عناصر من الشرطة الإيرانية -أرشيف
عناصر من الشرطة الإيرانية -أرشيف

بقلم عبد الحفيظ شرف/

"إذا هاجمنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سورية أو محافظة خوزستان (الأحواز، وهي أغنى المحافظات بالنفط)، فإن الأولوية هنا المحافظة على سورية، فإذا حافظنا على سورية معنا، فإن بإمكاننا استعادة خوزستان أيضا، ولكن إن فقدنا سورية لا يمكننا أن نحافظ على طهران" قد يبدو هذا التصريح الصادر عن رجل الدين الإيراني مهدي طيب في العام 2013 صادما إذا ما أمعنا النظر في حيثياته؛ لكنه بلا شك يعكس الأيديولوجية الإيرانية ومخططها في المنطقة وتعد دمشق قلب الاستراتيجية الإيرانية لتأمين الزعامة السياسية لطهران في المنطقة.

هذا القلب النابض يجب الحفاظ عليه بسياسات عدة تجلى بعضها عسكريا في تدخل ميليشياوي مباشر منذ انطلاقة الثورة السورية وسبقه وتخلله استخدام للقوة الناعمة عبر مؤسسات ثقافية نشطت في تقديم الفكر الإيراني من باب ديني وأيديولوجي عبر التشيع الممنهج الذي اتبعته مؤسسات الثورة الخمينية في سورية.

أعلنت طهران عن إنشاء فروع جديدة لجامعة "آزاد" الإسلامية في المدن السورية والعراقية الرئيسية

​​إن هذه السياسات الملتوية للتدخل في شؤون المنطقة لم تصاغ بشكل عشوائي، إنما بنيت على معادلة واضحة مفادها: استخدام المفهوم العقائدي لتحقيق غاية سياسية سواء على أرض سورية أو العراق قبلها واعتمدت كذلك إلى جانب البعد العقائدي استغلال شعارات معادية لإسرائيل وأميركا لتضمن بذلك آليات اللعب على الوتر العاطفي لتعبيد الطريق أمام التدخل الإيراني في كل مفاصل وشؤون المنطقة وذلك من خلال إنشاء وتدعيم مناطق نفوذ تسهل عمليات التأثير والتخريب مع فتح طهران كل وسائل الدعم للمؤسسات الحليفة في مختلف المناطق لضمان نجاح السيطرة بأشكالها المختلفة سواء أكانت عسكرية أم عقائدية.

اقرأ للكاتب أيضا: شيزوفرنيا الأمة

وبترجمة فعلية لتلك السياسة نرى أن طهران سعت عبر خلايا تنظيمية مختلفة إلى تصدير ثورتها الإسلامية، وهو ما يعنى أن إيران تسعى إلى بسط سيطرتها على العراق وسورية ولبنان وهذا ما يحصل اليوم بشكل فعلي والمنطلق الأساسي الأرض السورية، خصوصا مع المعارك التي خاضتها القوات الإيرانية والفصائل الموالية لها وعلى رأسها حزب الله والحشد الشعبي على الحدود السورية العراقية من جانب والسورية اللبنانية من جانب آخر لتأمين فتح ممر آمن يربط طهران ببيروت، مرورا بالعراق وسورية.

لا تخجل إيران اليوم من إعلان انتصاراتها العسكرية بعد أن نجحت في استغلال ضياع الرؤية الدولية وتشتتها في فترة الإدارة الأميركية السابقة والحجم الكبير لتعقيدات العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط لأجل تغيير الخرائط، وإعادة رسم الحدود، ليس جغرافيا فحسب إنما أيضا ديموغرافيا حيث لا تقتصر أهداف إيران على امتلاك نفوذ واسع في المنطقة وإنما أيضا لتصبح قوة إقليمية فاعلة فهي تتخطى ذلك لصالح تحقيق أهداف دينية واقتصادية وتجارية.

وهنا يبدو أن مخطط الهلال الشيعي الذي عصفت به القوى القومية منتصف القرن الماضي لم يندثر كما أعلن في حينها إنما عاد ليتجدد في هيئة محور للمقاومة ابتدعته طهران لتقود تحالفا من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في الشرق الأوسط والتي تسعى لتثبيت أقدامها في المنطقة.

وعلى الرغم من أن التدخل العسكري الإيراني في الدول الإقليمية ودعم الميليشيات الشيعية المسلحة غالبا ما يكون مصدر قلق الحكومات والدول المجاورة ولا يغيب عن عناوين الصحف دوليا، إلا أن هناك ما تخفيه طهران ويتجاهله الإعلام الدولي لخلوه من أي وصف عسكري ويتركز في تحركات إيرانية توصف على أنها ناعمة وتلخص استراتيجيات طهران لتعزيز أهداف ذات أبعاد مختلفة للنظام الإيراني عقائديا وأيدولوجيا.

ولعل أحد أبرز تلك الاستراتيجيات، هو ما أعلن في طهران وتم الموافقة عليه في دمشق وعواصم التحالف الثانية بإنشاء فروع جديدة لجامعة "آزاد" الإسلامية الإيرانية، في المدن السورية والعراقية الرئيسية وتوسيع فرعها الرئيسي في لبنان. الأمر الذي يختصر في فرضه وتطبيقه كيفية وشكل استخدام طهران لأدواتها التسلطية المجتمعية لتوسيع نطاق نفوذها في المنطقة ليصبح عمل هذه الجامعة رديفا، إن لم يكن مكملا ومتوجا، لما تقدمه مؤسسات ومنظمات إيرانية ترتدي عباءات تفاعل اجتماعي مختلف لدى شعوب المنطقة مثل تلك المنظمات التعليمية والثقافية والخيرية الإيرانية التي أنشأت في دول خريطة الطموح الإيراني للنفوذ.

ولا يغيب عن أحد أن تلك الوسائل التي تنشط إيران في تدعيمها وتسهيل انتشارها ووصولها في المجتمعات المحيطة تمهد في جانب لتدخل إيراني مباشر وتخلق في جوانب عدة مبررات هذا التدخل ومسوغاته، لأن هذه الأدوات الخفية في أهدافها لا تخرج عن كونها أدوات تكمل بها طهران ما يمكن وصفه باستراتيجيات القوة الصعبة أو العسكرية المباشرة لطهران. ويزيد من عبث تلك المنظمات والمؤسسات الاجتماعية والمدنية أنها تستخدم كغطاء مدني لقوات عسكرية من عناصر الحرس الثوري وهذا ما يخشاه كثير من المراقبين والمحللين.

سعت طهران عبر خلايا تنظيمية مختلفة إلى تصدير ثورتها الإسلامية

​​وكان علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري السياسة الخارجية للمرشد الأعلى علي خامنئي، قد أعلن نيابة عن رأس النظام بشار الأسد موافقته على اقتراح إيراني بافتتاح فروع لجامعة آزاد الإيرانية في كافة مدن سورية إذا أن بشار الأسد ولا حكومته لم تعلن هذا؛ لكن الجميع يعلم أن الأسد أصبح مجرد دمية تحركها القوى الخارجية سواء روسيا أو إيران كما تشاء وبحسب مصالحها. ولا يجب نسيان أن ولايتي كان قد شغل منصب وزير الخارجية الإيراني سابقا واليوم هو رئيس المجلس التأسيسي ومجلس الأمناء في هذه الجامعة وهو ما يؤكد حجم التداخل المهول بين نخب إيران السياسية الحاكمة والأنظمة التعليمية والثقافية التي تنشط خارجيا كما يؤكد فرضيات العبث الأيديولوجي الذي تخطط الجامعة بفروعها الخارجية لممارسته مستقبلا.

اقرأ للكاتب أيضا: الائتلاف الوطني السوري على فراش الموت

ولا شك أن دعم إيران لميلشيات الحوثي في اليمن هو امتداد لذات السياسة الإيرانية فأغلب قادة الحوثيين تتلمذوا في طهران ويخضعون لدورات ثقافية مكثفة واستخدمت طهران من خلالهم ذات الشعارات الطهرانية وهذا لعدة أهداف قد يكون أهمها الوصول إلى مضيق باب المندب بالإضافة إشغال المملكة العربية السعودية بحرب على حدودها الجنوبية وتمتد إلى داخل أراضيها.

كل هذه السياسات تستخدمها إيران بالتناوب أو بالتوازي بحسب الوضع والمصلحة السياسية، وقد زتدت هذه السياسات بشكل مضاعف تقريبا منذ توقيع الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه الرئيس ترامب أخيرا فأصبحت إيران بعد توقيع الاتفاق أكثر سخاء لأنها حصلت على المال المجمد لسنوات طويلة واستخدمته بشكل مريب لترسخ سياساتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة