تولد المؤسسات الاقتصادية النمو والثروة لأنها تشجع الابتكار وتكافؤه وتحفز عليه
تولد المؤسسات الاقتصادية النمو والثروة لأنها تشجع الابتكار وتكافؤه وتحفز عليه

بقلم جمال أبو الحسن/

للوهلة الأولى يبدو تحقيق النمو والازدهار معضلة اقتصادية. الاقتصاد علم وله قواعد. هو ينصب على دراسة السلوك الإنساني في مسعاه للتوفيق بين الغايات والموارد المحدودة التي يمكن استغلالها بأكثر من طريقة. بهذا المعنى، فإن المعرفة بقواعد الاقتصاد السليم تكفي أي دولة لمراكمة الثروة وتحقيق النمو المنشود. ولكننا نعرف جيدا أن هذا لا يحدث في العالم الحقيقي.

لو كان هذا صحيحا لكفى كل دولة أن تستعين بأذكى الاقتصاديين وأكثرهم حصافة ودربة لكي يرشدوها إلى ما يتعين عليها اتباعه من سياسات اقتصادية تفضي إلى الازدهار. لو أن الأمر كذلك لكان القضاء على الفقر شأنا هينا لا يستلزم سوى اتباع "الروشتة" الحكيمة للاقتصاديين الأذكياء.

واقع الحال أن عالمنا ينطوي على تفاوتات هائلة بين الدول من حيث الفقر والغنى. هذه التفاوتات وليدة شيء أعمق كثيرا من مجرد المعرفة بقواعد الاقتصاد. بل هي محصلة لما يتجاوز الاقتصاد ذاته.

المشكلة الرئيسية في المؤسسات المنغلقة أنها تقاوم الابتكار 

​​اجتهادات كثيرة حاولت تفسير الفجوة الهائلة في الثروة والتقدم الاقتصادي بين دول العالم. ربما أقدم الاجتهادات ما قدمه المفكر الفرنسي "مونتسكيو". هو جادل بأن المناخ هو المسؤول عن هذه الفجوة. الطقس الاستوائي ـ كما في حالة الشعوب الشرقية ـ يدفع الناس للكسل، بينما الطقس البارد يحفزهم للعمل كما في أوروبا. والحال أن تلك النظرية لا تفسر نهضة سنغافورة الحديثة مثلا ولا ماليزيا. بل إن توفر الموارد الطبيعية من عدمه ليس هو العامل الحاسم، وإلا كانت أميركا الجنوبية تفوقت على أمريكا الشمالية في مضمار النمو والتقدم.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: شبح ماركس! (8)

تفسير آخر قدمه عالم الاجتماعي الألماني "ماكس فيبر" جوهره أن السر في الثقافة، وبالتحديد في الثقافة البروتستانتية التي تنسجم مع قيم الرأسمالية (العمل والادخار والاستثمار والسعي للربح). على أن هذه الفكرة بدورها لا تقدم تبريرا كافيا لنمو كوريا الجنوبية مقارنة بأختها الشمالية، وكلتاهما تنتميان إلى ثقافة واحدة. هي لا تفسر كذلك نهضة اليابان والصين اللتين لا تنتميان للثقافة الغربية.

في كتابهما "لماذا تفشل الأمم؟" (?Why nations fail) حاول كل من James A.Robinson و Daron Acemoglu تقديم تفسير شامل. هو ليس جديدا تماما، بل ويبدو ـ للوهلة الأولى ـ تبسيطيا أكثر مما ينبغي. على أن الفكرة الجوهرية في الكتاب تساعدنا في تطوير فهمنا للرأسمالية بوصفها منظومة شاملة لا تعمل في فراغ، وليست مجرد نظام اقتصادي أو "روشتة" لمراكمة الثروة.

الفكرة ببساطة أن هناك مؤسسات اقتصادية منفتحة و"احتوائية"، وأخرى منغلقة وإقصائية واستغلالية. المؤسسات الاقتصادية المنفتحة وثيقة الصلة بالمؤسسات السياسية المنفتحة، والعكس بالعكس. تولد المؤسسات الاقتصادية النمو والثروة لأنها تشجع الابتكار وتكافئه وتحفز عليه. المؤسسات الاستغلالية ـ يسميها الكتاب "استخراجية" أي تقوم على استخراج الثروة من المجتمع أو الموارد الطبيعية وليس توليدها بالابتكار ـ لا تفيد سوى قلة قليلة.

الابتكار يغير المنظومة الاقتصادية بشكل جذري، يخلق رابحين جددا، ويخلف وراءه خاسرين

​​جوهر الفكرة هو أن ثمة ارتباطا وثيقا بين المؤسسات السياسية والاقتصادية؛ كيف؟

السياسة، في أبسط تعريفاتها، هي الطريقة التي ينظم بها المجتمع نفسه. العملية السياسية هي التي تحدد من يحوز السلطة، ومدى هذه السلطة. هي عملية توزيع "القوة" في المجتمع. في النظم المستبدة يكون توزيع السلطة محصورا في فئة قليلة، والقيود على ممارسة السلطة محدودة. هذا النوع من المؤسسات يصنع، بالضرورة، نظما اقتصادية "استخراجية" واستغلالية. ذلك أن من بيدهم السلطة السياسية يضعون "قواعد اللعبة" الاقتصادية. هم يصممون هذه القواعد بحيث لا يفيد منها سوى قلة قليلة من أهل الحكم والمرتبطين بهم. في هذه الحالة نصير أمام "دائرة جهنمية مغلقة" لأن المؤسسة السياسية المنغلقة تستطيع تعزيز قوتها باستمرار عبر وضع قواعد تضمن لها، ولفئة قليلة من المستفيدين، الحصول على النصيب الأكبر من الثروة ومن ثم تتولد لديها موارد أكثر لإحكام "إغلاق الدائرة الجهنمية".

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: هل القضاء على اللامساوة هدف أخلاقي؟ (7)

المشكلة الرئيسية في هذه المؤسسات المنغلقة أنها تقاوم الابتكار الذي هو محرك المنظومة الرأسمالية. الابتكار يغير المنظومة الاقتصادية بشكل جذري. يخلق رابحين جددا، ويخلف وراءه خاسرين. لا يلبث ذلك أن ينعكس على توزيع السلطة السياسية في المجتمع. مثلا: دخول التصنيع في بريطانيا ضرب الأرستقراطية القديمة المرتبطة بالأرض في مقتل، وكذا أصحاب الحرف الذين اندفعوا لحرق منزل "جون كاي" مخترع "النول المُمَيكن" في 1753 (عرف بالمكوك الطائر).

المؤسسات المنغلقة سياسيا تقاوم التغيير الاقتصادي الذي تجلبه تكنولوجيا جديدة لأنها تفهم أنه قد يفضي إلى توزيع جديد للسلطة السياسية في المجتمع. هكذا نفهم ـ مثلا ـ تأخر روسيا في مجال التصنيع. في 1849 أصدر القيصر "نيكولاس الأول" قانونا يحظر مصانع الغزل والنسيج، إلا بإذن الحاكم العسكري، خوفا من تجمع العمال. لم يجر تطوير السكك الحديدية في روسيا إلا بعد حرب القرم (1853 ـ 1856)، وبعد أن ظهر أنها نقطة ضعف عسكري قاتلة. بالمثل، الإمبراطورية النمساوية المجرية ظلت تعمل بطاقة الخيول حتى ستينيات القرن التاسع عشر. جوهر الخوف من التصنيع كان سياسيا. مع الصناعة، ستجذب المدن أقنان الأرض فيهجروا الريف وينهار النظام الإقطاعي. المؤسسة المنغلقة تحصن نفسها بمقاومة التغيير التكنولوجي والاقتصادي. مثال ثالث من الدولة العثمانية التي حرمت الطباعة عام 1515، ولم تبحها سوى في العام 1727. كان من محصلة ذلك أن 2 إلى 3 في المئة فقط من سكان الدولة العثمانية كانوا يجيدون القراءة والكتابة في العام 1800، في مقابل 50 في المئة في بريطانيا!

النمو الاقتصادي، كما يقول لنا كتاب "لماذا تفشل الأمم؟" ليس متعلقا فقط بالتكنولوجيا، ولكن بنوعية المؤسسات السياسية التي تسمح بنظام اقتصادي مفتوح يكون من شأنه تفجير طاقة الابتكار الكامنة في المجتمعات.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

US Speaker of the House Nancy Pelosi, Democrat of California, speaks about the 101st anniversary of the House passage of the…
ولدت بيلوسي من عائلة مهاجرة من إيطاليا وكانت الفتاة الوحيدة مع ستة أولاد

تتمتع بلدان كثيرة بقيادات نسوية مبهرة هذه الأيام. منها نيوزلندا برئيسة وزرائها جاسيندا أرديرن، التي أدارات عواصف سياسية عاتية في بلادها من هجوم كرايست تشيرتش وصولا إلى جائحة كورونا. وطبعا هناك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والمعروفة باسم "ماما ميركل" والتي استضافت أكثر من مليون مهاجر لألمانيا ودفعت ببلادها نحو التعامل بروح سياسية أكثر إنسانية نحو المهاجرين.

ربما لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، توجد سيدة حديدية من هذا النوع أيضا: نانسي بيلوسي، زعيمة الحزب الديمقراطي، ورئيسة مجلس النواب الأميركي. ولدت بيلوسي من عائلة مهاجرة من إيطاليا وكانت الفتاة الوحيدة مع ستة أولاد. تمثل سيرتها الذاتية نموذجا يعبر عن مدى اندماج المهاجرين في أميركا، حتى الجيل الأول منهم.

وهذا الاستيعاب السريع للمهاجرين يميز الولايات المتحدة عن غيرها من الدول الغربية التي لا تزال معظمها تعاني في ادماج هؤلاء في مجتمعاتها. لكن للأسف لعل هذا الأمر يمكن أن يتغير مع إدارة الأميركي دونالد ترامب والتي تكن عداءً والمهاجرين، حتى القانونيين منهم، هذا بالرغم من أن ترامب نفسه من عائلة مهاجرة.

في العام 1987، أصبحت نائبة في الكونغرس. استمرت بيلوسي بصعود سلم النجاح حتى أصبحت رئيسة الكونغرس سنة 2007

يجري النشاط السياسي في عروق بلوسي. فقد كان والدها عضوا في الكونغرس في ولاية ميريلاند وبعدها أصبح حاكما لمدينة بالتيمور، حيث ولدت بيلوسي ولاحقا بدأت مسيرتها السياسية بمساهمتها في حملات والدها الانتخابية وهي طفلة. ورغم إنجاب والدة بيلوسي، والتي ولدت في جنوب إيطاليا، سبعة أطفال إلا أنها هي الأخرى كانت ناشطة في الحزب الديمقراطي حيث كانت تقوم بتنظيم نساء الحزب. بيلوسي نفسها زوجة وأم لخمسة أطفال ولكن هذه المسؤولية العظيمة لم تمنعها من دخول التاريخ من أوسع أبوابه. مع العلم أن معظم قيادات العالم النسوية لديهن عائلات، لكن يبدو أن بعض الثقافات لا تزال غير قادرة على أن تتخيل قيام المرأة بأكثر من دور، بل وتخشى أمثال بيلوسي، فتحاول أن تقنن ما من شأنه أن يمنع حدوث ذلك.

كشابة يافعة، انتقلت بيلوسي إلى مدينة سان فرانسيسكو وخلال سنوات قليلة وبعد عدة مناصب في الولاية أصبحت رئيسة الحزب الديمقراطي لولاية كاليفورنيا. وبعد ذلك، في العام 1987، أصبحت نائبة في الكونغرس. استمرت بيلوسي بصعود سلم النجاح حتى أصبحت رئيسة الكونغرس سنة 2007، وكانت بذلك أول امرأة على الإطلاق تحصل على هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة. 

وفي عملها كمتحدثة باسم الكونغرس وعضوة فيه، تربعت بيلوسي على ملفات شائكة وواجهتها بقوة ليس فقط أمام منافسيها من خارج الحزب بل حتى من داخله. كانت بيلوسي من المعارضين لحرب العراق كما كانت دائما مدافعة شرسة عن الخدمات الصحية والاجتماعية للأميركيين والتي غالبا ما يصوت ضدها الجمهوريون. ومن آخر الملفات التي أدارتها بيلوسي ملف عزل الرئيس الأميركي، ومرة أخرى دخلت التاريخ بذلك، لتكون المرأة التي أدارت حملة التصويت ضد ثالث رئيس في تاريخ أميركا يصوت الكونغرس لعزله.

 اصطدمت بيلوسي داخل حزبها الديمقراطي مع شابات الحزب الجديدات والمعروفات بسياساتهن المتقدمة واللاتي يشملن المهاجرة الصومالية إلهان عمر، والفلسطينية الأميركية رشيدة طالب والأميركية الكسندرا أوكازيو كورتيز ذات الأصول اللاتينية وهي في عمرها، التاسعة والعشرين، تعتبر المرأة الأصغر في دخولها الكونغرس. 

مما لا شك فيه أن الحزب الديمقراطي، يبدو، بشكل عام، في سياسته الاجتماعية هذه أكثر تقبلا للتعددية وللأقليات حيث يمثل الكونغرس الأخير تعددية لم يسبق لها مثيل في أميركا. ولعل بيلوسي أدارت دفة الصدام ينجاح واستوعبت الخلافات داخل حزبها.

بيلوسي البالغة من العمر ثمانين عاما أنجزت حتى الآن ما لم تستطع آلاف بل ملايين النساء إنجازه ولا تزال مفعمة بالحيوية والنشاط

بيلوسي تتحدى جميع الصور النمطية للمرأة بشخصيتها القوية حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. فرغم أن الإحصائيات تشير إلى أنه لا يزال هناك تمييز ضد النساء في أميركا (مقارنة بالكثير من باقي الدول الغربية التي تشترك معها أميركا في الإرث التنويري الليبرالي)، حتى من النساء أنفسهن وبسبب الثقافة العامة فإن بيلوسي تشكل مثلا أعلى في شخصيتها القوية، ولعل أميركا التي لم تنجح بعد في اختيار امرأة كرئيسة بحاجة ماسة لنموذج مثل هذا لنسائها ورجالها.

الأمر الذي يدعو للاستغراب، أنه رغم عداء بيلوسي من قبل الرئيس الأميركي، إلا أنه لم يهاجمها بنفس الضراوة التي هاجم بها باقي خصومه. فما هو السبب يا ترى؟ هل يرى بها ندا يحترمه رغما عن نفسه؟ أم أن السبب هو خلفية بيلوسي المتدينة؟ فبيلوسي المنحدرة من عائلة كاثوليكية قالت لوسائل الإعلام ذات مرة إنها تصلي من أجل الرئيس ومن المعروف أن المتدينين المسيحيين من أكبر داعمي الرئيس.

بيلوسي البالغة من العمر ثمانين عاما أنجزت حتى الآن ما لم تستطع آلاف بل ملايين النساء إنجازه ولا تزال مفعمة بالحيوية والنشاط. فهما هو سر نجاح هذه المرأة؟ ولعلها بذلك تستحق فعلا أن تدرس كمثال لكل أميركية تحلم بكسر الحاجز الزجاجي في السياسة الأميركية. حتى ذلك الوقت، ومما لا شك فيه أن بيلوسي ستبقى تسطر التاريخ إلى أن تبلغ نفسها الأخير.

ولعلنا نتساءل في ختام هذه المقالة، هل تكفي سيدة واحدة لتكون رمزا ملهما للملايين؟ يدفعني التفكير ببيلوسي للتساؤل أيضا: لماذا لم تخلق أنظمة السياسة العربية هكذا امرأة منذ مئات الأعوام؟ حاولت بلا نجاح أن أفكر ولو بامرأة واحدة على الأقل من الدول العربية بأكملها، امرأة لعبت دورا قياديا حقيقيا وطويل المدى يوازي أو يقارب ما قامت به بيلوسي أو ميركل أو أرديرن. فلم أجد شيئا ذا بال. فلماذا لم تنتج مجتمعاتنا هكذا قيادات؟ لا بد أن العوائق سواء القانونية أو الاجتماعية أو الدينية محكمة بشكل صارم مما لا يسمح ولو لواحدة أن تشذ عن القاعدة. ليكون التساؤل الأخير هو كيف نكسر هذه الحواجز لتنفذ وتولد مواهب نسائية عديدة داخل هذه المجتمعات؟