من التظاهرات في غزة
من التظاهرات في غزة

بقلم عريب الرنتاوي/

تحولت واقعة افتتاح السفارة الأميركية في القدس، والأحداث المروعة التي سبقتها ورافقتها في قطاع غزة، إلى مناسبة لتجديد وتفعيل "صراع القوى" على المستويين المحلي الفلسطيني، والإقليمي (التركي ـ السعودي). فتحت عنوان نصرة القدس والتضامن مع الغزيين تجري أوسع وأعقد عملية صراع على القيادة والنفوذ في هذين المجالين.

فلسطينيا، بدا أن الشعارات التي رفعتها حركة "حماس" لتحريك مئات آلاف الفلسطينيين صوب السياج الحدودي للقطاع المحاصر مع إسرائيل، لم تكن مقصودة بذاتها، وأن أهداف الحركة من وراء هذا التحرك الشعبي غير المسبوق، إنما كانت تقع في مكان آخر...

في المقابل، لم يأت تحرك خصوم حماس في فتح والسلطة، مرتبطا باستراتيجية فلسطينية بديلة في مرحلة ما بعد نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتآكل خيار المفاوضات و"حل الدولتين"، وإنما جاء تعبيرا عن حرص هذا الفريق على عدم ترك الساحة الشعبية خالية لحماس، وتعبيرا عن الرغبة في مزاحمة هذه الحركة على "الشرعية الشعبية" التي جرى التعبير عنها بهذه الموجات المتعاقبة من التظاهرات الجماهيرية الواسعة في القطاع أساسا، وفي الضفة والقدس بالدرجة الثانية.

يتضح أن القدس وغزة وفلسطين عموما قد تحولت من قضية إلى ساحة صراع

​​ووفقا لما تتناقلته وسائل الإعلام والمصادر الفلسطينية المطلعة، فإن حراكا سياسيا ودبلوماسيا يجري بكثافة هذه الأيام، في القنوات الخلفية وخلف الأبواب المغلقة، محوره حركة حماس، وتنخرط فيه عدة أطراف إقليمية ودولية، من بينها الأمم المتحدة ومصر وقطر. ويجري التداول في فرص التوصل إلى "رزمة شاملة"، تشمل تخفيف العقوبات المفروضة على القطاع، وإتمام صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، وترتيب عودة السلطة بصورة من الصور إلى القطاع، نظير هدنة طويلة الأمد تبرمها حماس وإسرائيل عبر طرف ثالث، وتبدأ بتخفيف حدة المواجهة على الشريط الحدودي والعودة إلى قواعد الاشتباك التي كانت قائمة قبل انطلاق "مسيرة العودة الكبرى".

اقرأ للكاتب أيضا: طهران وعواصم المنطقة على 'صفيح نووي ساخن'

حماس باتت في وضع أقوى فلسطينيا بعد مسيرات العودة ومن الصعب التكهن بقدرة الرئيس محمود على فرض شروطه السابقة لإتمام المصالحة مع الحركة الإسلامية، لا سيما ذاك الشرط المتعلق بتسلم القطاع كاملا، وبكل الصلاحيات والمسؤوليات، أو تركه لحماس كاملا تتولى وحدها المسؤولية عن تسييره وتدبر معيشة أبنائه وحفظ أمنه واستقراره الاجتماعي.

هنا، يأتي دور الوسطاء المتعددين الذين وإن عمل كل فريق منهم على نحو منفرد ومستقل عن الآخر إلا أن التقديرات تشير إلى أنهم يسعون إلى تحقيق الأهداف ذاتها تقريبا. ومن المرجح أن تتكثف الضغوط على طرفي المعادلة الفلسطينية من أجل الوصول إلى "نقطة وسط" تسمح برفع المعاناة الإنسانية عن القطاع وأهله، وتعيد للسلطة بعضا من وجودها وحضورها في القطاع، ولا تجرد حماس بالكامل من جميع عناصر قوتها واقتدارها وإن كان سيمنع عنها أسباب ومصادر بناء المزيد منها.

ومن المؤسف حقا، أن مئات آلاف الفلسطينيين الذين انخرطوا في مسيرات العودة الكبرى تحت شعارات تحمل عناوين "القدس" و"العودة" قد يكتشفون، بأسرع مما يظن، أن المبادرات ومشاريع "الرزم الشاملة" التي يجري تداولها لا تتخطى معالجة "البعد الإنساني والحياتي" لأزمة الفلسطينيين في غزة من معابر وكهرباء ووقود وغذاء ودواء، فيما "البعد السياسي" الأشمل للحل النهائي لقضيتهم سيظل معلقا حتى إشعار آخر.

وسيكتشف الفلسطينيون مرة أخرى أن انقسامات فصائلهم وصراعات قياداتهم على "سلطة لا سلطة لها"، قد بددت تضحياتهم وحالت دون استثمار هذه اللحظة الاستثنائية لتحفيز الحل النهائي.

إقليميا، بدا أن واقعة نقل السفارة الأميركية للقدس وتظاهرات أهل غزة، قد أحيت من جديد الصراع السعودي ـ التركي على قيادة المنطقة والعالم الإسلامي. والمفاجئ أن طهران هذه المرة، لم تظهر كلاعب حاضر بقوة في المشهد الفلسطيني. فهي منشغلة في محاولة استنقاذ الاتفاق النووي بعد انسحاب واشنطن منه، ومنهمكة أكثر من أي وقت في إعادة "تقدير موقفها" في سورية بعد المؤشرات المقلقة التي صدرت عن الكرملين، والتي استبطنت موقفا روسيا لا يمانع في تقليم أظافر إيران في سورية، وبعد "الاختراقات" النوعية التي حققها معسكر عبد ربه منصور هادي والتحالف العربي في اليمن ضد جماعة الحوثيين، وفي ضوء سلسلة العقوبات الأميركية ـ الخليجية المقيدة تماما لحرية حركة حزب الله بمستوييه العسكري والسياسي على حد سواء، فضلا عما يشغلها في العراق بعد الكشف عن النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية والتي لا يمكن القول إنها ستحفظ مصالح إيران ونفوذها كما كانت عليه من قبل.

أما أردوغان المقبل على انتخابات رئاسية وتشريعية وصفت بالتاريخية والمصيرية، وجد ضالته في "القدس" و"غزة" لشد العصب الديني لقطاع واسع من ناخبيه المحافظين لا سيما في المناطق الريفية والأحياء الشعبية في مدن تركيا الكبرى. ودخلت "القدس" و"غزة" على خط الصراع الانتخابي بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وخصومه في أحزاب المعارضة.

بدا أن واقعة نقل السفارة الأميركية للقدس وتظاهرات أهل غزة، قد أحيت من جديد الصراع السعودي ـ التركي على قيادة المنطقة والعالم الإسلامي

​​وكعادته، لجأ أردوغان إلى خطابه "الشعبوي" في التظاهرات الشعبية الحاشدة في المدن التركية، لكسب التأييد محليا وتجديد زعامته "الكاريزمية" على مستوى الإقليم وفي العالمين العربي والإسلامي.

الزعيم التركي، المتمرس في "فن مخاطبة الجماهير"، لم يترك وسيلة لإثارة الجمهور وشد عصبه، لكنه في المقابل، تفادى الإقدام على أي إجراء من شأنه إلحاق أذى "استراتيجي" في العلاقة مع إسرائيل. فقد أوعز لنواب حزبه في البرلمان (الأغلبية) بإسقاط مقترح تقدم به حزب الشعب الجمهوري المعارض، لقطع كافة أشكال التعاون الاقتصادي والتجاري والعسكري مع إسرائيل، في مسعى من الحزب المعارض لتوظيف "اللحظة الفلسطينية" المتوترة في الانتخابات التركية الساخنة.

اقرأ للكاتب أيضا: قرع طبول الحرب لا يعني الانزلاق إلى أتونها... ولكن!

وبدعوته قادة منظمة التعاون الإسلامية لقمة طارئة في إسطنبول لتدارس الوضع الخطير في القدس وغزة، ما كان للسعودية أن تقف مكتوفة الأيدي أو أن تستمر في إبداء "اللامبالاة" التي أظهرتها مؤخرا حيال القضية الفلسطينية، فقبلت من موقعها كرئيسة للقمة العربية، برفع مستوى الاجتماع الطارئ للجامعة العربية إلى المستوى الوزاري بعد أن كان مقررا عقده على مستوى المندوبين فقط.

واعتمدت المملكة في خطاب وزير خارجيتها أمام المؤتمر الوزاري العربي لغة أكثر حدة في نقدها لقرار ترامب حول القدس وفي دعوتها لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة في أحداث غزة. كما سعت المملكة، وفقا لمصادر عديدة متطابقة، إلى تقليص مستوى تمثيلها وتمثيل عدد من الدول التي تحتفظ بتأثير عليها في قمة إسطنبول الإسلامية الاستثنائية. وهي خطوة اعتبرت ردا على اتهامات غير مباشرة كان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قد وجهها لدول عربية لم يسمها بممارسة ضغوط على الأردن والسلطة الفلسطينية للقبول بمشروع ترامب المفترض والمعروف إعلاميا باسم "صفقة القرن".

وهكذا، يتضح أن القدس وغزة، وفلسطين عموما، قد تحولت من قضية إلى ساحة يتصارع فوقها قطبا الانقسام الفلسطيني، فتح وحماس، سعيا وراء الشعبية والشرعية، مثلما صارت سببا في إذكاء حدة الانقسام الإقليمي، بين تركيا والسعودية هذه المرة، وميدان للصراع على زعامة الإقليم والعالم الإسلامي.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.