سيفنة راسية في ميناء الحديدة (أرشيف)
سيفنة راسية في ميناء الحديدة (أرشيف)

بقلم فرزين نديمي ومايكل نايتس/

"هذا المرصد هو الثالث في سلسلة من ثلاثة أجزاء حول حملة البحر الأحمر في اليمن. وقد غطى الجزء الأول المخاطر والفرص الاستراتيجية الكامنة في منع وصول الحوثيين إلى البحر. ونظر الجزء الثاني في التحديات العملياتية التي تواجه الجانبين حول الحديدة".

حذر الحوثيون من أن أي محاولة لتحرير كل من الحديدة والصليف ـ الميناءان الوحيدان للحمولات الثقيلة الواقعان تحت سيطرتهما حاليا ـ قد تولد ردا قاسيا. ومن المرجح أن تشمل هذه التدابير زيادة في الهجمات الصاروخية على المملكة العربية السعودية وربما على الإمارات العربية المتحدة أيضا، مصحوبة بجهود لتعطيل ممرات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. والأحداث السابقة توضح السياق:

  • في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، عندما أوقف تحالف الخليج جميع حركة المرور إلى موانئ الحوثيين لفترة وجيزة، هدد المتمردون بمهاجمة الناقلات السعودية التي تعبر مضيق باب المندب. وأشارت قناة "المسيرة" المروجة لدعاية الحوثيين إلى أن "البوارج وناقلات النفط التابعة للعدوان وتحركاته (في إشارة إلى التحالف العربي وعملياته) لن تكون في مأمن القوات البحرية الحوثية إذا ما أصدرت القيادة العليا التوجيهات بشن هجوم".
  • في 9 كانون الثاني/يناير 2018، هدد رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع للحوثيين صالح الصماد، الذي قتل لاحقا في غارة جوية في 19 نيسان/أبريل، بقطع ممرات الشحن في البحر الأحمر إذا واصل التحالف تقدمه نحو الحديدة. ونقل عن الصماد قوله على قناة "المسيرة": "إذا استمر المعتدون في التقدم نحو الحديدة وإذا وصل الحل السياسي إلى حائط مسدود فستكون هناك بعض الخيارات الاستراتيجية التي سيتم اتخاذها كنقطة لا عودة تشمل منع الملاحة الدولية في البحر الأحمر".

هجمات عبر الحدود على "تحالف الخليج"

إذا كثف التحالف هجومه على الحديدة، فمن المرجح أن ترد القوات الحوثية بتصعيد الهجمات عبر الحدود على المملكة العربية السعودية، وربما على الصحراء الغربية في الإمارات. ويمكن أن تشمل أنماط الهجوم الرئيسية ما يلي:

  • الصواريخ التكتيكية والطائرات بدون طيار والصواريخ البالستية قصيرة المدى. من المحتمل جدا أن يستهدف مثل هذا القصف المضاعف المدن الحدودية السعودية والمطارات المدنية والقواعد العسكرية والمجمعات الصناعية والنفطية في جازان ونجران وغيرهما من مدن الساحل الغربي. وستستخدم مثل هذه الهجمات صواريخ من طراز "أس أس ـ 21 سكاراب بي" ("أو تي آر ـ 21 توشكا") وقاذفات صواريخ تعددية من طراز "بي أم ـ 27" وصواريخ "بدر ـ 1" الجديدة بعيدة الأمد وصواريخ "سام (سا ـ 2)" المحولة غير الموجهة (التي يطلق عليها الحوثيون أسماء "قاهر ـ 1" و"2 إم"). ويشار إلى أنه تم إطلاق صاروخ "بدر ـ 1" نحو مرافق جازان التابعة لشركة "أرامكو" في 14 أيار/مايو. ومن المرجح أن يدعم الحوثيون الهجمات الصاروخية بواسطة المركبات الجوية غير المأهولة مثل طائرة "قاصف ـ 1" التي زودها إيران للحوثيين والتي استخدموها حديثا في 11 نيسان/أبريل في محاولة لضرب مصفاة جازان.
  • الصواريخ البالستية متوسطة المدى. يعمل الحوثيون بأعداد محدودة من الصواريخ البالستية متوسطة المدى من طراز "قيام ـ 1" الإيرانية الطويلة المدى (التي يطلقون عليها أسم "بركان ـ 2 إچ")، بالإضافة إلى بعض الصواريخ المتبقية من طراز "أس أس ـ 1 سي"/"هواسونغ ـ 5" ("سكود بي") وصواريخ "أس أس ـ 1 دي"/"هواسونغ ـ 6" ("سكود سي") الطويلة المدى. وقد ضربت هذه الصواريخ الرياض في ثلاث مناسبات منذ بدء العمل بها، وقد تبدأ موجة من الهجمات على الرياض في محاولة لمفاقمة الأزمة، واستدراج السعوديين للقيام برد انتقامي قاس، وجذب النداءات الدولية لوقف إطلاق النار. وبالمثل، قد يطلق الحوثيون صواريخ من نوع "قيام ـ 1" على الحدود الغربية لدولة الإمارات من أجل توسيع نطاق الحرب جغرافيا إلى دولة جديدة، وقد لمحوا إلى هذه القدرة بوضوح. وفي 14 أيلول/سبتمبر 2017، ادعى القائد الحوثي عبد الملك الحوثي أن دولة الإمارات "أصبحت الآن ضمن نطاق صواريخنا"، وقد يتمكن الحوثيون من إسقاط صاروخ في صحراء الإمارات بعد إجراء المزيد من التعديلات على الشحنة المتفجرة والمواد والوقود.
  • الهجمات الإرهابية. أكد تحالف الخليج أن المواد الاستخبارية التي تم التقاطها تظهر أن الحوثيين ربما يستعدون للقيام بهجمات إرهابية في مدن في المملكة العربية السعودية، تشمل عمليات اغتيال واقتحام مواقع حكومية.

زعزعة استقرار البحر الأحمر وباب المندب

يسيطر الحوثيون على حوالي 560 كيلومترا من خط البحر الأحمر الساحلي بين الخوخة وميدي، بما في ذلك العديد من الجزر. وترسي "سفينة أم" إيرانية ("سافيز") على أرخبيل دهلك وميناء الحديدة والصليف ومحطة لتحميل النفط في رأس عيسى. وانطلاقا من هذه القواعد، شن الحوثيون عشرات الهجمات على قواعد التحالف في البحر الأحمر، وخطوط الشحن التابعة للتحالف، والممرات البحرية الدولية على البحر الأحمر، والنقطة المفصلية لباب المندب ـ وهو مزود حيوي لسوق الطاقة الأوروبي. ويمر عبر المضيق قرابة أربعة ملايين برميل من النفط يوميا، ويعتبر الأكثر أهمية بعد مضيقي هرمز وملقا. وشملت تقنيات الحوثيين المؤكدة المضادة للسفن ما يلي:

  • الهجمات الصاروخية المضادة للسفن. تعرف القوات البحرية اليمنية السابقة بامتلاكها صواريخ "بي ـ 21" "ستيكس 2" (ونسختها الصينية "إچ واي ـ 2") و "سي ـ 801" المضادة للسفن. وقد أطلق الحوثيون هذه الصواريخ المضادة للسفن للمرة الأولى من خلال استهدافهم طواف بحري إماراتي من نوع "سويفت ـ 1" بالقرب من المدخل الشمالي لباب المندب في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2016، باستخدام ما زعم الحوثيون أنه صاروخ جوال مضاد للسفن من طراز "سي ـ 802". وفي عام 2016، أطلقت الصواريخ على السفينة الحربية "يو أس أس مايسون" في 9 و12 و18 تشرين الأول/أكتوبر بواسطة نوع غير معروف من الصواريخ المضادة للسفن والتي يقوم الحوثيون بتشغيلها. كما يحافظ الحوثيون على صواريخهم المتبقية ورادارات السواحل في أعقاب الهجمات الانتقامية الأميركية والخليجية التي استهدفت رادارات السواحل التابعة للحوثيين في أواخر عام 2016. ولمواجهة هذا الضعف، يضطر الحوثيون الآن إلى استخدام رادارات بحرية قائمة على متن السفن الراسية في الحديدة والصليف. كما يحصلون على دعم استخباري من "السفينة الأم" الإيرانية "سافيز" إلى جانب عناصر مراقبة داخل مراكب شراعية في البحر الأحمر، حيث تملك الفرق الحوثية لمراقبة السواحل كتبا تعريفية تبين مواصفات سفن التحالف الخليجي.
  • عمليات الزوارق السريعة. شن الحوثيون عددا من هجمات الزوارق السريعة على السفن في البحر الأحمر، وأحدثها الهجوم على ناقلة النفط الخام السعودية العملاقة "أبقيق" بواسطة قذائف صاروخية وصواريخ تكتيكية في 3 نيسان/أبريل. أما أكثر الهجمات المروعة فقد تضمنت الزوارق المفخخة الموجهة ذاتيا من طراز "شارك ـ 33"، والتي يمكن برمجتها لتسلك مسارا معينا أو التوجه إلى هدف محدد باستخدام التوجيه التلفزيوني الكهربائي البصري. كما تؤكد الرياض أنه قد تم استخدام مثل هذا الجهاز لضرب الفرقاطة السعودية في 30 كانون الثاني/يناير 2017، مما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن خمسة أفراد. وتم استخدام أيضا نوع من أنواع "شارك ـ 33" في هجوم غير ناجح على منشأة تحميل بحرية سعودية في جازان في 16 حزيران/يونيو 2017.
  • الألغام البحرية المزروعة داخل خطوط الملاحة البحرية. تقوم الرياح الموسمية المتجهة نحو جنوب البحر الأحمر بين شهري أيار/مايو وتشرين الأول/أكتوبر بجلب الألغام التي أطلقها الحوثيون في باب المندب. وفي الواقع، تم تحديد موقع الألغام على بعد 90 كيلومترا جنوب غرب عدن، بعد أن مرت عبر المضيق باتجاه المحيط الهندي. وفي هذا الإطار، استخدم الحوثيون على نطاق واسع تكتيكات عشوائية لنشر الألغام البحرية. ووفقا للتقرير السنوي المفصل الذي نشره فريق خبراء الأمم المتحدة في 26 كانون الثاني/يناير 2018، تم تحديد 44 لغما بحريا في البحر الأحمر وخليج عدن في عام 2017، حيث انفجر أربعة منها. كما أظهرت تجربة الحرب بين إيران والعراق حدود استخدام الألغام ضد ناقلات النفط الكبيرة ذات الهيكل المزدوج، والتي لا تتأثر بالألغام البدائية الصغيرة التي لا تحمل سوى 20 كيلوغراما من المواد المتفجرة. ومع ذلك، فباعتبار أن نشر الألغام المستنكر للممرات وسيلة لجذب الاهتمام الدولي والتأثير على أسعار النفط وترهيب السفن في البحر الأحمر، فمن المرجح أن يرى الحوثيون بذلك استراتيجية مربحة.
  • الألغام البحرية في المراسي والمنافذ الساحلية. يتوقع من الحوثيين أيضا زرع الألغام على منافذ الحديدة تحسبا لهجوم بحري قد تشنه قوات التحالف. ويشار إلى أنه قد تم العثور على معظم الألغام العائمة التابعة للحوثيين على عمق خمسة أمتار تقريبا، مما يجعلها غير ملائمة لضرب أي سفينة بحرية تابعة للتحالف، باستثناء سفن إعادة التعبئة العملاقة والفرقاطات وزوارق الدوريات، والناقلات المدنية. ويبدو اليوم أن الحوثيين يضعون ألغاما مربوطة عائمة على عمق مترين فقط، وقد يكون ذلك لاستهداف زوارق الإنزال في المياه الضحلة. ويستطيع الحوثيون أيضا زرع الموانئ بألغام القاع، حيث استولى التحالف على عدد منها من الحوثيين بالقرب من ميناء المخا والتي تشبه كثيرا نموذجا إيرانيا عرضه "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في عام 2015 باعتباره لغما من الألومنيوم المركب يبلغ وزنه 42 كيلوغراما.
  • عمليات الغواص المقاتل. تتلقى وحدات من الغواصين الحوثيين المجهزين بملابس الغوص تدريبات على الجزر الساحلية في البحر الأحمر مثل البوادي. وتظهر أشرطة الفيديو التعليمية المتدربين وهم يتعلمون كيفية تحديد الفرقاطات السعودية والطرادات الإماراتية. ويدير كل من سلاح البحرية التابع لـ"الحرس الثوري الإسلامي" و"حزب الله" اللبناني مجموعات من الغواصين المقاتلين القادرين على زرع الألغام في السفن الراسية في الميناء. فعلى سبيل المثال، من المعروف أن القوة الخاصة لـ"الحرس الثوري الإسلامي" تدير "محور المقاومة"، وهو برنامج تدريب خاص بالغواصين الأجانب، وذلك من جزيرة "فارور" في الخليج.
  • سياسة الأرض المحروقة لتعطيل الموانئ. إذا فقد الحوثيون السيطرة على الحديدة والصليف ورأس عيسى، قد تقوم القوات الحوثية المتقهقرة بتعطيل مرافق الموانئ لتعميق الأزمة الإنسانية في اليمن، معتمدة على احتمال إلقاء اللوم بالدرجة الأولى على التحالف الخليجي. وحتى لو تم الاستيلاء على الميناء بشكل سليم، فقد يطلق الحوثيون الصواريخ من نقاط المراقبة القريبة لتعقيد التشغيل الآمن للميناء.

توصيات للسياسة الأميركية

ينبغي على الولايات المتحدة أن تحذر من جهود الحوثيين غير المتناظرة الرامية إلى توسيع النزاع أو تدويله وأن تعارض هذه الجهود بشكل فعال. يجب منع الاستخدام العشوائي المكثف للصواريخ البالستية التي توفرها إيران ضد المدن الخليجية التي تشمل مدن في دولة الإمارات تضم أعدادا كبيرة من المغتربين الغربيين. وللإشارة إلى أنه لن يتم التسامح مع مثل هذا التصعيد، ينبغي على واشنطن أن تحدد الموقع الجغرافي لعمليات إطلاق الصواريخ وتوفره للتحالف الخليجي في الوقت المناسب لتعظيم فرص تدمير منصات الإطلاق، وذلك في ظل السلطات القائمة لمساعدة الدول الحليفة في حماية نفسها باستخدام المساعدات غير القاتلة. كما يجب على الولايات المتحدة أن تثبط بفعالية أي رد فعل سلبي على الهجمات الصاروخية قد ينتج عن السعودية أو دولة الإمارات، كما حدث عندما أغلقت الرياض لفترة وجيزة جميع موانئ اليمن بعد الهجمات الصاروخية التي تم إطلاقها على الرياض في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

وبالمثل، فإن المضايقات الحوثية المكثفة للملاحة العالمية ومضيق باب المندب تتناقض بشكل مباشر مع المصالح القومية الأميركية فيما يتعلق بالتدفق الحر للتجارة وأمن الممرات البحرية الحيوية. وباعتبارها جهة يقع على عاتقها "واجب التحذير" العالمي، ينبغي على الولايات المتحدة العمل بشكل فعال مع الحكومة اليمنية المدعومة من الأمم المتحدة والتحالف للكشف الفوري والعلني عن أي عمليات حوثية لزرع الألغام البحرية أو غيرها من الهجمات المتهورة التي تعرض الملاحة العالمية للخطر.

وفيما يتعلق بعمليات إطلاق الصواريخ البالستية، يتعين على الولايات المتحدة أن تشارك في عملية حسنة التوقيت لتبادل البيانات التحذيرية وتحديد الموقع الجغرافي الخاص بالصواريخ المضادة للقذائف، والزوارق الهجومية السريعة، وغيرها من الهجمات البحرية التي قد تعرض السفن للخطر. كما يجب مراقبة "السفينة الأم" الإيرانية في البحر الأحمر عن كثب لضمان عدم تسهيلها للهجمات البحرية من خلال توفير بيانات تستهدف حركة سفن الشحن.

والأهم من ذلك كله، إن تخريب مرافق الميناء أو تدميرها وزرع الألغام البحرية داخل المرافئ سوف يعقد عودة التدفقات الإنسانية إلى المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان في اليمن ويؤدي إلى تأخيرها. يجب على واشنطن أن تراقب عن كثب عمليات التحالف وتلك التي يقوم بها الحوثيون خلال حملة الحديدة، وينبغي الإفصاح فورا عما إذا كان أي طرف يريد أن يتسبب عمدا في إلحاق الضرر بمرافق الموانئ والمراسي.

كما ينبغي على المسؤولين الأميركيين أن يحثوا بقوة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، والوكالات الإنسانية، والدول الأعضاء في الأمم المتحدة على إرسال إنذار للحوثيين يشيرون فيه إلى أن القوات المتمردة ستعتبر مسؤولة عن تنفيذ استراتيجية الأرض المحروقة أو إطلاق الصواريخ على الميناء، إذا شاركت في مثل هذا النشاط، فضلا عن تحذير التحالف الخليجي من استهداف مرافق الميناء.

يجب على الولايات المتحدة أن تحذر الإيرانيين أيضا، والذين هم الموردين الرئيسيين للأسلحة إلى الحوثيين، من أنها ستعتبرهم متواطئين إذا فشلوا في كبح الحوثيين من استخدام أساليب الأرض المحروقة أو توسيع نطاق الحرب باستخدام الأسلحة الإيرانية. وهناك مبرر قانوني وافر لإصدار مثل هذا التحذير. ففي أعقاب فحص الصواريخ الإيرانية التي أطلقت على السعودية من اليمن، خلص تقرير "فريق خبراء الأمم المتحدة" في كانون الثاني/يناير 2018 إلى أن "جمهورية إيران الإسلامية في حالة عدم امتثال للفقرة 14 من القرار 2216 (2015)"، في إشارة إلى حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على الحوثيين بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

فرزين نديمي هو زميل مشارك في معهد واشنطن، ومتخصص في شؤون الأمن والدفاع المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج.

مايكل نايتس وهو زميل بارز في المعهد، وقد عاد مؤخرا من زيارة إلى جبهات القتال في اليمن، حيث تلقى إحاطات مفصلة من الضباط اليمنيين وضباط التحالف الخليجي حول التكتيكات البحرية والأسلحة الحوثية.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟