فوانيس رمضان في شوارع القاهرة
فوانيس رمضان في شوارع القاهرة

بقلم نضال منصور/

"يبحثون عن صناعة مجدهم وتخليد اسمهم في التاريخ" هكذا لخص صديقي أزمة الحكم المتوارثة في مصر منذ عهد الملك الفرعوني خوفو، مرورا بالزعيم محمد علي باشا، امتدادا للخديوي إسماعيل، انتقالا إلى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وانتهاء بسلطة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وما بينهم من زعماء تعاقبوا على حكم "المحروسة" مصر.

يكمل صديقي الكلام بأن "المصريين ليسوا على أجندة حكامهم، ولا يتشاورون معهم بشكل حقيقي وجدي في أولوياتهم ومستقبلهم".

لم أدقق يوما في الخيط الذي يربط الزعماء المصريين منذ عهد التاريخ، ولكن استهوتني هذه المراجعة والمقاربة؛ "خوفو بنى الهرم الأكبر ليكون مقبرة له" انظر لهذه الملهاة من زاوية أخرى، عدا عن أن الأهرامات أهم عجائب الدنيا، زعيم يفكر في خلوده قبل أن يفكر في شعبه ويموت الناس وهم يشيدون هذا الهرم ـ المقبرة.

لم يتغير الحال كثيرا بعد الملك خوفو، فالزعيم محمد علي باشا "عزيز مصر"، كان صناعة عثمانية، وحاول فيما بعد التمرد عليها ليبني إمبراطورتيه، وانتهت دولته بسقوط الملكية في مصر.

عدنا لزمن تأميم الإعلام، بعد أن أصبح الجيش وأجهزة الأمن الحاضر الأول في كافة تفاصيل المشهد المصري

​​هناك زوايا مختلفة للصورة، ولكنها لا تخرج عن فكرة الزعيم الخالد الملهم سواء أكان الخديوي إسماعيل الذي كان يحلم أن تصبح مصر مثل فرنسا، التي عاش وتعلم بها، أو عبد الناصر الاشتراكي الذي يريد أن يشيد مجده على أنقاض الإمبراطورية العثمانية العجوز والملكية البائدة والاستعمار المتهاوي ليقدم لشعبه شعارات العروبة والوحدة والقضاء على الإقطاع والولوج لعهد التأميم.

كلهم تركوا شواهد خلفهم لا تنسى، فمن حفر قناة السويس إلى تأميمها قصة تختزل كثير من الصراع والتاريخ. ومن قصر عابدين ودار الأوبرا إلى "العاصمة الإدارية" محطات تؤرخ لرؤية القائد أكثر مما تروي سيرة الشعب.

اقرأ للكاتب أيضا: علاوي الناجي من محاولتي اغتيال: 'أنا مهدد بالقتل'

لا أغيب عن مصر كثيرا ولا أعشقها حد الجنون، وأصدق من قال "من يشرب من مية (مياه) النيل لا بد أن يعود لها". الشوارع مكتظة بلافتات تروج لمسلسلات شهر رمضان. تشعر أن معركة محتدمة بين المحطات المصرية على المشاهد. رمضان في القاهرة مختلف ليس لأنها مدينة لا تنام وليس لأن فيها أكثر من 20 مليون إنسان يدخلون ويخرجون، إنما لأن لرمضان طقوس آسرة في "الحسين" وفي كل الأزقة والحواري.

لم أزر مصر منذ "تعويم الجنيه" وتراجعه أمام الدولار. كانت صدمتي الأولى حين طلب سائق التاكسي مني 400 جنيها ليوصلني إلى الفندق بالزمالك. أدركت منذ اللحظة الأولى حجم التحديات الاقتصادية التي تتعرض لها مصر وهي تقترب من المراجعة الدورية لصندوق النقد الدولي لوضعها الاقتصادي وتزامن هذا مع تقرير لوكالة رويترز تحت عنوان "من غرفة العمليات الحربية إلى مجالس الإدارة... شركات الجيش المصري في ميدان الاقتصاد تزدهر في عهد السيسي".

تقرير رويترز يتحدث باستفاضة عن توسع دور الجيش المصري في ميدان الاقتصاد تحت لافتات مختلفة سواء كانت وزارة الإنتاج الحربي أو وزارة الدفاع. خاصة لجهة تملك مشاريع ومصانع ومنتجعات سياحية تتمتع بإعفاءات ضريبية واسعة ومنافسة بشكل كبير للقطاع الخاص، مما يهدد وجود هذا القطاع واستمراره. تجيب الحكومة على هذه التقارير والادعاءات بالقول "الجيش يسد ثغرات في السوق".

يشير التقرير إلى ملكية الجيش لـ 51 في المئة من الشركة التي تتولى تطوير العاصمة الإدارية والتي تقدر كلفتها بـ 45 مليار دولار، وإلى ملكية أكبر مصنع للإسمنت، وتملك منتجعات سياحية، والمساهم في تطوير مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط، وهضبة الجلالة عند شمال البحر الأحمر.

ليس سرا أن نقول إن الجيش وأجهزة الاستخبارات باتت تملك أو شريكا أساسيا في العديد من وسائل الإعلام بشكل مباشر ومن خلال شركات أسستها، بعد أن كانت تستخدم رجال أعمال مثل أحمد أبو هشيمة كواجهات لملكية شركاتها.

حين سألت أصدقائي ماذا تبقى من إعلام مستقل في مصر؟

كانت إجابتهم مختصرة "أبرز وسائل الإعلام المستقلة: جريدتا المصري اليوم والشروق ومجموعة مواقع إعلامية إلكترونية أهمها مدى مصر".

باختصار عدنا لزمن تأميم الإعلام، بعد أن أصبح الجيش وأجهزة الأمن الحاضر الأول في كافة تفاصيل المشهد المصري.

عاد الرئيس السيسي للحكم عبر صناديق الاقتراع لولاية أخرى. وفقا للدستور فإنها الأخيرة، ولكن العادة في العالم العربي أن الدستور يتغير لاستمرار الحاكم. وهنا يبدي قانونيين معروفين في مصر حيرتهم في آليات تغيير النص الدستوري الذي يشترط ولايتين للرئيس فقط، ويتوقعون زيادة مدة الولاية الثانية من 4 سنوات إلى 7 سنوات على غرار التجربة الفرنسية قبل تعديلها وتقليصها إلى 5 سنوات.

هذه ليست تكهنات ففي شهر نيسان/أبريل الماضي نشرت وسائل إعلام بأن رئيس ائتلاف الأغلبية النيابية "دعم مصر" محمد السويدي تواصل مع الهيئات البرلمانية والأحزاب التي ليست بالائتلاف للتباحث في تعديلات مقترحة على الدستور، من بينها حذف أي قيد على عدم جواز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لأكثر من فترتين رئاسيتين.

لا يعود الرئيس السيسي للحكم مرة أخرى مجردا من تأييد شعبي، فما زال ينظر له بأنه المخلص وحامي مصر من الإرهاب، وبرأي مؤيديه جاء بالوقت المناسب لينهي حكم "الاخوان المسلمين"، وأيضا بأنه الباني الذي سيعيد للبلد البهاء والرخاء. مؤيدو السيسي مستعدون للتضحية بانتظار انتهاء "النفق" أو الطريق الصعب الذي تحدث عنه كل زعماء مصر.

في عهد السيسي، يرى حتى بعض خصومه أن مصر تشهد ورشة إعمار، سواء في ميدان بناء مدن مثل العاصمة الإدارية التي تستنزف الكثير من الموارد المالية أو شق طرق عملاقة أو إعادة تأهيل محطات تكرير البترول وحقول الغاز والمصانع والمستشفيات.

هناك اقتراحات لحذف أي قيد على عدم جواز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لأكثر من فترتين رئاسيتين

​​"مصر شاخت في عهد مبارك"، هذا ما يقوله لي زميل إعلامي، ويفسر هذا الأمر بأن الحكومات كانت ترحل المشكلات والأزمات ولا تتصدى لها. وعلى سبيل المثال لم تقم بإصلاح خطوط القطارات المتهالكة حتى لا تضطر لتحمل الكلفة المالية أو التفكير برفع الأسعار فتصطدم بالشارع وتثير غضبه.

زيارتي للقاهرة جاءت في وقت قررت فيه الحكومة رفع أسعار تذاكر "المترو" من 2 جنيه إلى 7 جنيهات وهو ما أثار موجة من الاحتجاج والغضب.

اقرأ للكاتب أيضا: عمار الحكيم: "البعبع" الطائفي أكذوبة كبرى

ما يؤكد عليه صديقي الإعلامي أن الرئيس السيسي يتصدى للمشكلات ولا يهرب منها، ولو كلفه الأمر خسارة للشعبية أو تزايد المديونية.

رغم تراجع مصر في مؤشر الحريات وحقوق الإنسان في التقارير الدولية ورغم الحديث عن تزايد عدد المعتقلين وحصار مؤسسات المجتمع ووقف عملها فإن هناك العديد من الأصوات الناقدة المستعدة لمواجهة السلطة ويتناهى إلى سمعك وأنت تجلس في المقاهي المنتشرة في كل مكان "النكات" والتندر الساخر على حكايات ومواقف الحكومة حتى يسود لديك اعتقاد أن الجميع يتحدثون بلسان واحد.

كلما زرت مصر كنت أسأل نفسي كيف تعيش هذه البلد التي يتكاثر سكانها بسرعة الضوء، ولا تتسع الشوارع لسياراتها، ولا تعرف كيف يؤمن فقرائها لقمة "العيش"، وكيف يستمرون بالضحك رغم كل المآسي التي يعيشونها، سوى أن تقول إنها مصر "المحروسة"... المنفلتة من كل القواعد وأحكام المنطق ونظريات الاقتصاد والسياسة!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.