وفرت محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016 لأردوغان شن أوسع عمليات "التطهير" في صفوف مؤسسات الدولة العلمانية
وفرت محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016 لأردوغان شن أوسع عمليات "التطهير" في صفوف مؤسسات الدولة العلمانية

بقلم عريب الرنتاوي/

تقدم تركيا تجربة خاصة في العلاقة بين "الإسلام السياسي" و"الدولة العميقة"، تلك "الثنائية" الحاكمة لسلوك وسياسات معظم الحكومات و"اللاعبين اللا-دولتيين" في المنطقة العربية، وتحديدا في سنوات "الربيع العربي" الثماني الفائتة... وقد جذبت ظاهرة صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم منذ العام 2002، ونجاحه في جميع الانتخابات والاستفتاءات التي أجريت خلال السنوات الست عشرة الفائتة، جذبت اهتمام الباحثين والسياسيين والمفكرين العرب.

ويمكن القول، ابتداء واختصارا، أن حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، جاء في تشكيله وخطابه وبرنامجه، تجسيدا وتتويجا لـ "طبعات متعاقبة" من الإسلام السياسي التركي، الذي طالما اصطدم بمؤسسات الدولة العميقة في البلاد، العلمانية بطبيعتها. وأملى هذا الصدام على حركات "الإسلام السياسي التركي" المتعاقبة تبني خطابا قائما على المصالحة بين الإسلام والعلمانية والديمقراطية، خطاب مستلهم لقيم الحداثة والعصر وحقوق الإنسان وقواعد العملية الديمقراطية.

حتى أن حزب العدالة والتنمية لطالما تفادى، في أدبياته وخطابات قاداته، تقديم نفسه كحزب إسلامي، أو حتى "ذي مرجعية إسلامية". وفضل تقديم نفسه كحزب محافظ، مؤمن بالعلمانية والديمقراطية من دون تناقض أو تعارض مع قيم الإسلام وأخلاقياته، كما هو شأن الرؤية المتزمتة للتيارات الإخوانية والسلفية، التي ترى في "الإسلام" نظام حكم ونمط حياة، يجمع "الدين والدنيا" في سلة واحدة.

تحولت تركيا تحت ضغط رئيسها من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي وتراجعت حالة الحريات

​​وإذ أثار هذا الخطاب التصالحي بين الإسلام والعلمانية، حذرا واضحا لدى معظم الحركات الإسلامية العربية في البدء، ووصفه بعض كتابها ومفكريها بـ"الإسلام الأميركي"، فقد قابلته التيارات العلمانية من يسارية وديمقراطية ومدنية بالترحيب والاهتمام، بل وتعالت الدعوات لحركات الإسلام السياسي العربية للتعلم أكثر من التجربة التركية بوصفها تجربة قابلة للتجسيد وإعادة الإنتاج في دول المنطقة ومجتمعاتها.

لكن التطورات التي نجمت عن العلاقة المتوترة بين "الإسلام السياسي التركي" ومؤسسات الدولة العلمانية "العميقة"، أظهرت لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث، نجاحا ملحوظا للإسلاميين، في تفكيك "القلاع العلمانية" التركية الواحدة تلو الأخرى بدءا بمؤسسة الرئاسة والإعلام والقضاء والأكاديميا.

اقرأ للكاتب أيضا: القدس وغزة.. أو حين تتحول القضية إلى ساحة صراع

ووفرت محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016 للحزب، وقائده الكارزمي "الشعبوي"، فرصة لشن أوسع عمليات "التطهير" في صفوف مؤسسات الدولة العلمانية، واستبدالها بنخب محسوبة على الحزب ومقربة منها، ولتطوي صفحة الانقلابات العسكرية في تاريخ تركيا الحديث والتي غالبا ما كانت تأتي كنتيجة للعلاقة المتوترة بين "الإسلام السياسي" و"الدولة العلمانية العميقة"..

والحقيقة أن هذه النجاحات ما كانت لتتحقق، لولا "المعجزة الاقتصادية" التي نجح الحزب في إنجازها، ولولا الشوط الطويل الذي قطعه في سنوات صعوده، لمقابلة "شروط كوبنهاجن" لعضوية الاتحاد الأوروبي.

تزامن اندلاع الربيع العربي، على نحو مفاجئ، مع نجاح الحزب وزعيمه في تدعيم قواعد سيطرتهما على مؤسسات الدولة وتمكنهما من كسب تأييد قطاعات واسعة من الفئات الشعبية المهمشة في المناطق الريفية وأحياء المدن الكبرى المهمشة، فضلا عن صعود طبقة جديدة من رجال الأعمال الذين أتقنوا فن توظيف علاقاتهم بالحكم لمراكمة الثروات الطائلة وإعادة تزويد ماكينة الحزب السياسية والإعلامية والانتخابية بكل من تحتاجه من مصادر الدعم والتمويل.

ونقول إن اندلاع الربيع العربي، وفر "سانحة استراتيجية" للحزب وزعيمه، لبعث وإحياء أحلام تركية قديمة وجديدة لمد نفوذها الإقليمي في الإقليم برمته. ونشأ مصطلح "العثمانية الجديدة" بوصفها تجسيدا لأحلام تركيا الناهضة اقتصاديا وسياسيا، فبدا الرهان منعقدا على جماعة الإخوان المسلمين ذات النفوذ الجماهيري المتعاظم في دول الإقليم ومجتمعاته.. وراهن أردوغان وحزبه الحاكم على هذه الجماعة، التي وصل بعضها إلى السلطة أو شارك فيها في مصر وتونس والمغرب وغيرها، من أجل "مد النفوذ" الإقليمي لبلاده وتعزيز دورها كقوة إقليمية صاعدة.

وفر اندلاع الربيع العربي "سانحة استراتيجية" للحزب وزعيمه، لبعث وإحياء أحلام تركية قديمة

​​وبدل اعتماد أدوات "القوة الناعمة" التي تبناها الحزب في مرحلة صعوده لتقربه من دول المنطقة وشعوبها، بدأ باعتماد أدوات "القوة الخشنة" المتمثلة في دعم بعض الجماعات، بما فيها المسلحة في سورية والعراق وليبيا، وانتهاج سياسة تصعيدية ضد عدد من الدول والحكومات العربية. وبدلا عن سياسة "صفر مشاكل" مع دول المحيط، لم يعد لتركيا من أصدقاء حقيقيين في المنطقة، سوى بعض الحكومات والحركات الإسلامية.

وبدل أن ينجح "العدالة والتنمية" في "تحديث" و"علمنة" حركات الإسلام السياسي العربية، وجدنا الحزب الحاكم في تركيا، يرفع من منسوب من خطابه الديني ـ المذهبي، ويتجاوز حالة الحذر التي طبعت سلوكه وسياساته في مرحلة صعوده، بعد أن تجاوز الخشية من ردات فعل الجيش والمؤسسة العلمانية. ورأى حزب العدالة والتنمية في هذا الخطاب، مدخلا لمد نفوذه في الإقليم ومزاحمة مراكز القوى الأخرى، السنية (السعودية) والشيعية (إيران)، التي تعتمد بدورها خطابا دينيا ـ مذهبيا، وتقدم نفسها بوصفها "مراكز" العالمين السني والشيعي في العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: طهران وعواصم المنطقة على 'صفيح نووي ساخن'

وفي صراعه للبقاء في الحكم، وإنجاز "أجندة التمكين"، ذات الجذر "الإخواني"، اعتمد زعيم الحزب خطابا "شعبويا"، لعب من خلاله على وتر "العواطف الدينية" لغالبية الشعب التركي. وخاطب في مراحل معينة "المشاعر القومية" لدى الأتراك، وتحديدا في تعامله مع "المسألة الكردية"، مهددا بتغذية حالة الانقسام الأهلي بين مكونات الأمة التركية بعد أن بدا لبعض الوقت أن هذه "المسألة" قد وجدت طريقها لحل تفاوضي ـ سياسي، قائم على الحوار والاعتراف بالآخر و"مواطنة" جميع الأتراك المتساوية، جماعات وأفرادا.

لقد انقلب الحزب الحاكم، على معظم، إن لم نقل جميع، "مفردات" خطابه في مرحلة صعوده في العشرية الأولى من وصوله إلى الحكم. وتم تغييب كافة الرموز القيادية للحزب المرتبطة بتلك الحقبة، وجرى تعزيز إحكام قبضة النظام على مؤسسات الدولة المختلفة. وتحولت تركيا تحت ضغط رئيسها من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، المطلق الصلاحيات، وتراجعت حالة الحريات إلى أدنى مستوياتها، وزج بالألوف من خصوم الحزب والرئيس في السجون، ومن مختلف المكونات. وبدا أن ارتفاع المنسوب المذهبي في خطاب الحزب يتهدد وحدة الأمة التركية وسلامة نسيجها الاجتماعي، بعد أن أفضى إلى مفاقمة حالة الاستقطاب وانشقاق المجتمع التركي إلى نصفين، نصف مؤيد بالكامل للحزب ورئيسه، ونصف آخر يناصبه العداء حد الكراهية وتلك ظاهرة غير مألوف في الديمقراطيات المستقرة أو الناشئة.

وخلاصة القول، وبعد ستة عشر عاما من صعود حزب العدالة والتنمية، وعلى مبعدة أسابيع قلائل من أول انتخابات رئاسية وبرلمانية تجرية في ظل الدستور الرئاسي الجديد، تنهض تجربة التحول الديمقراطي في تركيا، بوصفها الضحية الأولى، للسياسات الشعوبية للزعيم الكارزيمي، ولمفاعيل "نظرية التمكين" الإسلامية، وكشاهد إضافي على أن إدماج الحركات الإسلامية في عملية ديمقراطية مستقرة وصاعدة لن يكون ممكنا ومضمون العواقب من دون وجود "معادل موضوعي" لهذه الحركات، سواء في مؤسسات الدولة، أو بالأخص في أوساط المجتمع، كما في الحالة التونسية التي دللت بدورها، على أهمية "التوازن المطلوب" في علاقة القوى بين التيارين المدني والإسلامي.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.