عمرو خالد في إعلان تجاري
عمرو خالد في إعلان تجاري

ظهر قبل أيام الداعية الإسلامي الشهير عمرو خالد في إعلان تجاري لإحدى شركات الدجاج برفقة طاهية لتحضير وجبات شهر رمضان، يقول فيه إنه "لن ترتقي الروح إلا لما جسدك وبطنك يكونوا صح مع خلطة آسيا، مع وصفات الشيف آسيا بإذن الله سيكون ارتقاؤك إلى ربنا في قيام الليل بعد الإفطار وفي التراويح أحلى".

أثار هذا الإعلان جدلا واستهجانا واسعا في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مما دفع الشركة المنتجة إلى حذفه، كما اعتذر عمرو خالد عنه قائلا بأنه "قد أسيء فهمه وكأنه يستغل الدين للترويج لمنتج تجاري وهذا غير مقبول".

وسبق لعمرو خالد أن ظهر في إعلان آخر لإحدى أكبر شركات العطور في الشرق الأوسط، قائلا إن منتجاتها تتفق مع القيم الإسلامية التي تدعو للجمال. كما ظهر في دعاية أخرى عام 2007 للتحذير من سرقة وصلات لمشاهدة القنوات الخاصة، وقد اعتذر أيضا حينها عن هذا الإعلان قائلا إن من يعمل يخطئ وطلب السماح.

تم استبدال البورجوازية السورية التقليدية بحديثي النعمة من شركاء منظومة الفساد الحكومية

​​وظهر هذا الداعية قبل أشهر قليلة وهو يبتهل بالحرم المكي ويدعو لكل الشباب والبنات "الذين معه على الصفحة في الإنترنت" بأن يحقق الله أمانيهم. ولدى عمرو خالد أكثر من 29 مليون متابع على موقع فيسبوك، وهو رقم هائل لا يتناسب مع المستوى المتواضع لإعلاناته التجارية أو تعابير وجهه التي تبدو مصطنعة أثناء الدعاء في الحرم وفي الكثير من حلقاته التلفزيونية.

عمرو خالد داعية إسلامي بدأت انطلاقته الواسعة مع بداية القرن الحالي بمحاضرات ودروس دينية عامة كان يحضرها آلاف الأشخاص وسرعان ما انتقل إلى البرامج التلفزيونية التي تابعها ملايين. وقد أنجز خلال هذه السنوات عشرات من البرامج التلفزيونية والكتب الدينية التي كانت تلقى إقبالا جماهيريا واسعا.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة البابا فرنسيس ومحاكم التفتيش الأزهرية

في عام 2007 اختارته مجلة "تايم" الأميركية من بين المئة شخصية الأكثر تأثيرا في العالم، كما اعتبرته مجلة فورين بوليسي واحدا من العشرين شخصية الأكثر تأثيرا، واختير ضمن قائمة الطبقة المتميزة لنيوزويك في أحد أعداد نيسان/أبريل 2008. وتعرض عمرو خالد خلال السنوات الماضية لانتقادات من قبل علماء دين وناشطين بسبب حصوله على أموال مقابل قيامه بالدعوة. فقد ذكرت مجلة "فوربز" العربية أن صافي دخل عمرو خالد بلغ عام 2007 مليونين ونصف مليون دولار، وقد نفى عمرو خالد ذلك قائلا إنه تحريف من المجلة.

عمرو خالد ليس الأول في سياق هذا النوع من الدعاة. فقد انتشرت في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية ظاهرة الدعاة الشعبويين، الذين يلقون ترحيبا من الهيئات الدولية التي تعتقد أنهم يبشرون بإسلام معتدل يبعد الناس عن الفكر المتطرف. كذلك تدعمهم حكومات بلدانهم لأنها تعتقد أنهم يبعدون الناس عن كل ما له علاقة بالقضايا السياسية أو الهموم المعيشية الكثيرة للمواطن في هذه المنطقة من العالم.

لكن التجربة السورية الطويلة مع هذا النمط من الإسلام الشعبي الملقب بالوسطي والمعتدل تكشف عن الآثار المترتبة على انتشاره، وعن فشله في محاربة التطرف. أول أمثلة الدعاة الشعبويين في سورية، وأطولها عمرا وأكثرها أهمية، الشيخ أحمد كفتارو الذي استمر في منصب مفتي الجمهورية العربية السورية من عام 1964 حتى وفاته في العام 2004. وكان له محاضرات دينية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وبرنامج تلفزيوني في عقد الستينيات واستمر نشاطه الدعوي بالتوسع حتى تمكن من إنشاء مجمع ديني كبير في دمشق يتضمن مسجدا وعدة معاهد وكليات شرعية ومؤسسات تعليمية وخيرية.

لم تكن أحاديث الشيخ أحمد كفتارو بعيدة عن هذا الشكل من النشاط الدعوي الذي تقتصر مواضيعه على قصص القرآن الكريم وتفسيره والتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية وقصص الصحابة بطريقة عاطفية تأخذ الحضور بعيدا عن حياتهم الحالية وتحضهم على القناعة والصبر والرضى بالواقع الموجود مهما كان قاسيا حتى يعوضهم الله عنه في الآخرة، كما يركز على أهمية وأولوية العبادات بكل دقائقها وتفاصيلها على حساب المعاملة.

كانت دروس الشيخ كفتارو باللهجة العامية القريبة للمستمع والمفردات السهلة المتداولة، يتخللها دائما فواصل من المزاح تضفي جوا مريحا على الحاضرين. ورغم أنها لا تتعرض للمواضيع السياسية، ولكن أحيانا، وبإيعاز من أجهزة الأمن، يتم التطرق لبعض قضايا السياسة الخارجية بالطريقة التي تخدم توجهات النظام.

خلال هذا التاريخ الطويل حافظ الشيخ كفتارو على متانة علاقته مع النظام السوري، حتى عندما قتل عناصر تابعون للنظام ابنه المفضل الداعية زاهر وأصابوا ابنه الآخر محمود بجراح خطيرة في مزرعة للشيخ كفتارو بقرية دير العصافير في الغوطة في شهر شباط/فبراير من العام 1979 لم تتأثر علاقته مع النظام. كذلك الأمر، خلال الحملة الأمنية في بداية الثمانينيات والتي استهدفت كل المعارضين وبشكل خاص الإسلاميين. ولم تصدر عن هذه المؤسسة الدينية طوال تاريخها أي إشارة أو نقد خفيف للسلطة في البلد رغم مناخ القمع والفساد السائد، بل أصبح بعض تلاميذ الشيخ أعضاء في مجلس الشعب يستخدمهم النظام للتغطية على ممارساته والتمويه على طبيعته.

وكان تبرير هذه السياسة بالقول إن الشيخ اختار التعاون بإيجابية مع "الحكم الوطني" والبحث عن مكامن الخير فيه، مع الاستشهاد على صحة هذا التوجه بقول الحسن البصري "لو أوتيت دعوة مستجابة لجعلتها لمن يلي أمر المسلمين"، وكذلك بالتذكير بأن أي موقف غير إيجابي قد يعرض كل المؤسسات والمشاريع والنشاط الدعوي للخطر.

كان الشيخ كفتارو دائم السفر، كمفتي سورية المعتدل، برحلات خارجية طويلة شملت كل القارات. وكان أتباعه مقتنعين بأن آلافا عبر العالم يدخلون الإسلام على يديه في كل بلد يحل فيه. كان هذا العمل ناجحا داخل سورية من الناحية الشعبية وعلى ما يبدو أنه كان مجزيا من الناحية المادية، وهذا كان واضحا على نمط حياة عائلته ومساعديه، وقد ظهر ذلك للعلن عند وفاة الشيخ وما رافقه من خلافات بين الأبناء على الورثة.

انتشرت على منهج الشيخ أحمد كفتارو الشعبوي نهاية القرن الماضي في سورية عادة الاستماع للتسجيلات الصوتية والمرئية لمحاضرات وأناشيد دينية لعدد من رجال الدين في معظم المنازل والمحال التجارية ووسائل المواصلات العامة.

كما افتتحت سلسلة من المدارس الخاصة ذات الأجواء الدينية، ومعاهد لتحفيظ القرآن الكريم، ومع تدهور الأحوال المعيشية للسوريين ازدادت حاجة الناس للجمعيات الخيرية وللدورات التعليمية المجانية في المساجد التي كانت هي الخيار الوحيد المتاح أمام الأطفال والشباب في البيئات المتوسطة والفقيرة.

وكان من واجبات كل من يحضر هذه الدروس والنشاطات الدينية أن يبذل جهده لدعوة أقربائه وأصدقائه إليها. لقد كانت هذه الجمعيات والمؤسسات الدينية هي الجهة الوحيدة المنظمة والمسموح لها بالعمل في سورية، ولذلك خلال سنوات قليلة تغير شكل ومظهر الناس في الشوارع والمدن السورية، من انتشار الحجاب والنقاب والمعطف الغامق للنساء والفتيات، إلى إرخاء الذقن للرجال مع ارتدائهم لملابس يعتبرونها إسلامية. حتى طريقة الكلام ومخارج الحروف تغيرت وأصبحت بلحن أنفي قريب من أحكام التجويد تترافق مع ترديد مفردات دينية معينة خلال أي حديث، مع تقليد انفعالات وجه الدعاة باصطناع التودد والتواضع.

ساهمت هذه الخطوات في تجهيل المجتمع، وبات الجميع يرتدي لباسا متماثلا ويستمعون إلى نفس التسجيلات الدينية ويذهبون سوية للمساجد ويتابعون دروسا متشابهة من أمثال هؤلاء الدعاة. وأصبح عدم ارتداء الحجاب أو حتى النقاب حالة شاذة، وكذلك الغياب عن الصلوات في المساجد خصوصا في المناسبات الدينية مثل شهر رمضان. ويدفع الخارجون عن هذا الإجماع ثمنا يتراوح بين العزلة والنبذ، لذلك تدريجيا أصبحت شوارع المدن السورية مختلفة تماما عما كانت عليه قبل عقدين فقط.

اجتماع هذا الشكل من التدين مع أنظمة غير ديمقراطية لم يؤد إلى التقليل من خطاب الكراهية بل ساعد على انتشاره

​​وتم استبدال البورجوازية السورية التقليدية التي كانت رائدة النهضة الثقافية والصناعية بعد الاستقلال وصاحبة التوجهات الليبرالية، بحديثي النعمة من شركاء منظومة الفساد الحكومية بمواصفاتهم الأخلاقية المتواضعة. أما تجار السوق من البورجوازية المتوسطة فقد سار أغلبهم في طريق التدين السطحي الظاهري على حساب الالتزام بالأمانة والنزاهة في التعامل. وسيطرت مفاهيم جديدة تبرر هذا الانحدار الأخلاقي في المعاملة باعتباره شطارة وبالقول إن التجارة حلال.

بعد نصف قرن من تجربة هذا الإسلام "الوسطي المعتدل" في سورية كانت نتيجته انتشار الجهل والتركيز على المظاهر والقشور على حساب الجوهر وخلق أرضية خصبة للتطرف. لأن هذا النوع من التدين الشعبي لم يكن بعيدا عن مشاعر الغضب والكراهية التي يتم توجيهها نحو الخارج، ضد الدول المعادية للنظام السياسي لهذه البلدان. ومن أمثال هؤلاء أتى مئات المتطوعين الذين ذهبوا للقتال دفاعا عن نظام صدام حسين في العراق عام 2003. كما توجه هذا الغضب داخليا ضد كل من يختلف معهم ومع رؤيتهم للمجتمع والحياة.

اقرأ للكاتب أيضا: المأزق الذي يواجه "الإخوان المسلمين" في سورية

لذلك، فإن اجتماع هذا الشكل من التدين الساذج السطحي المغلف بالجهل مع أنظمة غير ديمقراطية ومحرومة من مصادر المعرفة والثقافة العامة والحياة السياسية الصحية لم يؤد إلى التقليل من خطاب الكراهية بل ساعد على انتشاره.

كما أن ثراء هؤلاء الدعاة الشعبيون والانطباع العام عنهم بأنهم غير زاهدين بالحياة الدنيا جعل تأثيرهم على الكثير من أتباعهم قصير الأمد ومحدودا خصوصا إذا تمت مقارنتهم ببعض دعاة التطرف الذين يبدون أقل اكتراثا بمظاهر الثراء والرفاهية. ولذلك فقد كان الدعاة الشعبويون مجرد محطة مؤقتة في الطريق إلى التطرف عند بعض تلامذتهم.

لهذه الأسباب مجتمعة، فإن هؤلاء الدعاة، ورغم عدم دعوتهم للتطرف مباشرة، فإنهم خلقوا الأرضية المناسبة لوجود التطرف وانتشاره.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.