طفل سوداني في كنيسة في الخرطوم صباح أحد الفصح (أرشيف)
طفل سوداني في كنيسة في الخرطوم صباح أحد الفصح (أرشيف)

بقلم بابكر فيصل بابكر/

أعلن عشرة من المحبوسين بأحد سجون الخرطوم الأسبوع الماضي ردتهم عن الإسلام واعتناقهم المسيحية، وقال أحدهم ويدعى "مبارك شعيب" في حوار مع صحيفة "التيار" المحلية أنه قدم طلبا للسلطات لتغيير أوراقه الثبوتية وتبديل اسمه من مبارك إلى إمانويل التي تعني في الكتاب المقدس "الله معنا".

لا شك أن هذا الإعلان لن يمر كأي حدث اعتيادي كما هو الحال في العديد من المجتمعات التي تضمن حرية الضمير والاعتقاد، بل ستكون له تبعات كبيرة في الأيام المقبلة وذلك لمخالفته للقانون الجنائي السوداني. إذ تنص المادة "126" من القانون الجنائي على الآتي:

(1) يعد مرتكبا جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة.

(2) يستتاب من يرتكب جريمة الردة ويمهل مدة تقررها المحكمة فإذا أصر على ردته ولم يكن حديث عهد بالإسلام، يعاقب بالإعدام.

(3) تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ.

وقد بدأت نذر الصدام والمواجهة بقيام زوجة مبارك برفع دعوى قضائية بمحكمة الأحوال الشخصية والشرعية تطلب فيها الطلاق من زوجها بسبب ردته واعتناقه للمسيحية. وكان مبارك قد رفض تطليق زوجته قائلا إن "الدين المسيحي يعتبر الزواج رباطا مقدسا لا يمكن تمزيقه، وذلك على العكس من الدين الإسلامي".

الناس أحرار في أن يؤمنوا أو يكفروا وهذه الحرية كفلها لهم خالقهم

​​وكانت مادة الردة قد تسببت قبل أربعة أعوام في أزمة كبيرة عندما أصدر أحد القضاة حكما بردة امرأة تدعى "مريم يحيى" مما أدى لتدخل المجتمع الدولي حتى تم إلغاء الحكم في إطار صفقة قضت بتسفير مريم ومنحها حق اللجوء والإقامة في الولايات المتحدة الأميركية.

اقرأ للكاتب أيضا: مناهج التعليم في السودان: تكريس الطائفية الدينية وتكفير الديمقراطية

إن القول بحساب المرتد في الدنيا يعكس وجهة النظر الفقهية التي تتبناها جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة المسؤولة عن صياغة القانون الجنائي السوداني الذي صدر في العام 1991 في أعقاب وقوع الانقلاب العسكري الذي نفذته الجماعة في العام 1989 وسيطرت من خلاله على الحكم وما تزال.

ومن جانب آخر، فإن هناك العديد من الآراء الفقهية ترى أن حساب المرتد عن الإسلام يكون عند الله في الآخرة وليس من حق أي جهة محاسبته آنيا في الدنيا. فالقاعدة التشريعية الكلية في القرآن الكريم التي قررتها الآية (256) من سورة البقرة تقول "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

لقد أكد القرآن على حرية البشر في الاختيار بين الإيمان أو الكفر، وفى مقابل هذا فإن مسئوليتهم تجاه هذه الحرية تتبين يوم الحساب حيث سيحاسبهم الله على اختيارهم، وهذا ما قررته الآية (29) من سورة الكهف: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

لم يذكر القرآن عقوبة دنيوية تطبق على المرتد من الدين. ولم يثبت أن الرسول محمد أمر بقتل أحد لارتداده عن الإسلام. والذين يسوقون أمثلة تدل على أن الرسول عاقب بالردة يخلطون بين هذا وبين ارتكاب الشخص جريمة تستحق القتل.

ومن تلك الأمثلة التي تدل على ذلك الخلط ما ورد عن عبد الله بن خطل الذي أسلم وهاجر إلى المدينة فبعثه النبي ساعيا على الصدقة وبعث معه رجلا من خزاعة يخدمه فلما كان في أحد أسفاره طلب من خادمه أن يصنع له طعاما ثم استيقظ من نومه ليجد الخادم لم يصنع شيئا فضربه بالسيف فقتله وعلم أنه لو رجع المدينة سيقتل بالرجل قصاصا فهرب إلى مكة وساق معه الصدقة وجاء لأهل مكة وقال لهم: "لم أجد دينا خيرا من دينكم"، وأخذ يهجو النبي ويسبه ويعرض به ويسوق لذلك جاريتين عنده لتغنيا هجاء النبي في طرقات مكة.

الذين يقولون بأن هناك حدا للردة في الشريعة يستندون إلى حديثي "آحاد" روى أحدهما البخاري ومسلم، وورد الثاني في صحيح البخاري. الحديث الأول هو حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه البخاري ومسلم والذي يقول فيه "لا يحل دم المسلم إلا بثلاث: قتل النفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة". والحديث الثاني هو الذي أورده البخاري في صحيحه من حديث أبن عباس "من بدل دينه فاقتلوه".

هناك إجماع على أن أحاديث الآحاد مشكوك في ثبوتها ولذا فهي لا تؤخذ إلا على سبيل الظن وليس اليقين، ومن ثم فهي لا تفيد علما ولا توجب عملا.

فهل يصح الاستناد إلى أحاديث الآحاد في قتل النفس؟ وهل تجب وتلغي أحاديث الآحاد آيات القرآن الواضحة التي لا لبس فيها؟ وكيف نحل التناقض بين هذين الحديثين وبين موقف الرسول في صلح الحديبية حين وافق على أن يرد من يلحق به من المؤمنين المهاجرين لقريش وفى نفس الوقت يعطي الحرية لمن يرتد عن الإسلام لأن يلحق بالمشركين؟

حرب الردة كانت اجتهادا سياسيا من الخليفة أبو بكر استطاع من خلاله الحفاظ على تماسك الدولة الإسلامية

​​وإذا كان القرآن قد نادى بوضوح بإطلاق حرية الاعتقاد وأحاطها بكافة الضمانات وجعل جزاء المرتد في الدار الآخرة، فكيف يتوقع من السنة أن تأتي بخلاف ذلك؟ خاصة وأن هذا الأمر لم يرد في آية واحدة أو آيتين، بل جاء فيما يقارب مائتي آية بينة وكلها مجمعة على تأكيد حرية الاعتقاد.

الأمر الثاني الذي يستند اليه دعاة القتل باسم حد الردة هو خوض الخليفة أبو بكر الصديق لما عرف بحروب الردة. وهذه أيضا حجة واهية لأن حرب الردة كانت حربا سياسية شنها أبو بكر عندما رأى في فعل بعض القبائل تهديدا لأركان الدولة الإسلامية الوليدة.

اقرأ للكاتب أيضا: حاجة المسلمين لعقلانية المعتزلة

وقد عارض عمر بن الخطاب وبعض الصحابة موقف أبو بكر في تلك الحرب ومع ذلك لم يحتج الأخير عليهم بالأحاديث التي ذكرناها آنفا وكان ذلك وحده كفيلا بوقف أي اعتراض على تلك الحرب، فلماذا لم يفعل؟ وكيف يعترض صحابي جليل مثل عمر بن الخطاب على تلك الحرب وهو على علم بتلك الأحاديث؟

ليست هناك علاقة بين حرب الردة وحد الردة. فحرب الردة كانت اجتهادا سياسيا من الخليفة أبو بكر استطاع من خلاله الحفاظ على تماسك الدولة الإسلامية في وجه تمرد كان سيؤدي لتفككها ولكن فعله هذا لا يمكن أن يصبح تشريعا دينيا يؤخذ به في مقابل الآيات القرآنية الصريحة.

خلاصة القول هي أن الناس أحرار في أن يؤمنوا أو يكفروا وهذه الحرية كفلها لهم خالقهم حين منع نبيه من أن يتطرف في حماسه للدعوة الى الإسلام حتى لا يكره الناس على الإيمان، فقال مخاطبا إياه في الآية (99) من سورة يونس "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.