من تضطره الظروف أن يعيش في بلاد الغربة، سيفتقد كثيرا من الطقوس الرمضانية
من تضطره الظروف أن يعيش في بلاد الغربة، سيفتقد كثيرا من الطقوس الرمضانية

بقلم رياض عصمت/

منذ أن قرأت كتاب المفكر الوجودي المسيحي غابرييل مارسيل، اقتنعت برأيه القائل: "الإيمان عاطفي، وليس عقلانيا". بالتالي، توقفت منذ مطلع شبابي عن محاججة الآخرين بأمور الدين احتراما مني لقناعاتهم بهذا المعتقد أو ذاك، ذلك لأنني آمنت أن "حريتي تقف عند حدود حريتهم"، ولأنني تبنيت القول مبكرا بأنه يجب "ألا يفسد اختلاف الرأي للود قضية"، فآثرت تجنب النقاش في أمور الدين، إلا في حال إدراكي وجود تقارب معين في وجهات النظر الفلسفية.

هناك أوساط اجتماعية عديدة في بلدان العالم العربي يحترم فيها حتى أصحاب العقائد الأخرى شعائر الصيام عند المسلمين، فيمتنعون عن شرب القهوة والشاي أو التدخين علنا أمام زملائهم. سألت طالبة أميركية تدرس الشرق الأوسط وثقافاته فيما إذا كانت تصوم في شهر رمضان أسوة بزميلتيها المسلمتين في السكن المشترك. قالت: "أنا كمسيحية لا أصوم في شهر رمضان طبعا، لكنني أمتنع عن تناول الطعام أمام زميلتي في السكن احتراما مني لعقيدتهما. بالتالي، يمكنك القول، يا أستاذ، إنني بالتالي أصوم فعليا خلال شهر رمضان".

في المقابل، هناك أوساط جامعية وفنية في عواصم العالم العربي والإسلامي يغلب عليها طابع عدم الالتزام بالصوم، لكن معظم الناس يحجمون عن تناول الأطعمة والمشروبات علنا، وذلك بدافع الالتزام الأخلاقي قبل الالتزام الديني. كان ذلك أمرا مألوفا في المجتمع السوري المعروف بانفتاحه وقبوله للتعددية والتنوع في القناعات والممارسات الحياتية، قبل أن تنمو فيه الطائفية والتعصب الكريهين من أطراف غذت الكراهية وتشظية المجتمع كي تبرر استخدام العنف بحيث شوهت لوحة الفسيفساء المنسجمة والمتناغمة منذ قرون عديدة.

عندما كنا صغارا لطالما شرع أحدنا بالعد بصوت عال من واحد إلى عشرة قبيل الغروب في استعجال للوصول إلى الإفطار المنتظر

​​ينسى بعض الناس أو يتناسون أن الصيام لا يقتصر على الإسلام والمسلمين فحسب، بل هو طقس ديني من طقوس اليهودية والمسيحية وجد قبل ظهور الإسلام، وإن اختلفت شعائره بين دين وآخر. كما وجد الصيام عند بعض القبائل التي لا تدين بأي من الأديان الإبراهيمية الثلاثة الكبرى.

من المعروف مثلا أن المسيحيين يصومون على الزيت فقط في فترة معينة من العام. ومن المألوف أن يصوم حتى بعض الملحدين شهرا كاملا أو يزيد عن تناول أي مشروب كحولي على الإطلاق لتطهير أجسامهم تماما مرة في السنة من آثاره المضرة بالكبد.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تتحقق أضغاث الأحلام؟

جدير بالذكر، تخللت تفسير ابن كثير أقوال نقلا عن بعض صحابة الرسول تفيد أن صيام السابقين كان ثلاثة أيام من كل شهر، وأن الصيام سبق أن مورس كطقس ديني قبل أن ينزل الإسلام. لذلك، يشاع أن فريضة الصوم كادت أن تكون ثلاثة أيام فقط، لكنها ما لبث أن مددت إلى شهر كامل. وبما أن الإسلام الحقيقي دين رحمة، كانت بعض الأمهات تهمسن للأطفال: "صوموا درجات المأذنة"، أي صوموا للظهر فقط، بما يعني تجنب تناول إفطار الصباح فحسب، وذلك لأن أجسامهم الهشة في ذلك العمر المبكر لا تتحمل مشقة الصيام، خاصة في فصل الصيف الحار حين يصبح العطش لا يطاق، وتفوح من الفم روائح ليست من المسك والعنبر في شيء.

لا شك أن من تضطره الظروف أن يعيش في بلاد الغربة، سيفتقد كثيرا من الطقوس الرمضانية التي ما زالت تعشش في ثنايا الذاكرة، رغم عدم تمكنه من إحيائها في بيئات اجتماعية بعيدة عن الأوطان. بالتأكيد، ليست هذه الطقوس جميعا دينية الطابع والدافع، بل تتخذ طابعا فولكلوريا في أحيان عديدة، إذ يتكاثر الباعة الجوالون في شوارع دمشق القديمة، فترى عربات بيع الفول والمخللات ودكاكين بيع المشاوي والحلويات تتضاعف بشكل ملحوظ، بل يستأجر بعض البائعين إياها لمدة مؤقتة خلال شهر الصيام فقط. أما إذا صادف رمضان فصل الصيف، فترى أركان بيع الصبار وعربات لبيع أكواز الذرة المسلوقة والمشوية.

عرفت كثيرا من الأجانب وبعض المسيحيين والعلمانيين يحتفلون بطقوس رمضان مجارين بذلك عادات المسلمين وأعرافهم في دمشق والقاهرة وتونس وسواها. كان كثير من السياح الأجانب لدمشق يعربون عن سعادتهم وبهجتهم إذا صادف توقيت زيارتهم شهر رمضان في حين كان بعض المواطنون الشباب يتذمرون من الصيام. كذلك كان الدبلوماسيون الأجانب الذين يخدمون في سفارات بلادهم يحترمون طقوس رمضان، رغم أنهم لم يكونوا يعرفون إلا القليل عنه.

أول ما كان يستهوي الأجانب، مثلما يستهوي العرب، هو مآدب الطعام العامرة التي تتبارى بتقديمها المطاعم على اختلاف مستوياتها وأسعارها، سواء وجبة الإفطار المسائية أم وجبة السحور الليلية. قبل ارتفاع الأسعار الجنوني في السنوات التي أعقبت 2011، كان من المألوف، حجز مائدة سلفا لتناول الإفطار أو السحور في معظم المطاعم الدمشقية والحلبية خاصة، إذ أصبح رمضان على مر الزمن مناسبة لخروج الأسرة بكامل أفرادها، والاستمتاع بوجبات هائلة التنوع والغنى، كثيرا ما ترافقها فرقة موسيقية صغيرة ومطرب وعازف عود.

أذكر حين كنت أعمل في الدوحة في آخر الثمانينيات من القرن الماضي كيف أقام "الشيراتون" مطعما مصري الطابع للاحتفاء برمضان أطلق عليه اسم "ليالي الحلمية"، وكان يرتاده مختلف الناس من عرب وأجانب لتناول وجبات السحور. وكثيرا ما أطلقت أسماء مثل "خان الخليلي" و"حمام القيشاني" وسواهما من أسماء شعبية جذابة على خيم هائلة الحجم تقام في شهر رمضان خاصة لجذب الزبائن.

لا بد أن نذكر أيضا أن شهر رمضان هو الشهر الأبرز من السنة لمتابعة المسلسلات التلفزيونية السورية والمصرية التي تزخر بها المحطات الفضائية وتتنافس حول العرض الأول، بحيث تحول الأمر من مسلسلات الماضي ذات الثلاثة عشر حلقة التي كانت تبث أسبوعيا إلى مسلسلات الثلاثين حلقة التي تبث يوميا خلال أيام شهر رمضان، هذا إذا لم تضف إليها بضع حلقات تغطي أيام عيد الفطر.

هناك من يرى سمات لشهر رمضان تتجاوز المعنى الديني الصرف، إذ لم يكن المجتمع السوري متعصبا في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، بل كان مشهورا بالاعتدال. بالرغم من أنني لطالما سمعت عن قانون يجيز للشرطة اعتقال من يشاهد مفطرا بصورة علنية وإبقائه في السجن حتى يطلق سراحه مع أول أيام عيد الفطر، فالواقع أنني لم أسمع بحادثة اعتقال من هذا النوع على الإطلاق رغم ما صادفت من مفطرين.

من المألوف أيضا أن يجتمع الأصدقاء قبل قدوم رمضان في جلسة سمر يطلقون عليها "تكريزة رمضان"، يتناولون ويتجرعون فيها ما لذ وطاب لهم، مهيئين النفوس للالتزام بشعائر شهر الصيام.

لا شك أن من تضطره الظروف أن يعيش في بلاد الغربة، سيفتقد كثيرا من الطقوس الرمضانية التي ما زالت تعشش في ثنايا الذاكرة

​​رمضان ليس مجرد صيام وصلاة وعبادة للمسلمين، بل إن جوهره التذكير بمكارم الأخلاق، إذ ينهى فيه عن الغش والاغتياب والنميمة، أي الكلام بالسوء دون حق على أحد، وارتكاب المعاصي.

للأسف، يتناسى بعض الصائمين أن شهر رمضان يأتي للتذكير بأن تلك العادات الذميمة ليس مسموحا بها في الأحد عشر شهرا الباقية من السنة، ولا شيء يبرر ارتكابها أيضا خارج شهر العبادة والصوم.

عندما كنا صغارا لطالما شرع أحدنا بالعد بصوت عال من واحد إلى عشرة قبيل الغروب في استعجال للوصول إلى الإفطار المنتظر، أو صاح آخر مهددا بأنه إذا لم يصدح الآذان بعد دقيقة واحدة فإنه سيفطر سواء أذَّن المؤذن أم لم يؤذن ولو ضيع ثواب صيام يوم بأكمله.

اقرأ للكاتب أيضا: مؤتمر الطيور

أما في سن الكهولة، فصار كثيرون يلتمسون سببا لإزالة الترهل عن منطقة البطن بالامتناع عن تناول وجبات الطعام الثلاث، مصدقين دون نقاش ما يتردد على لسان عديد من الأطباء ورجال الدين عبر التلفزيون والراديو عن فوائد الصيام للصحة العامة، وعن تطهيره للجسم من السموم والدهون المؤذية، رغم أنني عرفت أناسا كثرا يزداد وزنهم ويرتفع لديهم الكوليسترول والشحوم الثلاثية مع وجبات شهر رمضان الدسمة. بالرغم من أن ثمة إجماعا طبيا حول أهمية شرب الماء لجسم الإنسان، فإن السائد إعلاميا تبرير ضرورة الصيام، وربما يقارن أولئك الواعظون صبر الإنسان بالجمل في الصحراء!

كذلك، نجد من يدعو إلى تحمل الصيام كي يتعاطف المرء مع آلام الآخرين، رغم أن الإنسان ليس مضطرا لممارسة تلك الآلام بنفسه كي يشعر بمأساة الآخرين، وإلا لتطلب تعاطفنا مع المهجرين إلى خوضنا معاناة ركوب قوارب الموت والتشرد مثلهم تحت الخيام في بلاد الغربة.

شهد شهر رمضان عبر التاريخ أحداثا كبرى، منها دخول صقر قريش (عبد الرحمن الداخل) إلى الأندلس ليؤسس الدولة الأموية، ومنها غزوة بدر الكبرى، ومنها فتح مكة، ومنها معركة عين جالوت التي دحر فيها سلطان مصر سيف الدين قطز جيش هولاكو المغولي، ومنها فتح أنطاكية التي استرد عبره الظاهر بيبرس مدينة أنطاكية من الصليبيين، ومنها معركة حطين التي خاضها الناصر صلاح الدين وأنهى عبرها الوجود الصليبي في المشرق. أما في التاريخ الحديث، فأبرز ما نذكره هو أن حرب أكتوبر/تشرين الأول في العاشر من رمضان عام 1973. من يدري فيما إذا كانت ستتخلل شهر رمضان 2018 أحداث جسام على مستوى منطقة الشرق الأوسط والعالم بعد أن وصلت بعض الخطوط إلى خواتيم معقدة بصورة صار من الصعب بعدها تصور مزيد من التعقيد!

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟