تظاهرة تدعو للعلمانية في بيروت (أرشيف)
تظاهرة تدعو للعلمانية في بيروت (أرشيف)

بقلم محمد المحمود/

يبدو المشهد السياسي في العالم العربي اليوم وكأنه يعد بـ"علمانية" صاعدة في أكثر من مكان/ دولة؛ بعد فترة وجيزة/ عابرة/ عابثة، شهدت الصعود الاستثنائي للإسلام السياسي إبان فترة ما عرف بـ"الربيع العربي" الذي داعب الأحلام التحررية/ التقدمية لجماهير البائسين. العلمانية تتقدم اليوم ـ على استحياء ـ كحل على ألسنة كثير من الذين رفضوها ولعنوها بالأمس، وليس فقط أولئك الذين ناضلوا في سبيل التأسيس لها ـ فكريا وحركيا ـ منذ عقود، وكانوا ـ بصورة حالمة ـ يتقدمون بها كحل سحري لكل الإشكاليات المستعصية/ المزمنة. هذا هو الجديد الذي يدعو للقراءة والتأمل؛ لمعرفة منطلقاته، ومقترحاته، وحدود إمكانياته في الواقع العربي، ومن ثم طرح رؤيتنا الخاصة في هذا السياق.

إن الفشل الذريع للإسلام السياسي في إدارة تفاعلاته مع الإيقاع العام لذلك الربيع، وما تلاه من عجز واضح عن تقديم أول وأبسط ما كان يعد به منذ عقود فيما لو وصل إلى مراكز اتخاذ القرار(السلطة السياسية)؛ إضافة إلى ما رافق ذلك من تعرية لأهم رموزه الاعتبارية، خاصة في قدراتهم الفكرية والسياسية التي اتضح للجميع أنها في غاية السذاجة، بل والبدائية، سواء عند تعاملها مع واقعها المحلي، أو عند تفاعلها مع محيطها الإقليمي، فضلا عن ارتباكها الشديد في إدارة علاقتها مع العالم المتحضر وتعقيدات العلاقات فيه... إلخ، كل ذلك جعل الوعي العربي في عمومه يبحث عن نافذة فكرية/ سياسية أخرى، لم يسبق لها أن جربها؛ للخروج من هذا الواقع المأزوم.

طبعا، نفوذ الإسلام السياسي الخجول في هذا المكان أو ذاك، وصعود نجم بعض الأحزاب الحاكمة المتماهية مع مراحل إسلاموية عابرة في تاريخ تشكلها، لا ينفي حقيقة الهزيمة التي مني بها المشروع ذاته (مشروع الإسلام السياسي)؛ حتى لم يعد اليوم خيارا مطروحا في أي من التكتلات الجماهيرية التي يعتد بها، أي تلك التي تمتلك من النفوذ ما يمكنها من الهيمنة على المشهد السياسي في الجغرافية التي تتموضع فيها.

في تصوري إن "علمانية مخففة" تبدأ من نقطة التنسيق المدني المحايد لما هو موجود فعلا على أرض الواقع هي الحل المتاح

​​لقد بات من الواضح أن من يريد اليوم من المتأسلمين المشاركة في معادلات القوة الاجتماعية/ السياسية فعليه أولا أن يتخفف من الحمولة الأيديولوجية التي ينهض عليها مشروع الإسلام السياسي؛ كي يسمح له بالمرور. وأيضا، لم يسمح له بالمرور إلا من خلال "المشاركة"، المشاركة التي تستعصي على "الانفراد". وكل هذا إنما حدث ويحدث بفعل ارتفاع درجة التوجس الجماهيري من الأيديولوجيات الشمولية ذات المنطق الدوغمائي في مقاربتها للهموم السياسية والاجتماعية والتنموية، وهي الهموم التي لا يمكن مقاربتها ـ بما يكفل لها النجاعة سياسيا ـ إلا بمنطق النسبيات الذي يتوسل التفاعل الإيجابي المرن بين مسارات الواقع، ومكوناته من أشخاص/ ذوات فاعلة وأشياء.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا الاهتمام بالسياسة؟

لكن، في المقابل، لا تحظى العلمانية ولا أشياعها بترحيب يفوق هذا الترحيب النسبي المتوجس المشروط الذي يحظى به الإسلام السياسي في بعض أقطار هذا العالم المحبط: العالم العربي الممتد من الخليج إلى المحيط. إذ على الرغم من أن العلمانية باتت تطرح اليوم أكثر من أي وقت مضى للخروج من التأزمات التي باتت تعصف ببعض الدول غير المستقرة، خاصة الدول التي تتوفر على تكتلات دينية ومذهبية وعرقية متناحرة، إلا أنها ـ وحتى في مثل هذه الحال الحرجة التي تستدعي "أبغض الحلول" ـ تبقى العلمانية المطروحة للتبادل مجرد علمانية آلية، علمانية مخففة، تكتفي بالحد الأدنى، أي بما يكفل لها التوافق مع الهدف المباشر المراد منها، وهو تأطير هذه التكتلات والتحزبات، وإدارة خياراتها ومصالحها بمنطق حيادي تسالمي. ما يعني أنها ليست علمانية صارمة تتوسل الحياد الدولتي/ المؤسساتي التام، وتستهدف إلغاء الوجود الاجتماعي والسياسي لكل هذه التكتلات من الأساس.

هكذا تبدو العلمانية حلا أو أفقا لحل يتقاطع معها. لكن هنا، في هذا الحل/ المقترح ثمة إشكالية، لا بد من مقاربتها، وملخصها أنه إذا كان المؤسسون/ المروجون لـ"مشروع الإسلام السياسي"، وعلى امتداد الثمانين سنة الماضية، استطاعوا أن يصلوا بمشروعهم إلى موقع "الحلم الجماهيري الجميل"، فإن "العلمانية"، وخلال هذه الفترة بالذات، كانت في موضع "الأيديولوجيا الملعونة" في مستوى الوعي الثقافي الجماهيري العام. إن العلمانية كانت بمثابة "المدنس"/ المشروع الأرضي/ النظرية البشري/ الغزو التغريبي، الذي يقابل "المقدس"/ المشروع الإلهي/ الذاتي ثقافيا/ الأصالة. وبالطبع، كلما ارتفع مستوى الرواج للشطر الأول/ مشروع الإسلام السياسي، وازداد نفوذه باتساع نطاق طغيانه الجماهيري؛ زادت حدة الرفض والإقصاء والتجريم للشطر الثاني/ العلمانية؛ بوصفها المقابل الضدي/ المنافس الوجودي للشطر الأول.

إن التشويه المتعمد لـ"العلمانية"، وذلك بربطها بأشنع المرفوضات دينيا/ اجتماعيا: بالكفر والإلحاد، بل وبمعاداة الدين، فضلا عن التغريب والانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري... إلخ، طوال ثمانين عاما، إضافة إلى حقيقة كون العلمانية في صيغتها المعيارية/ المحايدة تعني تحييد الدين عن مجريات تدبير/ تنظيم الشؤون العمومية في مجتمعات تخترق وعيها الأنساق الدينية بكل مستوياتها، كل ذلك يجعل من اعتماد العلمانية كصيغة توافقية، يراد منها أن تقدم حلا خلاصيا لمشاكل الراهن العربي، ضربا من الحلم المستحيل.

إن "علمانية خالصة" ـ إن وجدت! ـ لو طرحت؛ فلن تجد إلا الرفض في هذا العالم العربي الذي تشكل ـ ولا يزال يتشكل ـ وعيه دينيا. لهذا، وفي حال ما كان ثمة إصرار على إحلالها كبديل كلي؛ فاعتقادي أن ردة الفعل ستكون عكسية تماما، أي ستكون رفضا تاما، بل قد يقود هذا الرفض المستفز إلى معاودة الارتماء في أحضان مشروع الإسلام السياسي المتراجع حاليا، أو على الأقل، الارتماء في أحضان الممانعات الحركية التي تتقاطع ـ إيجابيا ـ مع الإسلام السياسي في المرتكزات الفكرية الأساسية. وهنا تكمن خطورة العودة إلى المربعات الأولى، ومن ثم بداية دورة جديدة للتطرف الديني المؤسس للإرهاب الحركي، أو للإرهاب الاستبدادي.

إن "علمانية خالصة" لو طرحت؛ فلن تجد إلا الرفض في هذا العالم العربي الذي تشكل وعيه دينيا

​​هنا يأتي السؤال البديهي، وهو السؤال العملي: إذا كانت المجتمعات العربية - ممثلة في القوى المؤثرة فيها جماهيريا ـ ترفض اتخاذ العلمانية حلا لأهم إشكالياتها: إشكاليات التوافق السياسي/ وإشكاليات النهوض التنموي، وهي في الوقت نفسه، ترفض الإسلام السياسي، وتراه مشروع استبداد ديني من جهة، ومشروع خيبة تنموية من جهة أخرى، فما هو الحل المقبول الذي يمكن أن تصادق عليه المشروعية الجماهيرية في العالم العربي؟

اقرأ للكاتب أيضا: الليبرالية الإسلامية.. المصطلح والمفهوم والممارسة

في تصوري إن "علمانية مخففة" تبدأ من نقطة التنسيق المدني المحايد لما هو موجود فعلا على أرض الواقع، هي الحل المتاح/ الممكن. إن هذه العلمانية المرتبطة بمكونات الواقع، ستكفل نوعا من التصالح بين مكونات هذا الواقع من جهة، وبينها وبين محددات العلمانية في وجودها المعياري المفترض نظريا. وبالتالي؛ لن يكون ثمة إقصاء لقوى، ولا لمقولات، ولا لثقافات؛ إذا ما رضيت بالحد الأدنى (الحد الأدنى الضامن للتسالم المدني) من الحياد المؤسساتي.

ولا شك أن هذا سيجعل الخطوات الأولى تصالحية في كل الاتجاهات، وسيفتح الباب لنمو الحياد المؤسساتي باطراد، كما أنه سيأخذ بيد تلك القوى المعاندة/ الممانعة بطبيعتها للحياد العلماني لتكون أقل ممانعة/ معاندة، في البداية كشرط للتأقلم مع واقع تريد أن تندمج فيه، وفي النهاية كعادة سلوكية تطبعت بها.

إننا في مثل هذه الحال، لن نضطر لإقصاء أحد قبل شروط هذا التوافق، المضمون مؤسساتيا بالحياد العلماني النسبي، فحتى حركات التأسلم السياسي؛ لأنها هي الأخرى ستتعلمن حتما، بصيغة ما، وبتدرج متطور؛ وحينئذ لن يبقى منها إلا الهوية الثقافية العامة، التي قد لا تختلف كثيرا عن الثقافة العامة/ المشتركة للمجتمع الذي تشتغل عليه وبه العلمانية ابتداء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.