نحو المهاجرين.

ربما لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، توجد سيدة حديدية من هذا النوع أيضا: نانسي بيلوسي، زعيمة الحزب الديمقراطي، ورئيسة مجلس النواب الأميركي. ولدت بيلوسي من عائلة مهاجرة من إيطاليا وكانت الفتاة الوحيدة مع ستة أولاد. تمثل سيرتها الذاتية نموذجا يعبر عن مدى اندماج المهاجرين في أميركا، حتى الجيل الأول منهم.

وهذا الاستيعاب السريع للمهاجرين يميز الولايات المتحدة عن غيرها من الدول الغربية التي لا تزال معظمها تعاني في ادماج هؤلاء في مجتمعاتها. لكن للأسف لعل هذا الأمر يمكن أن يتغير مع إدارة الأميركي دونالد ترامب والتي تكن عداءً والمهاجرين، حتى القانونيين منهم، هذا بالرغم من أن ترامب نفسه من عائلة مهاجرة.

في العام 1987، أصبحت نائبة في الكونغرس. استمرت بيلوسي بصعود سلم النجاح حتى أصبحت رئيسة الكونغرس سنة 2007

يجري النشاط السياسي في عروق بلوسي. فقد كان والدها عضوا في الكونغرس في ولاية ميريلاند وبعدها أصبح حاكما لمدينة بالتيمور، حيث ولدت بيلوسي ولاحقا بدأت مسيرتها السياسية بمساهمتها في حملات والدها الانتخابية وهي طفلة. ورغم إنجاب والدة بيلوسي، والتي ولدت في جنوب إيطاليا، سبعة أطفال إلا أنها هي الأخرى كانت ناشطة في الحزب الديمقراطي حيث كانت تقوم بتنظيم نساء الحزب. بيلوسي نفسها زوجة وأم لخمسة أطفال ولكن هذه المسؤولية العظيمة لم تمنعها من دخول التاريخ من أوسع أبوابه. مع العلم أن معظم قيادات العالم النسوية لديهن عائلات، لكن يبدو أن بعض الثقافات لا تزال غير قادرة على أن تتخيل قيام المرأة بأكثر من دور، بل وتخشى أمثال بيلوسي، فتحاول أن تقنن ما من شأنه أن يمنع حدوث ذلك.

كشابة يافعة، انتقلت بيلوسي إلى مدينة سان فرانسيسكو وخلال سنوات قليلة وبعد عدة مناصب في الولاية أصبحت رئيسة الحزب الديمقراطي لولاية كاليفورنيا. وبعد ذلك، في العام 1987، أصبحت نائبة في الكونغرس. استمرت بيلوسي بصعود سلم النجاح حتى أصبحت رئيسة الكونغرس سنة 2007، وكانت بذلك أول امرأة على الإطلاق تحصل على هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة. 

وفي عملها كمتحدثة باسم الكونغرس وعضوة فيه، تربعت بيلوسي على ملفات شائكة وواجهتها بقوة ليس فقط أمام منافسيها من خارج الحزب بل حتى من داخله. كانت بيلوسي من المعارضين لحرب العراق كما كانت دائما مدافعة شرسة عن الخدمات الصحية والاجتماعية للأميركيين والتي غالبا ما يصوت ضدها الجمهوريون. ومن آخر الملفات التي أدارتها بيلوسي ملف عزل الرئيس الأميركي، ومرة أخرى دخلت التاريخ بذلك، لتكون المرأة التي أدارت حملة التصويت ضد ثالث رئيس في تاريخ أميركا يصوت الكونغرس لعزله.

 اصطدمت بيلوسي داخل حزبها الديمقراطي مع شابات الحزب الجديدات والمعروفات بسياساتهن المتقدمة واللاتي يشملن المهاجرة الصومالية إلهان عمر، والفلسطينية الأميركية رشيدة طالب والأميركية الكسندرا أوكازيو كورتيز ذات الأصول اللاتينية وهي في عمرها، التاسعة والعشرين، تعتبر المرأة الأصغر في دخولها الكونغرس. 

مما لا شك فيه أن الحزب الديمقراطي، يبدو، بشكل عام، في سياسته الاجتماعية هذه أكثر تقبلا للتعددية وللأقليات حيث يمثل الكونغرس الأخير تعددية لم يسبق لها مثيل في أميركا. ولعل بيلوسي أدارت دفة الصدام ينجاح واستوعبت الخلافات داخل حزبها.

بيلوسي البالغة من العمر ثمانين عاما أنجزت حتى الآن ما لم تستطع آلاف بل ملايين النساء إنجازه ولا تزال مفعمة بالحيوية والنشاط

بيلوسي تتحدى جميع الصور النمطية للمرأة بشخصيتها القوية حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. فرغم أن الإحصائيات تشير إلى أنه لا يزال هناك تمييز ضد النساء في أميركا (مقارنة بالكثير من باقي الدول الغربية التي تشترك معها أميركا في الإرث التنويري الليبرالي)، حتى من النساء أنفسهن وبسبب الثقافة العامة فإن بيلوسي تشكل مثلا أعلى في شخصيتها القوية، ولعل أميركا التي لم تنجح بعد في اختيار امرأة كرئيسة بحاجة ماسة لنموذج مثل هذا لنسائها ورجالها.

الأمر الذي يدعو للاستغراب، أنه رغم عداء بيلوسي من قبل الرئيس الأميركي، إلا أنه لم يهاجمها بنفس الضراوة التي هاجم بها باقي خصومه. فما هو السبب يا ترى؟ هل يرى بها ندا يحترمه رغما عن نفسه؟ أم أن السبب هو خلفية بيلوسي المتدينة؟ فبيلوسي المنحدرة من عائلة كاثوليكية قالت لوسائل الإعلام ذات مرة إنها تصلي من أجل الرئيس ومن المعروف أن المتدينين المسيحيين من أكبر داعمي الرئيس.

بيلوسي البالغة من العمر ثمانين عاما أنجزت حتى الآن ما لم تستطع آلاف بل ملايين النساء إنجازه ولا تزال مفعمة بالحيوية والنشاط. فهما هو سر نجاح هذه المرأة؟ ولعلها بذلك تستحق فعلا أن تدرس كمثال لكل أميركية تحلم بكسر الحاجز الزجاجي في السياسة الأميركية. حتى ذلك الوقت، ومما لا شك فيه أن بيلوسي ستبقى تسطر التاريخ إلى أن تبلغ نفسها الأخير.

ولعلنا نتساءل في ختام هذه المقالة، هل تكفي سيدة واحدة لتكون رمزا ملهما للملايين؟ يدفعني التفكير ببيلوسي للتساؤل أيضا: لماذا لم تخلق أنظمة السياسة العربية هكذا امرأة منذ مئات الأعوام؟ حاولت بلا نجاح أن أفكر ولو بامرأة واحدة على الأقل من الدول العربية بأكملها، امرأة لعبت دورا قياديا حقيقيا وطويل المدى يوازي أو يقارب ما قامت به بيلوسي أو ميركل أو أرديرن. فلم أجد شيئا ذا بال. فلماذا لم تنتج مجتمعاتنا هكذا قيادات؟ لا بد أن العوائق سواء القانونية أو الاجتماعية أو الدينية محكمة بشكل صارم مما لا يسمح ولو لواحدة أن تشذ عن القاعدة. ليكون التساؤل الأخير هو كيف نكسر هذه الحواجز لتنفذ وتولد مواهب نسائية عديدة داخل هذه المجتمعات؟