لاري يوندو (دودج الأب) وتيموثي إدوارد كين (ابرادلي الإبن) في مشهد من المسرحية (مايكل بروسيلو)
لاري يوندو (دودج الأب) وتيموثي إدوارد كين (ابرادلي الإبن) في مشهد من المسرحية (مايكل بروسيلو) | Source: Courtesy Photo

بقلم رياض عصمت/

تحمل مسرحية المؤلف المسرحي والممثل السينمائي الراحل سام شيبرد "الطفل المدفون" نبوءة رمزية غامضة عن المستقبل، الذي أصبح حاضرا راهنا الآن. ما أكثر الأطفال المدفونين في القرن الحادي والعشرين، سواء كانوا من لحم ودم أم من مبادئ نشأت أجيال على هديها، ثم وئدت قبل الأوان.

كتبت مسرحية "الطفل المدفون" في 1978، قبل أن تتكاثر المقابر، وقبل أن تتبدد الأحلام كالسراب. رحل شيبرد عن عالمنا في عام 2017 عن عمر يناهز 73 عاما، تاركا وراءه مجموعة من المسرحيات التي صارت تعتبر من الكلاسيكيات الحديثة للدراما الأميركية، وفي مقدمتها "الطفل المدفون" التي نالت جائزة "بوليتزر" الرفيعة للآداب، كما رشحت لخمس جوائز "توني" للمسرح. تبدو هذه المسرحية بالذات بين أعمال شيبرد أقرب إلى اللامعقول الأوروبي منها إلى الواقعية الأميركية.

كان سام شيبرد صديقا حميما لأستاذي وصديقي الراحل جوزيف تشيكن، الذي أسس فرقة "المسرح المفتوح" في نيويورك بين 1963 ـ 1973 وأخرج Terminal - Mutation Show- Nightwalk - The Serpent Viet Rockمن تأليف سام شيبرد، ميغن تيري وجان ـ كلود فان إيتالي، وأحدثت ثورة رائدة ميزت المسرح الطليعي الأميركي عن نظيره الأوروبي.

ظلت صداقة المبدعين الكبيرين وطيدة بعد إصابة جو تشيكن بالجلطة الدماغية، بحيث أسهم شيبرد في تعافي صديقه وعودته للتمثيل بكتابة مسرحيتين له خصيصا، مثلهما على مسرح "مارك تيبر" في لوس أنجلوس، وأهداني جو تسجيلا صوتيا لهما، وهما Savage/Love (1981)، وTongues (1982). كما نشر الاثنان كتابا مشتركا يضم مراسلتهما المتبادلة، وبقيا على علاقة وثيقة إلى أن فارق جو تشيكن الحياة في عام 2003.

حاول جميع الممثلين تجسيد شخصيات بعيدة عن ملامحهم الذاتية

​​في عالمنا المعاصر، يدفن بعض الأطفال في قبور تحمل أسماء على شواهد، بينما يدفن آخرون تحت الأنقاض أو في مقابر جماعية، أما بعض الباقين فيعيشون كأحياء ـ أموات في ظل خوف مزمن من الاحتلال أو الاستبداد. تجاوز رمز "الطفل المدفون" في عديد من البقع الساخنة من العالم ما خطر في بال سام شيبرد حين ألف مسرحيته. لا شك أن وجود طفل مدفون في الحديقة الخلفية لمنزل أسرة أميركية فقيرة لا تنبت الأرض القاحلة فيها محصول الذرة إلا بمعجزة هو كناية تشير إلى رائحة زنخة لفضيحة أخلاقية مريعة تمزق شمل العائلة.

اقرأ للكاتب أيضا: رمضان والغربة عن الأوطان

إن الطفل/الرمز، الذي قتل خنقا وأخفي سره تحت التراب هو ثمرة سفاح محرّم، أنجبته الأم ثمرة لعقدة أوديبية أحدثت شرخا عميقا في عائلة تبدو بمجمل شخصياتها وكأنها من إبداع رائد مسرح العبث صموئيل بيكيت، بحيث نرى الأمل ينغلق أمام الشخصيات لتشتهي الموت وتتوق إليه. بالتالي، لا يقتصر تبدد الحلم على كونه موضوعا أميركيا، بل يصبح موضوعا عالميا في زمن تضخمت فيه المصائب مثل كرة ثلج منحدرة من قمة جبل إلى هاوية. الكل يحاول ستر العار المدفون في علاقة آثمة ومحرمة.

كم من أحلام تحولت في زماننا إلى كوابيس؟ كم من أسر يفترض أن تسود أفرادها المحبة والانسجام صارت بؤرة للفرقة والأحقاد؟ كم من فضائح وآثام أخفيت وراء الشعارات الطنانة وأقنعة الازدهار والتقدم الزائفة؟

تعتبر مسرحية "الطفل المدفون" جزءا من ثلاثية مسرحية عائلية الموضوعات كتبها سام شيبرد إلى جانب "لعنة الطبقة المتضورة جوعا" (1976) و"غرب حقيقي" (1985)، وإن كان بعض النقاد يضيفون إليها مسرحيتين لتصبح خماسية، وهما "أبله الحب" (1983) و"كذبة الذهن" (1985).

كانت انطلاقة مسرحية "الطفل المدفون" الأولى من مسرح "ماجيك" في سان فرانسيسكو عام 1978، وما لبث أن أعيد إنتاجها خارج ـ برودواي في نيويورك، وفي الوست ـ إند في لندن، ثم في شيكاغو.

يركز سام شيبرد اهتمامه في معظم أعماله ـ مثل يوجين أونيل وآرثر ميلر وتنيسي وليامز وإدوارد أولبي ـ على أسرة أميركية مفككة، محبطة وتعيسة، تعيش على بقعة أرض بور من ولاية إلينوي. لا يكف الأب العجوز "دودج" عن السعال، ويتجرع الويسكي الرخيص خلسة من زجاجة أخفاها في ثنايا كنبة مهترئة. لا تكف الأم "هالي" عن الصراخ والتذمر وإعطاء الأوامر، وتتردد إلى قس تأمل في أن يخلد ذكر ولدها الذي قتلته زوجته المهووسة دينيا في ليلة زفافهما بإقامة تمثال له في البلدة القريبة يصوره وهو يحمل بيد كرة سلة، وبالأخرى بندقية. ولداهما الباقيان على قيد الحياة بلغا الأربعينيات من العمر: أكبرهما "تيلدن" رجل مختل العقل يسرق أكواز الذرة من حقل الجيران ويغطي أباه بقشورها وهو نائم، أما الآخر "برادلي" فقطع ساقه خطأ بمنشار كهربائي ليعرج بساق اصطناعية دون عمل سوى أن يحلق رأس أبيه وهو نائم مسببا له جراحا دامية.

لا يلبث المتفرج أن يصعق باكتشاف أن ثمة جثة طفل مدفون في الحديقة الخلفية منذ عشرين سنة هو ثمرة سفاح قربى محرّم، لكن اختفاء أثر الجرم لم يلغ هاجس الذنب الذي يظلل بغيمة داكنة على وجدان كل من أفراد الأسرة المفككة إلى درجة أقرب للجنون.

تتطور الحبكة عندما يصل الحفيد (فينس) وصديقته (شيلي) من نيويورك لزيارة بيت الجد في طريقهما إلى نيو مكسيكو بحثا عن والده "تيلدن". يفاجأ الحفيد بوالده مقيما في البيت، لكنه لا يتذكر ابنه على الإطلاق، وكذلك الجد العجوز الذي يتوسل إليه أن يذهب ليشتري له أرخص أنواع الويسكي. يعود الحفيد ثملا ليحطم زجاجات البيرة والأبواب وينكأ دمل العائلة ليخرج القيح المتمثل في الطفل المدفون.

في ختام المسرحية، يستلم الحفيد الشاب "فينس" من جده العجوز "دودج" وثيقة ملكية البيت والأرض قبل أن يكتشف أنه مات فيغطيه ببطانيته عتيقة، وتتفرق باقي الشخصيات في بؤس روحي وضياع، بينما يدخل الابن الأكبر "تيلدن" حاملا بقايا الجثة المهترئة للطفل المدفون.

هكذا، تنتهي المسرحية نهاية غريبة سوداء، بحيث يحار المتفرج المعاصر فيما إذا قصد الكاتب أن يصور شخصياته بشكل واقعي أم تعمد الإغراق في الرمزية الغامضة! كما يتساءل المرء طيلة العرض فيما إذا كانت مشاعره وردود فعله تقتضي ذرف الدموع أم إطلاق الضحكات الهستيرية!

ما الذي أضافه الإحياء الجديد في "مسرح الكتاب" لهذه المسرحية القاتمة الساخرة، المحبطة والمفجعة، العبثية والرمزية؟ أخرجت المسرحية كيمبرلي سينيور ببراعة، وهي التي سبق أن اشتهرت بإخراج مسرحية هنريك إبسن "هيدا غابلر" ومسرحية "مذكرات آن فرانك" وسواهما.

يركز سام شيبرد اهتمامه في معظم أعماله على أسرة أميركية مفككة، محبطة وتعيسة

​أدارت المخرجة بكفاءة طاقما محترفا تألق فيه الممثل المخضرم المعروف لاري يوندو في دور الأب العجوز، الذي تكمن صعوبة دوره في أنه بالكاد يغادر أريكته المهترئة، معتمدا على صوته الأجش وتعبيرات وجهه فحسب. بالمقابل، رأينا الأم (لعبت دورها شانون كوشران) صاعدة نازلة من غرفتها التي غطت جدرانها بالصور العتيقة عن أمجاد الماضي بحيث يعكس ذلك توترها وقلقها الداخليين. نجح في تجسيد شخصيتي الولدين البالغين أربعينيات العمر كل من مارك مونتغمري في دور الابن الأكبر المختل عقليا والمسؤول عن خطيئة إنجاب الطفل الحرام، وتيموثي إدوارد كين في دور الابن الأصغر ذي الساق المقطوعة، الذي تفوق بحضور لافت وتقمص مرهف للشخصية.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تتحقق أضغاث الأحلام؟

في الواقع، حاول جميع الممثلين تجسيد شخصيات بعيدة عن ملامحهم الذاتية، ولم يستعرضوا أنفسهم في الأدوار، تحت إدارة مخرجة اختارت بذكاء التواري في الظل لإبراز النص والممثلين.

لكن لعل العيب الأهم في العرض الجديد، بالرغم من كون الديكور الذي صممه جاك ماكغاو واقعيا جدا، هو إن شعورا سرى للمتفرجين أن الممثلين كانوا منشغلين بعكس الدلالات الرمزية لشخصياتهم أكثر من تجسيد شخصيات من لحم ودم تتفاعل مع بعضها بصورة حيوية لا تخلو من ملامح الكوميديا السوداء.

أخيرا، يحق لنا التساؤل: ما الذي جعل مسرحية "الطفل المدفون" تحمل إيحاءات تعني المتفرج المعاصر بعد أربعين سنة على ظهورها الأول؟ الجواب هو أن سام شيبرد أشبع مسرحيته برمزية مبهمة يمكن أن تفسر على أي نحو يرغبه الفنانون والمتفرجون، وذلك حسب كل زمان ومكان يتم إحياء النص فيه، خاصة أن المشهد الراهن للعالم في ظل تجاهل الإثم الأخلاقي المريع الكامن وراء مظاهر الرضا السطحي عن النفس هو أشبه بالرمال المتحركة، التي كلما حاول المرء منها خلاصا، ازداد غوصا إلى القاع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.