يقرأ مخطوطة في علم الفلك للفارابي
يقرأ مخطوطة في علم الفلك للفارابي

يسأل كل من القارئين عبد النبي فكري وخالد الحكيم، وإن سجاليا، عن معنى "الحداثة" بعد ورود الإشارة إليها في أكثر من موضوع. وأهمية السؤال تكمن تحديدا في أن الكلام عن الحداثة، مدحا وذما، قلّ أن يبتدئ في الاتفاق على ماهيتها، بل هي غالبا بالنسبة للمتسلح بها وسيلة للطعن بالرجعية المزعومة لدى من يرفضها، فيما هي بالنسبة لناقدها أداة تمييع واستدراج للإطاحة بالإصالة المستهدفة سرا، سواء كانت هذه الأخيرة العروبة أو الإسلام.

وبالفعل فإنه لا تعريف موحدا للحداثة، بل جملة مقومات متداخلة مترابطة، يختار أصحاب التوجهات المختلفة عدد منها لصياغة ما يتناسب مع مواقفهم ويدعمها. ورغم ذلك، يمكن فرز الحداثة إلى شكل، ونظم، وثقافة.

فالحداثة من حيث الشكل هي واقع الحال الغالب في عالم اليوم، والذي شهد خلال القرنين الماضيين كما من الاكتشافات والاختراعات يفوق بأضعاف مضاعفة ما حققته الإنسانية على مدى ألوف السنين السابقة. هي الكهرباء والهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي والطبابة وكافة المنتجات والآليات التي لا مناص منها للعيش. وإزاء هذه الإنجازات، يمكن للصين أن تفاخر أنها كانت أولى الحضارات الحاضنة للابتكار، ويمكن للهند أن تستعرض أسبقيتها في الرياضيات، وللعالم الإسلامي أن يعتز بأنه حمل لواء العلم لعدة قرون قبل زهاء ألف عام، ولكن الحقيقة التي لا مفر من الإقرار بها هي أن الحضارة العامة اليوم، بوجهها المادي، هي غربية بامتياز، ومساهمات المجتمعات الأخرى فيها هي بمقدار استيعابها للنظم الغربية وانسجامها معها.

الحداثة في المجتمعات الإسلامية هي بالفعل غير مكتملة، ولكنها كذلك غير قابلة للتجاهل

​​وللتأكيد، ليس هذا الإقرار من باب الثناء، فالاعتراض قائم مثلا على الجموح الحتمي للاقتصاد الاستهلاكي الملازم للحضارة المعاصرة نحو استنفاد موارد الطبيعة، أو على التطويع القسري لاقتصاد المجتمعات غير المساهمة بما أخرج تراتبية عالمية تتفاوت فيها القدرات والثروات. غير أن هذا الوجه المادي من الحداثة لا مفر منه البتة، فحتى أعتى أعداء الغرب وحداثته يعتمدون على سلاحه وتقنياته ووسائل الاتصال لديه، وإن بقوا على الغالب مستهلكين لماديات الحداثة غير منتجين لها.

اقرأ للكاتب أيضا: حول 'محاكم التفتيش الأزهرية' ومسألة المرجعية

ولكن الحداثة طبعا تتعدى الماديات، إذ هي أيضا في النظم التي تؤطر هذه الماديات وتجعل من الاستفادة منها وتصريفها أمرا ممكنا. وهنا أيضا انتشرت الحداثة الغربية لتعم الكوكب برمته. وهنا أيضا المجال مفتوح لمن هو في موقع المعاداة للغرب أن يزعم أن الأخذ بالنظم الغربية، من بنية الدولة ومؤسساتها والخدمات المناطة بها إلى ترتيب المدارس والجامعات والمناهج التعليمية، هو وحسب من باب الاستعارة البناءة لتحسين الأصيل القائم. أما الواقع فهو أن ما تلا الحداثة، من معاهد ومؤسسات ومستشفيات، قلّ أن اشترك بغير الاسم مع ما سبقها، بل الاسم نفسه مستحدث وملقى إلى السوابق لترقيتها.

ولكن الحداثة لا تقتصر على الأبعاد المادية ولا على النظم، بل هذه نتاج لمقومها الثقافي، بتفاعل جدلي تراكمي. والثقافة الحداثية ليس عقيدة موحدة، بل العقائد المتضادة المتنافرة تتشكل ضمنها. إذ حتى منها التي تشهر رفضها للحداثة ونقضها لها، تدخل في إطار السجال الثقافي التي حددت الحداثة المتدافعة مسائله. فالنقيض الصادق للحداثة ليس الطرح الذي يزعم نقضها، على استحالة الأمر لإحاطتها بالطرح ونقيضه، بل غياب الطرح بشأن مسائلها ابتداء. وهنا لا بد من التنويه بأن تنظيم "الدولة الإسلامية" بسعيه إلى اجتثاث المسائل المؤطرة حداثيا، أي الفكرية والاجتماعية والثقافية، من الفضاء العام، وحصره المتداول بهامش ضيق من النظر بفروع الأحكام الدينية، كان صاحب المشروع الأكثر جدية لتحدي الحداثة. ولكن المعضلة، بالنسبة لهذا التنظيم، هي أن مشروعه، والمحكوم بالفشل لاعتبارات ذاتية وموضوعية، كان بحد ذاته حداثيا في أسسه ووسائله.

أما نشأة هذا الإطار الثقافي الحداثي، فتعود إلى القرن الثامن عشر، والرؤية التنويرية المتشكلة في أوروبا ثم في أميركا، والتي رست على اعتبار للإنسان يجمع ما بين أن الخير من طبعه، وأن الكمال ليس من نصيبه، وعن جدوى التسامح بالتالي كأساس لسلوكه الاجتماعي. والاستقراء التنويري للحال الإنسانية خرج بالقناعة أن للإنسان حقوق ثابتة، البعض يراها طبيعية والبعض الآخر يعتبرها منة من الخالق، أهمها الحياة والحرية والكرامة، وأن اجتماع الناس أساسه العدالة والمساواة، وأن في اجتماعهم صالحهم، وأنهم من خلال التعقل والتدبير والاعتبار قادرون على إقرار الحق والعدل والسلام.

هذه وغيرها من الأفكار انتقلت من الحيز الثقافي إلى الواقع السياسي لتتحدى الاستبداد والأبوية وتنتج نظم الحكم القائمة على سيادة المواطن وخادمية الحاكم، فيما هي تطورت إلى منظومة فكرية قائمة على الحق بالاختلاف وراعية للتقدم العلمي. ليس من باب الصدفة أن يدرج الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية، كدولة ناشئة، مبادئ الحداثة في صلب نصوصها التأسيسية، من إعلان الاستقلال إلى الدستور وبيان الحقوق، وليس عبثا أن يكون شعار الثورة الفرنسية، وأصدائها على مدى القارة، "حرية، مساواة، أخوّة". فمع هذه وتلك، تحققت الترجمة العملية للمفاهيم الحداثية. وفي مواطنها الأولى وحيثما انتشرت، بما في ذلك المجتمعات المجاورة للغرب جنوبي المتوسط وشرقيه، كان التعامل معها لا من منطلق أنها اكتشافات ومفاهيم جديدة، بل تعبير جديد وحسب عن حقائق ضمنية.

العديد من القراءات الدينية الإسلامية ترفض الحداثة على أساس عدم استناد مرجعيتها على النص القرآني

​​طبعا، لا فوقية حصرية للثقافة هنا، بل تفاعل جدلي مع واقع مادي أخرج الثورة الصناعية وأعطى الغرب أفضلية لم تفارقه إلى اليوم. ولا أحادية في التصور الإيجابي، فالحداثة قد أنتجت من صلبها رؤى تعارض أساسها المتفائل المتسامح، بما في ذلك الشيوعية والعنصرية، وصولا إلى "ما بعد الحداثة" والتي تنكر عن الطرح الإيجابي الحداثي إطلاقيته وتقول بأنه وليد التجربة الغربية ولا يمكن تعميمه.

ورغم أن الخلفية الغربية للحداثة مطبوعة بمسعى الانعتاق من سلطة رجال الدين المسيحيين، ورغم إتاحتها المجال للمتابعات العلمية غير المقيدة بالتصور الديني، مثل نظرية النشوء والارتقاء وسبر تاريخ الأرض والكون فيما يتعدى الرضوخ للرواية الكتابية حول قصر عمرهما أو تأويلها المتكلف، ورغم إقرارها بحق المجاهرة باللاأدرية والإلحاد، فإن الحداثة في تصورها الإيجابي ليست نافية للدين. بل، إسلاميا يمكن استشفاف هم مشترك ونتائج متوازية بين مفاهيم الحداثة ومقاصد الشريعة.

غير أن العديد من القراءات الدينية الإسلامية ترفض الحداثة على أساس عدم استناد مرجعيتها على النص القرآني. لا يكفي بالنسبة لأصحاب هذه القراءات أن الحداثة لا تنفي النص ولا تسقطه، بل الاعتراض هو أنها لا تعتمده. وبالفعل فإن الحداثة، والتي تفتقد الصيغة الأحادية، لا تفرض اعتماد النص الديني، ولكنها كذلك ليست بموقع رفض اعتماده.

ولا بد من التنبيه أن هذه القراءات الدينية الرافضة للحداثة لم تستفرد تاريخيا بالتعبير عن الاستيعاب الفكري للدين الإسلامي، بل واجهت على مدى التاريخ الفكري الإسلامي طروحات مناقضة لمنطلقاتها قبل أن يخمد السجال مع أفول الدول الإسلامية وانقلاب موازين الثروة والتجارة والنفوذ لصالح الدول الأوروبية.

بل جاء تلقي الحداثة في الحواضر الإسلامية، في القرن التاسع عشر، إيجابيا رغم الريبة المرتبطة بأنها نتاج خارجي، واستشعر العديدون ومن ضمنهم علماء دين، الانسجام التلقائي بين الحداثة وجوهر الدين الإسلامي. من هنا القول المنسوب إلى رفاعة الطهطاوي أو محمد عبده بعد العودة من الغرب أنه رأى هنالك إسلام دون مسلمين، فيما الحال هنا هو مسلمون دون إسلام. لا سبيل للتأكد من صحة هذا الخبر، ولا ضرورة لذلك، إذ تداوله وحسب يشير كحد أدنى إلى عدم الإجماع على افتراض التعارض. بل كان جليا في معظم الحواضر العثمانية والمصرية والمغاربية أنه ثمة سعي إلى استيعاب للحداثة، شكلا ونظما على الأقل، في اتجاه التدرج للتقدم والرخاء.

أما على مستوى القيم والثقافة، فلا شك أن "النهضة" كانت إشعارا عربيا بأن ما أفصحت عنه الحداثة الأوروبية هو جزء من الموروث المحلي، وإن لم يكن جليا. والتصورات القومية ثم الاشتراكية، ثم الإسلامية، الإخوانية منها والجهادية بل حتى السلفية وإن مع الإنكار، صيغت ضمن الإطار الحداثي، وإن كانت في بعض الأحيان ناقضة له (كما سبق أن فعلت الشيوعية والعنصرية).

وإذا كانت الدولة العربية الحديثة قد اجتهدت بانتقاء ما يناسبها من البنى الحداثية لتعزيز مواقعها، مع المثابرة على تحصين الاستبدادية والأبوية من المساءلة الفكرية التي تتسم بها الحداثة المتكاملة، فإن المؤسسات الدينية الإسلامية انكفأت بدورها إلى ازدواجية مرتبكة. فهي تتفاعل مع مجتمعاتها بحداثية عملية، شكلا وقولا، فيما هي تمتنع عن التطرق إلى الأسئلة الشائكة التي تأتيها من الطروحات الفكرية الحداثية. وبدا هذا الإهمال غير ذي أهمية، إلى أن تلقف تنظيم "الدولة الإسلامية" بعض المضمون النصي المتروك ليجعل منه حجة للسبي والإبادة.

فالسؤال المطروح أمام الفكر الديني هو عن إمكانية التوفيق بين الحداثة والدين من خلال التصدي للمسائل الحساسة العالقة، بما في ذلك مطالب المساواة البينة بين المسلم وغير المسلم، والمساواة الصادقة بين الرجل والمرأة، والحق بالارتداد. والتصدي هنا لا يقتضي التسليم بأية من هذه المطالب، بل قد يكون بالتغليب الصريح للقراءة الدينية المعارضة لها، أو قد يكون باعتماد قراءات أخرى تستوعبها مع الإصرار على المرجعية القرآنية.

الحداثة إذن هي شكل ونظم وثقافة، الدولة العربية اعتنقتها شكلا ونظما وامتنعت عنها ثقافة

​​المسائل الحداثية مطروحة في عموم المجتمعات الإنسانية، والمجتمعات الإسلامية ليست استثناء. والارتباك الحاصل بشأن هذه المسائل في العديد من الأوساط الثقافية الإسلامية التي تنتهج خطابا فوقيا إزاء مجتمعاتها، هو نتيجة الإصرار على إنكار الإشكالية التي تتسبب بها هذه المطالب، وترهيب من يطرحها، دفاعا عن "ضعفاء النفوس" من العامة، وليس لغياب القدرة النظرية على التصدي لها، لما يتطلبه هذا التصدي من التخلي عن الازدواجية العملية السائدة. بل يبدو العديد من هذه الأوساط تواقا إلى عودة مستحيلة إلى عالم لم تكن هذه المسائل مطروحة فيه أصلا، أي إلى عالم ما قبل الحداثة.

الحداثة إذن هي شكل ونظم وثقافة، الدولة العربية اعتنقتها شكلا ونظما وامتنعت عنها ثقافة، والمؤسسات الدينية الإسلامية جهدت على الغالب لتجاهلها. فلدى هذه وتلك هي حداثة غير مكتملة. أما لدى "العامة"، أي المجتمعات التي تعمل الدولة والمؤسسات الدينية على تطويقها بالأبوية (على أقل تقدير)، فالحداثة حاضرة بمسائلها المفتوحة، مع الغياب الطبيعي للأجوبة الفاصلة لها. أي أن الحداثة لدى "العامة" تبدو أكثر تقدما منها في أوساط السياسة والمؤسسات الدينية.

اقرأ للكاتب أيضا: العلم والتعليم في الوسط العربي: عوامل التراجع

وقد تكون الغلبة في الوسط الفكري الإسلامي اليوم لمن يرى وجوب إنكار مطلب المساواة الواضحة لصالح غير المسلم (أي بصريح العبارة الكافر)، والمرأة، والمتحول عن الإسلام (أي المرتد)، من خلال الاكتفاء باستدعاء النص الديني. غير أن هذا الموقف القطعي لا يغلق الموضوع. ففي المجتمعات الإسلامية من يرى، صادقا دون تدليس أو نفاق، بأن النص الديني يتسع لهذه المساواة، وإن بشروط وقيود.

وفي هذه المجتمعات أيضا من يرى أن المساواة حق طبيعي خارج نطاق الإلزام الديني. وأن الحرية الفكرية، والتي لا ترهبها القراءات الدينية الحاصرة، هي التي أنتجت النظريات العلمية، وهي التي أتاحت التقدم التقني، وهي التي ضاعفت الرخاء والاستقرار والأمن في المجتمعات التي اعتمدتها.

ومن هؤلاء من يرى أن ذلك لا يعني أن العلم والدين متناقضان، بل المؤمنون والمتدينون من العلماء في الغرب مثلا كثر. ولكن هؤلاء العلماء لا حرج لديهم ولا امتناع، في مجتمعاتهم التي تقر بالحرية، أن يتعاونوا مع زملائهم من اللاأدريين والملحدين، وأن يستفيدوا من أبحاثهم، في حين أن شبهة عدم الانصياع للتصور الديني في معظم المجتمعات الإسلامية تجلب على المشبوه المخاطر.

الحداثة في المجتمعات الإسلامية هي بالفعل غير مكتملة، ولكنها كذلك غير قابلة للتجاهل.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.