دعايات لدراما رمضان في شوارع القاهرة
دعايات لدراما رمضان في شوارع القاهرة

بقلم كوليت بهنا/

منذ أن نشأت المحطات الفضائية العربية الكبرى الممولة خليجيا قبل أكثر من عقدين، تغيرت قواعد الدراما التلفزيونية العربية ومعها تغيرت طقوس المتابعة والتلقي، وباتت جميعها تخضع صاغرة لقوة رأس المال وشروطه، التي حصرت إنتاج الدراما العربية التلفزيونية وعرضها بشهر رمضان، وهي شروط ادعت ظاهريا مبررات ترفيهية وتقديم التسلية للصائمين، لكنها في عمقها ورؤيتها البعيدة أيديولوجية دينية الأهداف وتطال الجميع، بحيث تتمحور حياة الناس خلال أحد عشر شهرا فقط حول الانتظار بلهفة لكل الهدايا الدنيوية والمتع والملذات المسموح بها المحشورة في شهر واحد، وبرمجتهم ببطء لتقبل هذا التحول بإرادة وقناعة تامتين.

إن نظرة سريعة لما يعرض في الموسم الدرامي لرمضان هذا العام، تظهر أن المنتجات تكاد لا تختلف عما سبقه. ويمكن تقييمها باختصار بأنها "تكرار المكرر" الذي لاحت معالمه قبل سبع سنوات تقريبا، في انتظار تحول ديني وسياسي واجتماعي جديد في الرؤى الناظمة لفكر المحطات (الخليجية الاسلامية) صاحبة القرار الأول والأخير، والتي انساقت معها بعض المحطات العربية الرسمية التي تدعي العلمانية.

ملايين الدولارات صرفت على الدراما العربية الرمضانية هذا العام بلا جدوى

​​تكرار المكرر هذا يتمثل في أعمال دينية بحتة تحاكي التاريخ الإسلامي وتضم نجوما متدينين كواحد من شروط الإنتاج. قد تكون هذه الأعمال الأنسب لشهر العبادة والصوم، حيث يمكنها تحقيق الانسجام مع الحالة العامة للشهر الكريم وتقديم المتعة الدرامية بآن واحد. لكنها في الحقيقة باتت تبدو غير متوازنة مع ما يقدم في المقلب الاجتماعي الدرامي الآخر من أعمال تحفل بأعمال تبالغ في إبراز مفاتن النجوم وبطولاتهم الجسدية الخارقة، وابتساماتهم الهوليوودية واستعراض ملابسهم وبيوتهم وأثاثهم الفاخر، دون أن يطال هذا السخاء عمق مواضيع الأعمال التي ظلت تعالج أفكارا أقرب إلى السطحية والعادية والممجوجة.

اقرأ للكاتبة أيضا: لبنان: حلم الجميع المشتهى

ورغم نجاح السنوات السابقة في تمرير عمل درامي أو اثنين بين عشرات الأعمال تحقق أهداف الدراما ومعاييرها فنيا وموضوعيا وفكريا، إلا أننا لم نعثر في هذا الموسم على عمل يمكن أن يقال إنه يستحق التوقف عنده وبخاصة مع غياب العمل ذي البعد السياسي الذي بات مكروها من المحطات وكأنه رجس من عمل الشيطان.

الدراما المصرية التي شهدت تطورا ملحوظا في السنوات الخمس الماضية على الصعيد الفكري والبصري، ما تزال مشكلتها الرئيسة اقتباس مواضيعها عن أعمال تلفزيونية وسينمائية عالمية غربية، وكأن المجتمع المصري لم يعد ملهما عظيما لكتابه. بالتأكيد، فإن الاقتباس أمر مقبول في الدراما بشرط الإشارة لمصدر هذه الأعمال وحفظ حقوق أصحابها البعيدين أو الأموات، وعدم التذاكي (والفهلوة) على الناس وخداعهم بأنها من بنات وأبناء أفكار كاتب السيناريو العبقري. ولم يبرز عمل مصري حتى الساعة يمكن الحديث عن جمالياته واكتماله كما حدث العام الفائت مع أحد أجمل وأهم الانتاجات المصرية وهو "واحة الغروب" للمخرجة كاملة أبو ذكرى.

أما الدراما السورية يمكن القول إنها سيئة الحظ ومشتتة للغاية هذا العام، مع غياب أهم صناعها من كتاب ومخرجين مميزين وعدم إبراز إنتاجاتها الجديدة على كبرى المحطات الخليجية الكبرى كالسابق، وعدم تميز أعمال البيئة الشامية المعتادة. ومعظم ما أنتج يتم عرضه على محطات سورية أو لبنانية غير ضخمة، مع ملاحظة ازدياد تطعيم الدراما السورية بالنجوم اللبنانيين وتطعيم الدراما اللبنانية بالنجوم والفنيين السوريين، وكأننا عدنا إلى عهد "سوا ربينا" والحب والغرام لكن على المستوى الفني والدرامي فقط، فيما الحقيقة السياسية والشكوى المستمرة من تواجد اللاجئين السوريين لا تتوقف وآخرها كان ضمن الخطاب الرسمي بمناسبة المائدة الرمضانية السنوية التقليدية للرئاسة اللبنانية.

الاقتباس أمر مقبول في الدراما بشرط الإشارة لمصدر هذه الأعمال وحفظ حقوق أصحابها البعيدين أو الأموات

 الدراما الخليجية ارتاحت بدورها نفسيا وتخلصت تقريبا هذا العام من ثقل منافسيها السوري والمصري اللذين سرقا منها مساحات كبيرة على محطاتها لسنوات طويلة، واحتلت الأعمال الخليجية هذه المحطات باعتبارها منها وإليها.

بالمحصلة كل ما تقدم من حديث عن رؤى المحطات الخليجية يصب في النهاية بأنها تتجه بمعظم محطاتها إعلاميا وفكريا إضافة إلى إنتاجاتها الدرامية نحو "الخلجنة" والتقوقع نحو الداخل، بما للأمر من انعكاسات على مفهوم الانفتاح الذي يختفي عن فكرها شيئا فشيئا.

اقرأ للكاتبة أيضا: في وداع مبدع كبير طار فوق "عش الكوكو"

ملايين الدولارات صرفت على الدراما العربية الرمضانية هذا العام بلا جدوى. كان يمكن توظيف بعضها بفيلم سينمائي يرفع الاسم العربي في المهرجانات الكبرى كما أتحفتنا اللبنانية نادين لبكي وسط ضجيج الدراما التلفزيونية الرمضانية.

يبقى سؤال يلح على المرء كل عام: لمن تنتج وتعرض كل هذه الأعمال الدرامية الرمضانية إذا كان معظم الشارع العربي الإسلامي اليوم يقضي أوقاته الرمضانية في الجوامع للصلاة والتفرغ للعبادة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.