لاري يوندو (دودج الأب) وتيموثي إدوارد كين (ابرادلي الإبن) في مشهد من المسرحية (مايكل بروسيلو)
لاري يوندو (دودج الأب) وتيموثي إدوارد كين (ابرادلي الإبن) في مشهد من المسرحية (مايكل بروسيلو) | Source: Courtesy Photo

بقلم رياض عصمت/

تحمل مسرحية المؤلف المسرحي والممثل السينمائي الراحل سام شيبرد "الطفل المدفون" نبوءة رمزية غامضة عن المستقبل، الذي أصبح حاضرا راهنا الآن. ما أكثر الأطفال المدفونين في القرن الحادي والعشرين، سواء كانوا من لحم ودم أم من مبادئ نشأت أجيال على هديها، ثم وئدت قبل الأوان.

كتبت مسرحية "الطفل المدفون" في 1978، قبل أن تتكاثر المقابر، وقبل أن تتبدد الأحلام كالسراب. رحل شيبرد عن عالمنا في عام 2017 عن عمر يناهز 73 عاما، تاركا وراءه مجموعة من المسرحيات التي صارت تعتبر من الكلاسيكيات الحديثة للدراما الأميركية، وفي مقدمتها "الطفل المدفون" التي نالت جائزة "بوليتزر" الرفيعة للآداب، كما رشحت لخمس جوائز "توني" للمسرح. تبدو هذه المسرحية بالذات بين أعمال شيبرد أقرب إلى اللامعقول الأوروبي منها إلى الواقعية الأميركية.

كان سام شيبرد صديقا حميما لأستاذي وصديقي الراحل جوزيف تشيكن، الذي أسس فرقة "المسرح المفتوح" في نيويورك بين 1963 ـ 1973 وأخرج Terminal - Mutation Show- Nightwalk - The Serpent Viet Rockمن تأليف سام شيبرد، ميغن تيري وجان ـ كلود فان إيتالي، وأحدثت ثورة رائدة ميزت المسرح الطليعي الأميركي عن نظيره الأوروبي.

ظلت صداقة المبدعين الكبيرين وطيدة بعد إصابة جو تشيكن بالجلطة الدماغية، بحيث أسهم شيبرد في تعافي صديقه وعودته للتمثيل بكتابة مسرحيتين له خصيصا، مثلهما على مسرح "مارك تيبر" في لوس أنجلوس، وأهداني جو تسجيلا صوتيا لهما، وهما Savage/Love (1981)، وTongues (1982). كما نشر الاثنان كتابا مشتركا يضم مراسلتهما المتبادلة، وبقيا على علاقة وثيقة إلى أن فارق جو تشيكن الحياة في عام 2003.

حاول جميع الممثلين تجسيد شخصيات بعيدة عن ملامحهم الذاتية

​​في عالمنا المعاصر، يدفن بعض الأطفال في قبور تحمل أسماء على شواهد، بينما يدفن آخرون تحت الأنقاض أو في مقابر جماعية، أما بعض الباقين فيعيشون كأحياء ـ أموات في ظل خوف مزمن من الاحتلال أو الاستبداد. تجاوز رمز "الطفل المدفون" في عديد من البقع الساخنة من العالم ما خطر في بال سام شيبرد حين ألف مسرحيته. لا شك أن وجود طفل مدفون في الحديقة الخلفية لمنزل أسرة أميركية فقيرة لا تنبت الأرض القاحلة فيها محصول الذرة إلا بمعجزة هو كناية تشير إلى رائحة زنخة لفضيحة أخلاقية مريعة تمزق شمل العائلة.

اقرأ للكاتب أيضا: رمضان والغربة عن الأوطان

إن الطفل/الرمز، الذي قتل خنقا وأخفي سره تحت التراب هو ثمرة سفاح محرّم، أنجبته الأم ثمرة لعقدة أوديبية أحدثت شرخا عميقا في عائلة تبدو بمجمل شخصياتها وكأنها من إبداع رائد مسرح العبث صموئيل بيكيت، بحيث نرى الأمل ينغلق أمام الشخصيات لتشتهي الموت وتتوق إليه. بالتالي، لا يقتصر تبدد الحلم على كونه موضوعا أميركيا، بل يصبح موضوعا عالميا في زمن تضخمت فيه المصائب مثل كرة ثلج منحدرة من قمة جبل إلى هاوية. الكل يحاول ستر العار المدفون في علاقة آثمة ومحرمة.

كم من أحلام تحولت في زماننا إلى كوابيس؟ كم من أسر يفترض أن تسود أفرادها المحبة والانسجام صارت بؤرة للفرقة والأحقاد؟ كم من فضائح وآثام أخفيت وراء الشعارات الطنانة وأقنعة الازدهار والتقدم الزائفة؟

تعتبر مسرحية "الطفل المدفون" جزءا من ثلاثية مسرحية عائلية الموضوعات كتبها سام شيبرد إلى جانب "لعنة الطبقة المتضورة جوعا" (1976) و"غرب حقيقي" (1985)، وإن كان بعض النقاد يضيفون إليها مسرحيتين لتصبح خماسية، وهما "أبله الحب" (1983) و"كذبة الذهن" (1985).

كانت انطلاقة مسرحية "الطفل المدفون" الأولى من مسرح "ماجيك" في سان فرانسيسكو عام 1978، وما لبث أن أعيد إنتاجها خارج ـ برودواي في نيويورك، وفي الوست ـ إند في لندن، ثم في شيكاغو.

يركز سام شيبرد اهتمامه في معظم أعماله ـ مثل يوجين أونيل وآرثر ميلر وتنيسي وليامز وإدوارد أولبي ـ على أسرة أميركية مفككة، محبطة وتعيسة، تعيش على بقعة أرض بور من ولاية إلينوي. لا يكف الأب العجوز "دودج" عن السعال، ويتجرع الويسكي الرخيص خلسة من زجاجة أخفاها في ثنايا كنبة مهترئة. لا تكف الأم "هالي" عن الصراخ والتذمر وإعطاء الأوامر، وتتردد إلى قس تأمل في أن يخلد ذكر ولدها الذي قتلته زوجته المهووسة دينيا في ليلة زفافهما بإقامة تمثال له في البلدة القريبة يصوره وهو يحمل بيد كرة سلة، وبالأخرى بندقية. ولداهما الباقيان على قيد الحياة بلغا الأربعينيات من العمر: أكبرهما "تيلدن" رجل مختل العقل يسرق أكواز الذرة من حقل الجيران ويغطي أباه بقشورها وهو نائم، أما الآخر "برادلي" فقطع ساقه خطأ بمنشار كهربائي ليعرج بساق اصطناعية دون عمل سوى أن يحلق رأس أبيه وهو نائم مسببا له جراحا دامية.

لا يلبث المتفرج أن يصعق باكتشاف أن ثمة جثة طفل مدفون في الحديقة الخلفية منذ عشرين سنة هو ثمرة سفاح قربى محرّم، لكن اختفاء أثر الجرم لم يلغ هاجس الذنب الذي يظلل بغيمة داكنة على وجدان كل من أفراد الأسرة المفككة إلى درجة أقرب للجنون.

تتطور الحبكة عندما يصل الحفيد (فينس) وصديقته (شيلي) من نيويورك لزيارة بيت الجد في طريقهما إلى نيو مكسيكو بحثا عن والده "تيلدن". يفاجأ الحفيد بوالده مقيما في البيت، لكنه لا يتذكر ابنه على الإطلاق، وكذلك الجد العجوز الذي يتوسل إليه أن يذهب ليشتري له أرخص أنواع الويسكي. يعود الحفيد ثملا ليحطم زجاجات البيرة والأبواب وينكأ دمل العائلة ليخرج القيح المتمثل في الطفل المدفون.

في ختام المسرحية، يستلم الحفيد الشاب "فينس" من جده العجوز "دودج" وثيقة ملكية البيت والأرض قبل أن يكتشف أنه مات فيغطيه ببطانيته عتيقة، وتتفرق باقي الشخصيات في بؤس روحي وضياع، بينما يدخل الابن الأكبر "تيلدن" حاملا بقايا الجثة المهترئة للطفل المدفون.

هكذا، تنتهي المسرحية نهاية غريبة سوداء، بحيث يحار المتفرج المعاصر فيما إذا قصد الكاتب أن يصور شخصياته بشكل واقعي أم تعمد الإغراق في الرمزية الغامضة! كما يتساءل المرء طيلة العرض فيما إذا كانت مشاعره وردود فعله تقتضي ذرف الدموع أم إطلاق الضحكات الهستيرية!

ما الذي أضافه الإحياء الجديد في "مسرح الكتاب" لهذه المسرحية القاتمة الساخرة، المحبطة والمفجعة، العبثية والرمزية؟ أخرجت المسرحية كيمبرلي سينيور ببراعة، وهي التي سبق أن اشتهرت بإخراج مسرحية هنريك إبسن "هيدا غابلر" ومسرحية "مذكرات آن فرانك" وسواهما.

يركز سام شيبرد اهتمامه في معظم أعماله على أسرة أميركية مفككة، محبطة وتعيسة

​أدارت المخرجة بكفاءة طاقما محترفا تألق فيه الممثل المخضرم المعروف لاري يوندو في دور الأب العجوز، الذي تكمن صعوبة دوره في أنه بالكاد يغادر أريكته المهترئة، معتمدا على صوته الأجش وتعبيرات وجهه فحسب. بالمقابل، رأينا الأم (لعبت دورها شانون كوشران) صاعدة نازلة من غرفتها التي غطت جدرانها بالصور العتيقة عن أمجاد الماضي بحيث يعكس ذلك توترها وقلقها الداخليين. نجح في تجسيد شخصيتي الولدين البالغين أربعينيات العمر كل من مارك مونتغمري في دور الابن الأكبر المختل عقليا والمسؤول عن خطيئة إنجاب الطفل الحرام، وتيموثي إدوارد كين في دور الابن الأصغر ذي الساق المقطوعة، الذي تفوق بحضور لافت وتقمص مرهف للشخصية.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تتحقق أضغاث الأحلام؟

في الواقع، حاول جميع الممثلين تجسيد شخصيات بعيدة عن ملامحهم الذاتية، ولم يستعرضوا أنفسهم في الأدوار، تحت إدارة مخرجة اختارت بذكاء التواري في الظل لإبراز النص والممثلين.

لكن لعل العيب الأهم في العرض الجديد، بالرغم من كون الديكور الذي صممه جاك ماكغاو واقعيا جدا، هو إن شعورا سرى للمتفرجين أن الممثلين كانوا منشغلين بعكس الدلالات الرمزية لشخصياتهم أكثر من تجسيد شخصيات من لحم ودم تتفاعل مع بعضها بصورة حيوية لا تخلو من ملامح الكوميديا السوداء.

أخيرا، يحق لنا التساؤل: ما الذي جعل مسرحية "الطفل المدفون" تحمل إيحاءات تعني المتفرج المعاصر بعد أربعين سنة على ظهورها الأول؟ الجواب هو أن سام شيبرد أشبع مسرحيته برمزية مبهمة يمكن أن تفسر على أي نحو يرغبه الفنانون والمتفرجون، وذلك حسب كل زمان ومكان يتم إحياء النص فيه، خاصة أن المشهد الراهن للعالم في ظل تجاهل الإثم الأخلاقي المريع الكامن وراء مظاهر الرضا السطحي عن النفس هو أشبه بالرمال المتحركة، التي كلما حاول المرء منها خلاصا، ازداد غوصا إلى القاع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.